جدعون ليفي
نُشفق على مفرقعي الألسنة في اسرائيل لأنه تمر بهم ايام غير سهلة. ان متظاهري الاحتجاج حطموا واجهة بنك زجاجية، وأغرقت الجمهور موجة منافقة من الشكوى والتأنيب. وأغلق المتظاهرون ايضا الشارع أمام الحركة، والويل للعيون التي ترى ذلك، وأصبح الجميع كلهم تقريبا ضدا لهم.
أصبح الاحتجاج في لحظة نادرة غير لطيف كما كان يجب ان يكون منذ زمن، وأصبح الجميع يهاجمونه باجماع تقريبا. ويحكم أيها الاولاد، لا يسلكون هذا السلوك، كيف لا تخجلون. وصرخت عناوين الصحف الانتهازية والمعادية تقول: ‘تم تجاوز الخط الاحمر’ و’فقد الاحتجاج السيطرة’، وعبّر ناس جمهور من اليسار واليمين عن ‘زعزعة’. حذارِ انهم ‘فوضويون’. ودعا كبار السن ذوو المسؤولية الاحتجاج الى النظام لأنه إن لم يفعل فسيُعاقب، لأن هذا هو ترتيب الامور في الديمقراطية الاسرائيلية، فهي قد تُحب الاحتجاج لكن حينما يكون مروضا متجمعا في أدب ويُراد له ان يكون مع شلومو آرتسي، وألا يكون بين الثانية والرابعة وألا يكون في مركز المدينة وألا يدوس الاعشاب الخضراء وألا يُوسخ وألا يُكسر وألا يشوش بالطبع على راحة الجيران. يجب ان تكون مظاهرات ‘قانونية’ فقط مع تصريح من الشرطة التي تريد ان تعلم سلفا ما هي الخطط، وفي اماكن يُبيحها رئيس المجلس البلدي والقائد العام للشرطة فقط، وإلا فان الأب حولدائي والأم دنينو قد يغضبان وقد تكون تلك النهاية (للاحتجاج). لهذا السبب بالضبط فشل احتجاج الصيف الماضي، فقد كان لطيفا. وقد تناول طعامه بفم مغلق وبالسكين والشوكة من غير ان يضع يديه على المائدة كما يُحب الوالدان. وليس هذا بالطبع احتجاجا بل فنتازيا صيف، صيف من السعادة. ولم تُشر النظرة اليه ايضا ما بقي لطيفا الى أي وعي مدني وديمقراطي. فقد أحبته اسرائيل لأنها عرضت بواسطته وجهها الجميل: فقد تابع عالم كامل بتأثر خيام روتشيلد وشعر الاسرائيليون مرة اخرى بشعور حسن بأنفسهم لكونهم مشاركين في العمل الاجتماعي.
وقد عرفت الدعاوة الاسرائيلية كما عرفت في شأن المثليين، كيف تستعمل الاحتجاج الاجتماعي لحاجاتها، فهنا الديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط حتى لو كان الواقع يختلف تمام الاختلاف تحت العباءة المُضلة. لكن في اللحظة التي حطم فيها ‘الاحتجاج’ تعالوا نُدخل احتجاج الصيف الماضي بين قوسين القواعد التي أقرتها الدولة الأم جاء الرد بعنف من الشرطة لا تناسب فيه وبتنديد وعيب. ان الكثير جدا من الخطوط الحمراء يتم تجاوزها هنا وثار الغضب على تهشيم واجهة البنك الزجاجية. ليس صيد البشر المُهين في الشوارع ولا الاعتقالات الادارية ولا اعتياد رجال الشرطة على العنف ولا نظام الفصل العنصري في المناطق، ولا انفاق عشرات ملايين الشواقل على سكن بديل فاضح لمن سكنوا في ارض مسروقة، ولا التحريض العنصري على كل مخالف في المجتمع، لم يتجاوز كل ذلك أي خط احمر بل تجاوزته دافني ليف وحدها.
ان اسرائيل التي تُظهر التسامح مع احتجاجات اخرى أقل لطفا نفد صبرها فجأة. فمظاهرات الحريديين وشغب مشجعي كرة القدم وهوج المستوطنين وعنف أكبر كثيرا، كل ذلك لم يتجاوز أي خط احمر، فمن الحقائق ان قليلين فقط تم اعتقالهم وعوقب أقل منهم بعد ذلك. لكن حينما يحطم المحتجون الاجتماعيون الأدوات للحظة تأتي فورا ضربات واعتقالات جماعية مما أقرت المحكمة ايضا أنها لم تكن قانونية، ولا يعتبر هذا ايضا تجاوزا لخط احمر.
ليس عجبا ان الاحتجاج الاجتماعي بخلاف مظاهر احتجاج جماعات اخرى في المجتمع، يريد ان يضعضع النظام القائم. وهذا بالضبط ما لا يُحبه الوالدان. فالحريديون ومشجعو كرة القدم والمستوطنون يريدون الحفاظ على النظام القائم خاصة الذي يتم في اطاره الارغام الديني وملاعب كرة القدم العنيفة ونظام الاحتلال القاسي. ويستطيع المجتمع والمؤسسة تحمل ذلك لا تحمل التغيير.
يجب على الاحتجاج الآن ان يقرر الى أين يتجه. هل يستمر في اللعب بحسب القواعد التي تُمليها عليه المؤسسة بحيث تُنصب خيمة نائية قرب محطة قطار أو يكون غضبه وتصميمه قويين بما يكفي ليقول للمؤسسة نحن سنحطم الأدوات ولن نلعب. ان الخيار الاول سيضمن صيفا لذيذا آخر للجميع والثاني وحده يمكن ان يُحدث تغييرا.
هآرتس 28/6/2012