الجزائر: تحركات نحو روسيا والصين وتوترات مع فرنسا وانتظار للرئاسيات

محمد سيدمو
حجم الخط
0

سنة دبلوماسية بامتياز، بفعل التحركات الرئاسية نحو عواصم بلدان كبرى ومحاولة الجزائر الانضمام إلى تكتلات اقتصادية وهيئات أممية، بعضها نجح وبعضها خاب.

الجزائر ـ «القدس العربي»: لم تكن سنة 2023 في الجزائر حافلة بالرهانات السياسية الداخلية، فهي سنة وسيطة سبقتها ما اصطلح عليه بفترة الإصلاحات السياسية التي شهدت وضع دستور جديد للبلاد وانتخاب برلمان، وستليها العام المقبل الانتخابات الرئاسية. لكنها كانت سنة دبلوماسية بامتياز، بفعل التحركات الرئاسية نحو عواصم بلدان كبرى ومحاولة الجزائر الانضمام إلى تكتلات اقتصادية وهيئات أممية، بعضها نجح وبعضها خاب.

يبدو الوضع مستتبا للسلطة في الجزائر، رغم الاختلاف في النظرة لهذا الواقع، بين من يعتبره ثمرة مسار باشره الرئيس عبد المجيد تبون أدى لتمتين مؤسسات الدولة وساعده في ذلك انتعاش مداخيل البلاد بعد سنوات عجاف، وبين من يقول إنه نتاج أمر واقع تم فيه تحييد كل السلطات المضادة، خصوصا بعد وقف مسيرات الحراك الشعبي، ما جعل الساحة خالية من أصوات يمكنها أن تحرك النقاش العام.
وهذا «الاستقرار» الداخلي وفق الموالاة أو «الجمود» بتعبير بعض المعارضين، هو ما جعل الرئيس في سنته الرابعة من الحكم، يقرر تخصيص جهده الأكبر لدعم علاقات البلاد الخارجية ومحاولة استعادة تأثيرها وحضورها في المشهد الدولي وتوجيه ذلك لخدمة سياسته المعلنة بتطوير الاقتصاد وتنويعه والبحث عن شركاء جدد في الاستثمار، وهو هدف يأتي بعد إطلاق مشاريع لاستغلال مناجم وتطوير الزراعة وإعادة إحياء قطاعات صناعية وبعد إصدار قانون جديد للاستثمار يسعى لتقليص البيروقراطية وتحفيز الأجانب على دخول السوق الجزائرية.
وضمن هذا السياق العام، جاءت زيارة روسيا في حزيران/يونيو التي كانت لها أبعاد سياسية واقتصادية وجيو استراتيجية. ومن خلال تلك الرحلة المحفوفة بالمخاطر من ناحية توقيتها المتزامن مع الحرب الروسية الأوكرانية ونظرة الغرب المعادية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كان على الرئيس الجزائري أن يوازن بين تأكيد صداقة بلاده لروسيا وبين حيادها بخصوص ما يجري في أوكرانيا، وهو اختبار بدا صعبا بالنظر للعلاقات المتشابكة والتاريخية مع موسكو وحدة الضغط الغربي ضد كل من يتعامل مع روسيا خاصة من جانب الولايات المتحدة.
لكن تبون الذي حظي باستقبال كبير في الكرملين، لم يُظهر تحفظا كبيرا في تصريحاته التي كانت تلقائية ومباشرة، فتحدث عن اعتزاز بلاده بصداقة روسيا وعلى الشراكة الاستثنائية التي تربط البلدين، تماما مثلما حرص على إظهار الحياد عبر طرح فكرة الوساطة بين موسكو وكييف. وذكر ردا على سؤال حول الضغوط الغربية التي تحاول ثني بلاده عن إتمام صفقات مع روسيا إن «الجزائريين ولدوا أحرارا وسيبقون أحرارا» وهو تصريح لاقى ردود فعل كثيرة واعتبر نوعا من التحدي بعد محاولات نواب في الكونغرس الأمريكي دفع بلادهم لفرض عقوبات على الجزائر بسبب صفقات السلاح مع روسيا.
ولاحقا، ظهر أن زيارة روسيا كانت محطة أولى ضمن توجه نحو الاستثمار في علاقات شركاء الجزائر التقليديين في الشرق. وهكذا جاءت زيارة الصين كمحطة ثانية، غلب عليها الطابع الاقتصادي، بالنظر للمشاريع الكبيرة التي تجمع البلدين، فالصينيون هم من يعول عليهم لإنجاز مشاريع السكة الحديدية داخل الجزائر وهم من يتولون بالشراكة مع مؤسسات جزائرية استخراج وتحويل خام حديد منجم غار جبيلات الضخم وهم من يتم الرهان عليهم لتطوير مناجم الفوسفات شرق البلاد، كما أن أهم مشاريع البنية التحتية مثل تشييد ميناء الوسط والطرق السيارة والمدن تتم في الغالب بسواعد الشركات الصينية.
ولم تمر الزيارتان دون أن تثير حساسية مع فرنسا التي تحاول دائما الإبقاء على مصالحها في الجزائر رغم التاريخ الأليم بين البلدين. ومبعث الانزعاج الفرنسي، أن الرئيس الجزائري كان مقررا أن يزور باريس شهر حزيران/يونيو لكنه اختار الذهاب إلى روسيا. وفُهم الأمر في الأوساط الفرنسية، على أنه موقف من الجزائر رفضا للحملات المتواصلة في الساحة السياسية والإعلامية ضد اتفاقية الهجرة بين البلدين لسنة 1968 والتي تتيح بعض الامتيازات للجزائريين المقيمين في فرنسا وانزعاج من الضجة المثارة حول النشيد الوطني الجزائري بعد اعتماد مرسوم يوسع حالات عزفه كاملا بما في ذلك المقطع الذي يتوعد فرنسا بالحساب. وما يؤكد ذلك تصريحات وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف لوكالة «نوفا» الإيطالية التي أبدى فيها رفض بلاده للاستدعاء المتكرر للجزائر في النقاش الداخلي الفرنسي، معلقا بشكل ساخر على تصريحات نظيرته الفرنسية كاترين كولونا قائلا بخصوص النشيد: «ربما كان علينا أن نغير الموسيقى لأنها لا تعجبها أيضا!».
وفي الواقع، لم يكن هذا التأجيل الأول للزيارة وقد لا يكون الأخير، فقد كانت مقررة ابتداءً في شباط/فبراير لكنها أرجئت في أعقاب أزمة تسببت فيها الناشطة السياسية أميرة بوراوي التي غادرت إلى فرنسا عبر تونس واكتشف أنها غادرت بطريقة غير قانونية التراب الجزائري، وهو ما أثار أزمة دبلوماسية كبيرة بين البلدين، صعّد فيها الجانب الجزائري اللهجة متهما المخابرات الفرنسية بمساعدة بوراوي على الهروب، وشنّ إثرها الإعلام الجزائري حملة على ما وصفها بالدولة العميقة في فرنسا.
وبغض النظر عن العلاقات مع فرنسا التي يخضع تقييمها لعوامل يتجاوز الأحداث الظرفية، كانت زيارة الرئيس تبون إلى كل من روسيا والصين في بُعدها الآخر حملة لدعم حظوظ الجزائر لدخول منظمة بريكس التي يمثل فيها هذان البلدان الثقل الأكبر. لكن هذا الرهان الجزائري بدخول منظمة تمثل اقتصاديات بلدانها ثلث الاقتصاد العالمي والتعويل عليها في دعم الاستثمار في البلاد والرفع من قيمة العملة المحلية، تبخر بعد الإعلان عن قائمة الدول المعتمدة في اجتماع جوهانسبوغ بجنوب أفريقيا في 24 آب/أغسطس، والتي خلا منها اسم الجزائر، ليتحول هذا الطموح إلى نكسة شغلت طويلا الساحة السياسية، لتفسير أسباب هذا الرفض في وقت تملك الجزائر حلفاء كبار داخل المنظمة.
في مقابل ذلك، نجحت الجزائر خلال هذا العام في الفوز بعضوية مقعد غير دائم في مجلس الأمن، ستشغله ابتداء من كانون الثاني/يناير المقبل، وتقول إن أولوياتها منه، ستكون دعم السلم والأمن الدوليين والعمل على حل النزاعات والدعوة لإصلاح نظام عمل الهيئات الدولية. وتعول الجزائر من خلال هذا المقعد، على جلب مزيد من الدعم للقضية الفلسطينية والسعي للوصول إلى عضوية كاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة عملا بتوصيات القمة العربية في الجزائر. وقد أظهر العدوان الأخير على غزة أن القضية الفلسطينية باتت تمثل جزءا من السياسة الوطنية، وفق ما تتحدث به أحزاب سياسية، من خلال التصريحات السياسية والمواقف الرسمية.
كما انتخبت الجزائر بالمثل في مجلس حقوق الإنسان الدولي. وأبدت إثر ذلك انفتاحا على زيارة مقررين أمميين أحدهما معني بحرية التجمع والآخر بحالة المدافعين عن حقوق الإنسان خلال شهري أيلول/سبتمبر وتشرين الثاني/نوفمبر الماضيين، وجها ملاحظات تدعو للإفراج عن سجناء متابعين في قضايا رأي ومراجعة مواد في قانون العقوبات، يعتقد الحقوقيون أنها تستعمل لملاحقة نشطاء سياسيين ونقابيين وغيرهم.
وفي وقت تؤكد السلطات الجزائرية أنها تعالج الملف الحقوقي وفق الإصلاحات التي باشرتها منذ اعتماد الدستور الجديد، وتؤكد أن المحاكم خالية من متابعات على أساس رأي أو توجهات سياسية، تقول منظمات حقوقية إن هناك عشرات الأشخاص ما يزالون يقضون محكوميات في السجن أو يواجهون قضايا أمام العدالة بسبب آرائهم. ومن هذه القضايا التي أثارت تفاعلا واسعا هذه السنة، محاكمة الصحافي إحسان القاضي بتهم الحصول على تمويل من الخارج، في وقت ينفي هو ذلك ويؤكد أن محاكمته تتعلق بآرائه النقدية، وإدانته بـ 7 سنوات سجنا منها 5 نافذة. كما شهدت هذه السنة محاكمة أيضا للباحث في الشؤون الجيوسياسية رؤوف فرح والصحافي مصطفى بن جامع انتهت بالإفراج عن الأول في حين لا يزال الثاني ينتظر الإفراج.
وينتظر مع نهاية هذه السنة، أن تدخل البلاد شيئا فشيئا في الأجواء الانتخابية لرئاسيات 2024 وظهور المنافسين المحتملين للرئيس عبد المجيد تبون الذي لم يعلن بعد ترشحه لعهدة ثانية لكن هذا التوجه يبدو واردا بشدة لدى الأحزاب التي تناصره حتى وإن لم يحن الوقت للإفصاح عنه.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية