الناصرة ـ «القدس العربي»: يوجز المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية «مدار» الحرب على غزة بكل مراحلها وأهم أسئلتها: 1) لماذا يعتبر هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر حدثا تأسيسيا يدفع إلى تحولات داخل دولة إسرائيل؟ 2) كيف تدير إسرائيل الحرب، وماذا تريد؟ 3) كيف تتفاعل قضية الأسرى الإسرائيليين؟ 4) كيف تتفاعل قضية الفشل الأمني الإسرائيلي وتعكس ظلالها على مجريات الحرب؟ 5) ردود الفعل الدولية حول إسرائيل والحرب؛ 6) صناعة الرأي العالمي والخطابات التضليلية؛ 7) مصير السلطة الفلسطينية وحل الدولتين على ضوء مجريات الحرب؛ 8) إلقاء الضوء على تحولات مهمة أخرى تحصل تحت الرادار في ساحة الضفة الغربية؛ 9) تأثير الحرب على الفلسطينيين في الداخل. موضحا أن الهدف من هذا التقرير المطول هو رصد التحولات التي تعصف بإسرائيل حاليا، والمعضلات التي تواجهها، والتناقضات التي تتخبط فيها، والتي من شأنها أن تضع أساسات ملامح جديدة لدولة إسرائيل ولعلاقتها مع القضية الفلسطينية.
هجوم 7 أكتوبر
حدث صدم إسرائيل
يجمع المراقبون على أن الهجوم الذي قامت به حركة حماس في 7 أكتوبر قد تحول إلى حدث تأسيسي سيبقى ملازما لإسرائيل في المستقبل، وهو أكبر من أن يكون مجرد «ندبة» في وجهها. فالهجوم انطوى على مركبات نوعية لم تكن إسرائيل تتوقع أن تتعرض لها في آن واحد، على الأقل في هذه الفترة، وهي :
دخول ثلاثة آلاف مقاتل فلسطيني في تشكيلة عسكرية منظمة (تشبه الجيش أو الميليشيا) والقتال على مساحة تغطي عشرات الكيلومترات المربعة. ومع أن إسرائيل تعلن باستمرار أنها كانت مستعدة لمثل هذا السيناريو في الحدود الشمالية، فإن وقوعه في الحدود الجنوبية لم يكن بالحسبان بتاتا. وقد طاول هجوم حماس تسعة مقرات أمنية وعسكرية واستخباراتية، والسيطرة عليها بشكل شبه كامل بعد «تحييدها» وقطع الاتصال الصادر عنها، والاستيلاء على مواد من داخلها، وأسر عشرات الضباط والجنود الموجودين فيها.
حركة حماس هاجمت منازل الإسرائيليين في 22 مستوطنة مدنية، وسيطرت على كيبوتسات لساعات طويلة، وهو ما حول الهجوم إلى حدث «ضخم» سينطبع بالذاكرة العالمية والإسرائيلية والفلسطينية. وقد يرغب الإسرائيليون بمقارنته من حيث المكانة بهجمات 11 ايلول/سبتمبر في الولايات المتحدة، أو هجوم اليابان على ميناء بيرل هاربر في الحرب العالمية الثانية. وساهم اتساع نطاق الهجوم ووقوع أكثر من 1200 قتيل إسرائيلي في يوم واحد في إعادة تنشيط الخطابات والروايات المتعلقة بالمحرقة، والنازية، ومعاداة السامية، وهذه الخطابات تشكل حاليا الإطار العام الذي ينظر من خلاله معظم المجتمع الإسرائيلي والمناصرين لإسرائيل إلى الهجوم.
الأسرى الإسرائيليون وصلوا إلى نحو 241 شخصا، يشملون الضباط، والجنود، ومدنيين. في فترة الهدنة الإنسانية تم إطلاق سراح 110 منهم فقط. خلقت هذه القضية وضعا جديدا في إسرائيل التي لم تشهد في السابق قضية أسر جماعي واسع النطاق.
العديد من المستوطنات التي شملها هجوم حركة حماس لم تعد صالحة للسكن حاليا (وباستمرار يتم الكشف عن دور القصف الإسرائيلي العشوائي في حجم الدمار الذي حل بها). خلق الأمر حالة نزوح داخل إسرائيل، مع أن إسرائيل لا تستخدم هذه العبارة، وإنما تعلن بأن الأمر مجرد «إخلاء» للمستوطنات الواقعة في مناطق «الأعمال الحربية». يضاف إلى ذلك «إخلاء» سكان بعض مستوطنات الشمال، ليصل عدد الإسرائيليين الذين تمت «إزاحتهم» إلى مكان سكن آخر إلى نحو 130 ألفا، خالقين معهم أزمة اجتماعية وإغاثية، تتعلق برعايتهم، إسكانهم، تعزيزهم نفسيا واجتماعيا، واستيعابهم. ويشير تقرير حديث لمراقب الدولة إلى أن استيعاب هؤلاء الذين تم إخلاؤهم من مستوطناتهم كان قصة فشل كبيرة كشفت عدم قدرة الوزارات على التعامل مع الأمر كما يجب.
بالإضافة إلى الحرب على قطاع غزة، فإن الحرب الحالية تضع إسرائيل أمام ثلاث ساحات إضافية، في كل ساحة هناك «عدو» مختلف، وطبيعة مختلفة للتعامل الحربي معه. الأولى هي الحرب المستمرة مع حزب الله منذ 8 تشرين الأول/أكتوبر، وإن كانت حربا على «نار هادئة». وإن تطورها إلى حرب مفتوحة هو خيار ذو أرجحية عالية بالنسبة لإسرائيل ورغباتها، وهو خيار غير مفضل للإقليم، أو المجتمع الدولي، أو الولايات المتحدة. الساحة الثانية هي العمليات العسكرية في شمال الضفة الغربية، التي شهدت قفزة نوعية في شدتها، واستمراريتها خلال فترة الحرب. قد لا تعتبر هذه جبهة حرب أخرى، لكنها تستحوذ على اهتمام إسرائيل الحالي وهي ترى في الحرب فرصة سانحة لإنجاز ما لم يكن بالمستطاع إنجازه قبل الحرب. الساحة الثالثة هي البحر الأحمر ومضيق باب المندب، حيث يقطع الحوثيون طرق التجارة الإسرائيلية ويشكلون أزمة إقليمية وتجارية. إن تشكيل الولايات المتحدة لحلف عسكري لإعادة الأمور إلى نصابها في البحر الأحمر، يشير إلى اتساع الحرب لتشمل تحركات عسكرية إقليمية ودولية، وإن ظلت هذه التوسعات على صعيد «الحماية» و«الردع» وليس بهدف المشاركة في الحرب.
جنود الاحتياط
المركب الأخير الذي يميز هذه الحرب هو استدعاء نحو 360 ألف عنصر احتياط، وإشراكهم في الحرب بشكل مباشر، وهو أوسع استدعاء للاحتياط في تاريخ إسرائيل. من جهة، تعطلت قطاعات واسعة داخل إسرائيل تشمل الهاي تك، التعليم، اللوجستيات، التجارة، بسبب استدعاء العاملين فيها للخدمة العسكرية. من جهة ثانية، عزز استدعاء هذا القدر من الاحتياط تطبيع حالة الحرب في المجتمع الإسرائيلي، بحيث أن كل حي ومدينة ومستوطنة في إسرائيل لديها أبناء مشاركون في الحرب، وتقام جنازات ومراسم دفن تقريبا في كل المدن، وتنشط فيها لجان ومنتديات لرفع «المناعة القومية» وشحذ الروح القتالية.
هذه المركبات مجتمعة تشكل المشهد العام للحرب بالنسبة لإسرائيل وتضعها أمام حرب من نوع لم تشهده في السابق، وتشكل امتحاناً حقيقياً لمكانتها في الشرق الأوسط وعلاقتها مع الفلسطينيين تحديدا. فبغض النظر عن الخطابات التي تتبناها إسرائيل حول الحرب مثل، الحرب ضد حماس- داعش، المعركة بين النور والظلام، الصراع بين العالم الحر والإرهاب الإسلامي، إلا أن إسرائيل ستقف آجلا أم عاجلا أمام معضلة أن الفصائل الفلسطينية تحولت من مرحلة «المقاومة المسلحة الخفيفة» إلى مقاومة تشبه تشكيلة الجيش المنظم القادر على التخطيط، التجسس، الخداع، والهجوم.
كيف تدير إسرائيل
الحرب وماذا تريد؟
في ما يخص أهداف الحرب، وضعت الحكومة الإسرائيلية ثلاثة أهداف عسكرية وطرحتها باعتبارها الأهداف الوحيدة للحرب. هناك إجماع إسرائيلي على هذه الأهداف، لكن لا يوجد إجماع على ترتيبها حسب الأولوية، وهي 1) إعادة الأسرى الإسرائيليين، 2) تقويض قدرات حماس العسكرية والحكومية، 3) إنهاء التهديد الأمني لمستوطنات إسرائيل. لكن خلال الحرب تبلورت أيضا ثلاثة أهداف سياسية- عسكرية أخرى يتم إشراك الشارع الإسرائيلي بها بين الفترة والأخرى لكنها حاضرة بشكل ثابت على أجندة الحرب، وهي: 1) إعادة هيكلة السلطة الفلسطينية، 2) نقل ملف القضية الفلسطينية إلى مرحلة جديدة أكثر راحة بالنسبة لإسرائيل، 3) إبعاد حزب الله عن الحدود اللبنانية. الأهداف الثلاثة الأخيرة لا تتعلق بمجريات المعركة المباشرة، وإنما يمكن وصفها بأنها أهداف إستراتيجية تشكل الحرب فرصة سانحة لتحقيقها.
لكن لا يمكن مناقشة أهداف الحرب بمعزل عن فهم إدارة الحرب في إسرائيل والعوامل المؤثرة في سيرورتها. هناك عدة عوامل تؤثر في سير الحرب ومدتها والمساحة المتروكة للحكومة الإسرائيلية لتحقيق أهدافها، وهذه العوامل هي: 1) شخص بنيامين نتنياهو وصراعه المستميت على السلطة وهو عامل يدفع إلى إطالة الحرب بحجة القضاء على حماس؛ 2) طبيعة الائتلاف الذي يقود الحرب وقدرته على الاستمرار في تجانسه الداخلي وتماسكه؛ 3) الأزمة الاقتصادية المستفحلة وتعطل قطاعات واسعة من الاقتصاد الإسرائيلي، والتي تضع إسرائيل أمام تحديات داخلية قد لا تستمر في قدرتها على ضبطها كما هو حاصل حتى الآن؛ 4) رد الاعتبار الأمني والعسكري للحفاظ على مكانة إسرائيل الجيوسياسية والتي قد تكون على المحك، وهو ما يدفع إلى عدم الاكتفاء بـ «صورة نصر» وإنما لا بد من تحقيق إنجازات عينية؛ 4) مصير تفاعل الشارع الإسرائيلي مع استمرار الحرب وقضية الأسرى؛ 5) الموقف الدولي وتفاعلاته.
والمستوى الأخير لفهم طبيعة الحرب الحالية، وماذا تريد إسرائيل منها، يتعلق بمراحل الحرب. وضعت إسرائيل ثلاث مراحل رئيسية، معلنة بذلك أن الحرب الحالية قد تمتد طيلة العام 2024: 1) المرحلة الأولى هي تهيئة ساحة المعركة من خلال القصف الجوي واسع النطاق؛ 2) المرحلة الثانية هي المناورة البرية، التي تتضافر فيها كافة أسلحة إسرائيل البرية والجوية والبحرية للتوغل إلى قلب القطاع وهدم الأنفاق والقضاء على ألوية حماس المقاتلة؛ 3) هناك تلميح إلى أن المرحلة الثالثة قد تكون البقاء وإعادة الانتشار داخل القطاع والاستمرار لمدة أشهر في توجيه ضربات عينية إلى كتائب القسام بما يشمل الوصول إلى القيادة العليا من حماس. من الواضح أن إسرائيل لا تعلن عن المرحلة التالية من الحرب، إلا عند وصولها إلى نهاية المرحلة السابقة، ودراسة العبر، وتكييف الأجندة المستقبلية بناء على ما تم إنجازه.
ولا بد من الانتباه إلى أن المرحلة الثالثة من الحرب تفتح سؤال المصير السياسي للقطاع، وملف إعادة الإعمار الذي بات واضحا أنه يتجاوز مسألة «من المتبرع السخي» إلى مسألة ما هو «المشروع السياسي» القادر على ذلك. كما أن هناك تلميحات من مسؤولين إسرائيليين إلى أن سكان شمال القطاع لن يعودوا إلى أحيائهم قبل عودة سكان غلاف غزة من المستوطنين إلى كيبوتساتهم، الأمر الذي قد لا يحصل قبل العام 2025.
وترغب إسرائيل بأن تتم صفقة تبادل شاملة تنهي ملف الأسرى قبل الوصول إلى المرحلة الثالثة والتي قد تشمل «الانتهاء» من الاجتياح البري القتالي والاكتفاء بالاحتلال العسكري واستكمال القضاء على حماس على «نار هادئة».
إعادة الأسرى الإسرائيليين أم الاستمرار في الحرب؟
أكدت الحرب الحالية صفة متأصلة في المجتمع الإسرائيلي وهو أن التهديد الأمني يعتبر بوتقة صهر، ولحظة جامعة تدفع إلى إسكات الاختلافات والتصدعات الداخلية وإعادة اللحمة داخل المجتمع الإسرائيلي. فقد حصل الهجوم في فترة كانت تشهد الانقسام السياسي الأكبر داخل إسرائيل، وهو انقسام حزبي (بين معسكر نتنياهو ومعسكر مناهضي نتنياهو الذي ساهم في تكرير جولات الانتخابات لخمس مرات خلال أربع سنوات) بالإضافة إلى كونه انقساماً مجتمعياً هوياتياً (ما بين إسرائيل اليمينية المحافظة وإسرائيل الليبرالية الديمقراطية) وانقساماً في المشروع (ما بين دعاة الإصلاحات القضائية والهوية الدينية التوراتية للدولة ودعاة الدولانية وفصل السلطات والهوية الحداثية للدولة).
وقد أكدت الحرب أنها قادرة على تجاوز (على الأقل مؤقتا) هذه الانقسامات والتصدعات الداخلية على الأقل في الحيز العام والإعلام. وعلى الفور، تم توسيع الائتلاف الحكومي ليضم الفرقاء السياسيين الذين كان هناك شبه استحالة لالتقائهم على طاولة واحدة لصناعة القرار قبل 7 أكتوبر.
لكن هناك نزعات جديدة لا بد من رصدها أيضا والالتفات إلى معانيها، وهي تتعلق بالعلاقة بين طول العملية الحربية التي تخرج إليها إسرائيل وحجم الخسائر التي تتكبدها خلال هذه العملية. لم تخرج إسرائيل إلى الحرب الشاملة ضد قطاع غزة في اليوم التالي للهجوم، بل تريثت نحو 19 يوما قبل البدء بالهجوم البري. خلال هذه المدة، استنفدت إسرائيل كل إمكانياتها وطاقاتها لإعداد الجبهة الداخلية لوضعية الحرب الطويلة، الاستعداد النفسي لتقبل عدد كبير من القتلى أثناء العملية الحربية.
ومع أن هناك أصواتاً إسرائيلية تدعو إلى وقف الحرب، والاكتفاء بما حصل، واستكمال عملية تحقيق الأهداف بأدوات أخرى تتجاوز الحرب الميدانية الدامية، فإن هذه الأصوات تظل خجولة أمام حجم الكارثة التي ترى إسرائيل أنها حلت بها. ومع أن أهالي الأسرى الإسرائيليين (وهم بالمناسبة من مستوطنات الغلاف التي تمت مهاجمتها، وهي في معظمها تقع في المعسكر المناهض لنتنياهو) يرفعون من شدة حراكهم للمطالبة بالإفراج الفوري عن الأسرى، فإن هناك نزاعاً أخلاقياً-سياسياً في المجتمع الإسرائيلي حيال هذا الأمر. يمكن توصيف هذا النزاع على أنه بين «الجزء» أي عائلات الأسرى (ولا خلاف على واجب الدولة بإعادة أبنائها من الأسر) و«الكل» أي الدولة الإسرائيلية، والمنظومة الأمنية ومستقبل البلاد. وينشط في الأسابيع الأخيرة «منتدى الأبطال» وهو منتدى يجمع أهالي جنود وضباط الجيش الذين سقطوا خلال الحرب (والذين بالمناسبة يفوق عددهم عدد الأسرى الإسرائيليين). ويطالب هذا المنتدى، مع تفهمه الشديد لمطالب أهالي الأسرى، بعدم إيقاف الحرب تحت أي ثمن، ولكيلا تذهب تضحيات الجنود هباء. قد يلعب موضوع ارتفاع عدد الجنود القتلى خلال الحرب دورا مخالفا لما عرفته إسرائيل، ففي السابق كان ارتفاع عدد الجنود القتلى خلال جولات القتال يعتبر عاملا كابحا لاستمرار الحرب، وقد يكون ارتفاع عددهم خلال الحرب الحالية عامل دفع لاستمراريتها. وتشير التحليلات الصادرة عن مراقبين مقربين من دوائر صنع القرار الإسرائيلي إلى أن مقولة أن الحكومة الإسرائيلية قد تتخلى عن فكرة إعادة الأسرى الإسرائيليين «أحياء» قد تلقى تفهما (وإن كان على مضض) من قبل المجتمع الإسرائيلي.
قضية الفشل الأمني لا تغيب عن بال إسرائيل
كشف هجوم حماس (الذي عادة ما تسميه وسائل الإعلام الإسرائيلية بـ «الضربة الفجائية») عن الفشل شبه الشامل للمنظومة الأمنية- العسكرية- الاستخباراتية التي تعتبر مصدر فخر لدولة إسرائيل القوية. على الرغم من أنه كانت هناك إخفاقات عسكرية أو استخباراتية في حروب سابقة، فإنه بعد 7 أكتوبر أعلن رؤساء كل من الشاباك، الجيش، شعبة الاستخبارات العسكرية، مجلس الأمن القومي، وزير الدفاع، قائد سلاح الجو عن فشلهم المباشر، ما يعني كامل المنظومة الأمنية- العسكرية-الاستخباراتية. ويرى الإسرائيليون بأنه قد تكون هناك تداعيات إستراتيجية لهذا الفشل، وتحتاج إلى رصد في المستقبل، مثل مفهوم «المناعة الداخلية» وفكرة إسرائيل كأكثر مكان آمن لليهود، قدرات الردع الإسرائيلية، المكانة المرموقة لإسرائيل في العالم الأمني، ولدى مجتمع صناعات الأمن والمعلومات والاستثمارات العسكرية، والتحالفات الإقليمية ما بين الجيوش. في المقابل، يمكن من تحليلات المسؤولين الإسرائيليين، سواء السياسيين أو العسكريين، ملاحظة أن رد الاعتبار للمنظومة الأمنية العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية هو أمر حاضر في شكل الحرب، وحجم الدمار الذي تخلفه، والضربات «الانتقامية» وطبيعة الأهداف التي تسعى إسرائيل إلى إنجازها.
ردود فعل دولية
على إسرائيل والحرب
أعربت العديد من الدول عن تضامنها مع إسرائيل ودانت هجمات حماس. تقف على رأس هذه الدول الولايات المتحدة ثم باقي دول العالم الغربي. في المقابل، أعربت الدول ذات الأغلبية المسلمة في الشرق الأوسط وأفريقيا عن دعمها للفلسطينيين وانتقدت الاحتلال الإسرائيلي باعتباره السبب الجذري للهجوم، داعية إلى وقف إطلاق النار. لكن الأهم هو تحول الحرب إلى قضية رأي عام عالمي ارتبطت بالعنف المفرط لإسرائيل، انتهاكات قوانين الحرب، بنية إسرائيل القائمة على الاستعمار واحتلال أراضي الغير. ومع أن وزاراتي الخارجية والشؤون الإستراتيجية الإسرائيليتين، ومكتب الإعلام التابع لرئيس الحكومة، يستثمرون أقصى إمكانياتهم، ويعملون 24/7 إلا أن التفاعلات الدولية تفوق قدرة إسرائيل على ضبطها، أو استيعاب تشعباتها، وهو أمر قد يضع صورة إسرائيل مستقبلا على المحك.
في المقابل، كان الخطاب الشعبي عبر العالم يتفاعل لصالح الفلسطينيين فقد اندلعت عشرات المظاهرات الكبرى في مدن العالم.
صناعة الرأي العام العالمي وخطاب الحرب
انشغلت إسرائيل خلال الحرب بمسألة الترويج وصناعة الرأي العام العالمي، في محاولة لطمس الحقائق، وتشويه الرواية الفلسطينية، وفرض رواية صهيونية تشيطن المقاومة أو حتى حق الفلسطينيين بالتحرر من الاحتلال. ثمة توجهان بارزان لا بد من الانتباه إليهما في هذا السياق. الأول يعبر عن فشل إسرائيل في صناعة الرأي العام العالمي من خلال منظمات ومؤسسات (أو ما يعرف الهسبارا الرسمية). حيث كان هناك انخفاض سريع في حجم المنظمات والمؤسسات المناصرة لإسرائيل والتي تعتبر منخرطة في الهسبارا، بسبب عدم فعاليتها أمام الرواية الفلسطينية المهيمنة في العالم. يدل هذا الفشل على ارتفاع الوعي النقدي تجاه الاستعمار والحركة الصهيونية بين الجماهير في أنحاء العالم، وهو ظاهرة عادة ما تنشط بشكل ملحوظ في فترات الحروب في إسرائيل. في المقابل، فإن التوجه الثاني الذي لا بد من الاهتمام به، هو الارتفاع المهول في مشاركة المواطنين الإسرائيليين أنفسهم (وليس مؤسسات أو منظمات أو حكومات) في المبادرات التي تهدف إلى تشكيل رواية صهيونية حول الصراع، وهي ظاهرة يمكن تعريفها باسم الهسبارا الشعبية. وتعتبر الهسبارا الشعبية ظاهرة جديدة تستحق البحث للوقوف على تداعياتها وإمكانياتها، حيث تشكل منتديات جديدة (مثل منتدى عائلات المخطوفين) أطراً جديدة تضم عشرات الآلاف من المتطوعين الذين يحاولون احتراف الهسبارا الشعبية. وكل فرد إسرائيلي حر في طريقته لـ«احتلال» وسائل التواصل الاجتماعي، وارتجال أسلوبه للدفاع عن موقف إسرائيل وتعزيزه على الساحة الدولية.
الحرب والقضية الفلسطينية
شكلت الحرب انهيارا لعقيدة إسرائيل في ما يخص قطاع غزة. هذه العقيدة كانت تقوم على قناعة متينة، لكنها مغلوطة، بأن حماس سقطت في «وهم السلطة» وباتت تحت سلطة الردع الإسرائيلية. وقد استفادت الحكومات الإسرائيلية السابقة من هذه العقيدة التي تنسب إلى نتنياهو وتوجهاته السياسية في السماح لقدرات حماس في قطاع غزة بالتعاظم، وفي الوقت نفسه إضعاف السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. سمح الحفاظ على الانقسام، وعدم تحريك ملف القضية الفلسطينية، بتوسيع الاستيطان في القدس والضفة الغربية بشكل يُصعّب العودة به إلى الوراء. وقد فشلت هذه العقيدة بعدما اتضح بأنه بدلاً من أن تغرق حماس في «وهم السلطة» كانت إسرائيل نفسها هي من غرق في «وهم الردع» الذي تفرضه على الفلسطينيين. إحدى القضايا البارزة حاليا هي معارضة إسرائيل لعودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة، على الرغم من الضغط الدولي والإقليمي من أجل إعادة «تأهيل» السلطة الفلسطينية لتولي زمام الأمور في اليوم التالي بعد الحرب. وتخشى إسرائيل من أن إعادة السلطة الفلسطينية قد تمهد الطريق لإعادة نمو حماس واستيلائها في نهاية المطاف على النظام السياسي الفلسطيني. وتثير هذه المعارضة مسألة كيف يمكن لإسرائيل أن تمنع بشكل فعال عودة ظهور حماس وفي الوقت نفسه رفض عودة السلطة الفلسطينية، ما يخلق معضلة مثيرة للجدل حول المستقبل السياسي للنظام الفلسطيني كما تراه إسرائيل.
على المستوى الإستراتيجي، تدفع إسرائيل إلى تحقيق مخرجات سياسية من الحرب تتمثل في إعادة إنتاج الانقسام الفلسطيني بشكل أكثر مأسسة، من خلال خلق سلطة قوية، تكنوقراطية، وبديلة عن الأحزاب الفلسطينية في قطاع غزة. وعلى ما يبدو من تحليلات المطلعين الإسرائيليين، فإن إسرائيل تتمنى أن يتم دمج السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية مع السلطة الجديدة التي ستقام في القطاع، وليس العكس، ما يشير إلى أن السلطة الفلسطينية في الضفة ستكون أمام «امتحان» لإعادة تأهيلها ونزع هويتها السياسية الأيديولوجية وتحويلها إلى شرطي غير مؤدلج، وبلا أجندة سياسية، في المنطقة. لكن هذا المستوى الإستراتيجي يبقى مجرد توجهات عامة، إذ إن المستوى التنفيذي لهذه التوجهات منوط بمجريات المعركة على الأرض، الموقف الدولي والإقليمي، وقبول الفلسطينيين أنفسهم لشكل الحكم الجديد في قطاع غزة في حال لم تكن عودة حماس إلى الحكم أمراً مطروحاً بحكم مجريات الحرب ونتائجها.
ثمة تحولات داخل وزارتي الأمن القومي ووزارة الدفاع تجري بالتوازي مع اندلاع الحرب ولا بد من الانتباه إليها. هذه التحولات تجري بسبب وجود وزيرين من التيار الصهيوني الديني المتطرف في قيادة هاتين الوزارتين، وهو تيار ما فتئ يتوغل أكثر في الدولة العميقة ويمأسس لتوجهات متطرفة داخل الوزارات الأساسية في إسرائيل. من جهة، توازى دخول إيتمار بن غفير إلى وزارة الأمن القومي، المسؤولة عن الشرطة، حرس الحدود، السجون وتوزيع السلاح والحرس القومي، مع استقالة العديد من مسؤولي هذه الوزارة السابقين، أو خروج آخرين إلى التقاعد. ترك هذا فراغاً في داخل الوزارة تم ملؤه من قبل مستوطنين متطرفين جدا، وبعضهم من خريجي شبيبة التلال وأصحاب سوابق جنائية وإرهابية. من جهة ثانية، فإن تولي بتسلئيل سموتريتش منصب وزير ثان داخل وزارة الدفاع ومنذ بداية الحرب، استفاد المستوطنون من هذه التحولات وانفلتوا أمنيا، ومارسوا الإرهاب المنظم بشكل غير مسبوق.
الفلسطينيون داخل إسرائيل
عرضت إسرائيل الحرب الحالية باعتبارها حربا بين الإرهاب المتطرف من جهة، ومواطني دولة إسرائيل من جهة ثانية، سواء كانوا يهودا أو عربا، وباستمرار تذكر بأن هناك نحو 17 فلسطينياً بدوياً من بين ضحايا هجوم حماس في 7 أكتوبر.
بالإضافة الى أن عربا من مواطني دولة إسرائيل كانوا قد وقعوا أيضا في أسر حماس. في المقابل، صرح نتنياهو بأن الفلسطينيين في الداخل يعتبرون، نظريا، جبهة أخرى قد تنفجر في وجه إسرائيل الى جانب قطاع غزة، والضفة الغربية، والحدود الشمالية. ومع أن تفاعل الأحزاب والحركات السياسية الفلسطينية في إسرائيل مستمر منذ بداية الحرب، فإن الحرب الحالية لم تشكل، حتى الآن، لحظة ملحة لإعادة فتح الأسئلة الكلاسيكية داخل الحياة السياسية في إسرائيل والمتعلقة بمصير الهوية العربية لمواطني دولة إسرائيل وأساليب التعبير عن هذه الهوية والدفاع عنها. بل إن أعضاء كنيست عرب صرحوا بأنه لا يوجد ما يبرر إيذاء الأبرياء من الإسرائيليين ودانوا سلوك حماس، مستخدمين هذا التصريح كمقدمة لإدانة العنف الإسرائيلي على قطاع غزة. وقد كان هذا الخطاب الرسمي، الذي يتشارك به معظم أعضاء الكنيست العرب، يوازن بين المحافظة على خطاب فلسطيني تضامني والحفاظ على حدود الانتقاد التي تسمح بها المواطنة الإسرائيلية. في المقابل، استخدمت إسرائيل قانون الطوارئ في وقت الحرب، وفرضت إجراءات تعسفية وقيدت حرية التعبير والتجمهر في محاولة لضبط سلوك المجتمع الفلسطيني في الداخل. كما قامت بقمع ممنهج للأصوات العربية المناهضة للحرب بشكل واضح، سواء كانت فردية أو حزبية، مثل توقيف المشاركين في وقفات احتجاجية. وقد شهدت العلاقة بين الإسرائيليين والعرب في الحيز العام توترا واضحا بعد فصل عدة طلاب من الجامعات الإسرائيلية، وبعد فصل عرب من وظائفهم في المستشفيات أو القطاع التعليمي أو الخاص بسبب تضامنهم مع القضية الفلسطينية، أو مع حركة حماس.