رام الله ـ «القدس العربي»: وإن كان قطاع غزة يعيش الهجوم الوحشي الإسرائيلي منذ ما يقرب من ثلاثة أشهر حيث عداد الشهداء والجرحى والتدمير ما زال مفتوحا على مصراعيه، فإن الضفة الغربية وعلى امتداد أشهر وأسابيع عام 2023 كانت بمثابة النار الملتهبة تارة، وتلك النار التي تختبئ خلف الرماد تارة أخرى، فيما عملت محصلة هذه النيران معا وقادت إلى العملية العسكرية التي Hدهشت الجميع، وفجرت الحالة الفلسطينية والإسرائيلية كلها، وكتب لها أن تحمل اسم «طوفان الأقصى».
لقد حمل البيان الرسمي لإطلاق عملية المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة ما لا يقل عن أربع نقاط قدمت تبريرا للعملية، وكلها أو ثلاث منها على الأقل كانت تتعلق بما يجري في ميدان الضفة الغربية حيث ممارسات الاحتلال الإسرائيلي وتنامي مخططات الفصل والقتل والمصادرة والتهويد، وكلها قضايا قدمها القيادي في كتائب القسام محمد الضيف في خطابه الشهير صبيحة السابع من تشرين الأول/أكتوبر، بصفتها الأسباب وراء إطلاق العملية العسكرية المفاجئة للجميع.
فيما عملية إعادة النظر إلى رسالة الضيف ذاتها التي توجه فيها لكل المقاومين في الضفة والقدس والمناطق الفلسطينية عام 1948 تجعلنا نتوقف على واقع الضفة عام 2023 لقد عاشت حرفيا عاما متفجرا مليئا بالحرق والتدمير واعتداءات المستوطنين ومحاولة كسر واقع المسجد الأقصى بمزيد من الاقتحامات وتكريس سياسات السيطرة وفرض واقع جديد، وهو ما جعل الضفة الغربية والقدس بمثابة إحدى صواعق التفجير الذي كتب لقطاع غزة المحاصر أن يكون ميدانا لها، مع عدم تناسي حالات المقاومة التي تقودها مجموعات شبابية متجاوزة للأحزاب والفصائل، وهو الأمر الذي تمدد وتوسع رغم كل محاولات القمع والاستهداف.
الضفة الغربية وفرت كل صواعق التفجير
فأمام حكومة يمينية متطرفة يديرها يمين صهيوني فاشي متهم حتى لدى دولة الاحتلال بالتطرف والإرهاب وارتكاب الجرائم كانت الضفة الغربية ذلك المكان الذي يوفر كل صواعق التفجير، وحيث أن إسرائيل انتقلت لاستراتيجية مختلفة تماما مع الحكومة اليمينية التي أوصلت الأمور لحافة الانفجار، حيث لم تعد تبالي بأي مظاهر لعملية تسوية أو أفق سياسي، إنما وضعت أمامها استراتيجية تخير الفلسطينيين بين ثلاثة خيارات قاتلة لا رابع لها وهي: البقاء بلا حقوق، أو الرحيل أو القتل.
وعلى مدى عام كامل استمرت الحياة في الضفة والقدس المحتلتين على إيقاع تفجيرات صغيرة سقط فيها أكثر من 522 شهيداً، منهم 314 شهيداً منذ السابع من أكتوبر الماضي، ويا للمفارقة، لقد أصبحنا اليوم نصفها بالتفجيرات الصغيرة، في حين كنا ننظر لها على أنها جرائم وتصفيات وقتل وحشي، فما جرى ويجري في قطاع غزة جعل من مما تشهده الضفة الغربية فعلا يمكن تقبله وتجاوزه.
أرقام الشهداء وحجم وطبيعة التدمير الإسرائيلي ومعطيات الميدان تخبر المهتمين جوهريا بإن ما بعد السابع من أكتوبر مختلف عما قبله أيضا، الاختلاف هنا تمثل في المجاهرة بطرد الفلسطينيين وترحيلهم وقتلهم، وتصاعد الهجمة التي تستند على خطاب صهيوني مليء بالكراهية والقتل والحرق قولا وممارسة من دون أن يثير ذلك حفيظة الأطراف الدولية.
عام الاستيطان بدون منازع
لقد كان العام الماضي عاما للاستيطان بدون منازع حيث تشريع البؤر الاستيطانية ورصد مليارات الشواقل في سبيل تمدده السرطاني في الجسد الفلسطيني في مناطق «ج» وحمل ما بعد 7 أكتوبر ترجمة حرفية لكل المطامح والمطامع الاستيطانية، لقد هجر الاحتلال آلاف المواطنين من مناطق «ج» وهو ما تعزز بعد «طوفان الأقصى» من دون أي ضجيج، فيما أصبح المستوطنون جيشا مع توزيع ما يقرب من 50 ألف قطعة سلاح، وهو ما يعجل من المواجهة التي وإن كانت توقعا فإنها أصبحت حتمية من دون أن يطور الفلسطينيون أي استراتيجية فاعلة للحماية من أجل البقاء والصمود.
كما وحمل عام 2023 مزيدا من الاعتداءات على المسجد الأقصى المبارك، حيث تجاسر المستوطنون المتطرفون في هجماتهم وتحريضهم، وتعمقت حالة الحصار المفروضة على الأقصى لدرجة لم تتجاوز أعداد المصلين في الأقصى في إحدى الجمع عن ثلاثة آلاف مصل، وهو رقم تاريخي فعلا.
لقد كتب للعام الفائت أن تعود قضية الأسرى إلى مركزية الاهتمام الفلسطيني، فلقد بدأ عام 2023 بمشاعر الخيبة مع وفاة الأسير القيادي في حركة فتح ناصر أبو حميد، وهو المصاب بالسرطان، حيث كانت وفاته بمثابة عامل صدمة للوعي الفلسطيني العاجز حتى عن استعادة جثمان شاب معلل بالأمراض الخطيرة، وعلى العكس من ذلك تماما ساهم إطلاق سراح عميد الأسرى الفلسطينيين كريم يونس بتحريك الآمال في نفوس الفلسطينيين. فكان يونس حالة غازلت كل آمال الفلسطينيين وتطلعاتهم بالحرية والانعتاق.
غير أن تلك البهجة المستحقة سحقت باستشهاد الشيخ خضر عدنان أثناء تنفيذه إضرابا طويلا عن الطعام، حيث قدم الشيخ حكاية «نهاية رجل شجاع» وهي نهاية قدمت حدثا مأساوية ومفزعا. فلقد عكست تجربة رحيله الجانب المخيف في تجارب الإضراب عن الطعام التي ترتبط بمستقبل آلاف الأسرى الذين ما زالوا في السجون الإسرائيلية كانوا ينظرون للإضراب على اعتباره خيارا نضاليا في مواجهة السجن وسياسات السجان. لقد كان استشهاد الشيخ تعبيرا عن تحول كبير يشبه الانقلاب في تعامل الاحتلال مع قضية الأسرى، وأمام هذا التطور المأساوي تعمقت معركة الأسرى مع إدارات السجون مع استلام المتطرف ايتمار بين غفير إدارة ملف الأمن القومي الإسرائيلي حيث تنامت سياسات قمعهم ومحو كل انجازاتهم والتضييق عليهم.
وبذات النهج كرس الاحتلال مع عملية «طوفان الأقصى» الحد الأقصى من استهدف الفلسطينيين وزجهم في السجون، حيث عمد الاحتلال إلى جانب حملة اعتقال لا مثيل لها منذ سنوات طويلة العمل على إعادة واقع السجون لما قبل السبعينات.
وهو واقع صعب طرد جزئيا مع صفقة المقاومة التي تمخض عنها إطلاق سراح عشرات الأسرى الأطفال والأسيرات، فأعاد للفلسطينيين الأمل بتبييض السجون وزرع الأمل في قدرة المقاومة على استعادة وإعادة الأسرى إلى بيوتهم ولو بعد حين.
المجموعات المسلحة حضور ومحاولات القضاء عليها
نشطت مجموعات المقاومة المسلحة، مع تصاعد سياسات الاحتلال الإسرائيلي وتوسع وتوحش سياسات الاقتحام الميداني وتبني سياسة حصار المدن بشكل كامل ولأيام طويلة، وجرت مطاردة المقاومين وقتلهم بالعشرات.
وبعد «طوفان الأقصى» عزز الاحتلال من سياساته الاجرامية التي أصبحت ترتبط بتدمير الحاضنات الشعبية عبر تدمير البنية التحتية وتحويل حياة المواطنين إلى جحيم بنفس درجة استهداف المقاومين ومحاولة قتلهم واعتقالهم. وهو أمر ارتبط بمحاولات رفع أثمان رفض الفلسطينيين للاحتلال ومساندتهم لمن يتصدى له.
وعلى مدى عام كامل اقتحم الاحتلال كل شبر في فلسطين، وجرب كل سياسات القتل والمطاردة، ووصل الأمر إلى القصف بالطائرات التي دخلت على خط المواجهة مع تنامي قدرات مجموعات المقاومة في زرع العبوات الناسفة. كما امتدت عمليات الاقتحام على مدى أكثر من ساعات، وأصبحت موسعة تستهدف المدن والمخيمات ويرافقها اعتقال المئات.
وخلال العام الماضي سعى الاحتلال إلى رفع كلفة دعم فكرة المقاومة حيث فرض حصارا طويلا على المدن الفلسطينية وعزلها عن محيطها في سياسة أعادت المواطنين إلى فترة انتفاضة الأقصى الثانية.
وإن كان الاحتلال اعتقد انه تمكن من التخلص جزئيا من تجربة «عرين الأسود» في نابلس إلا أنها بقيت فكرة راسخة وملهمة في وجدان المواطنين، حيث استمرت ظاهرة المجموعات المسلحة في الضفة الغربية، وبدلا من تراجعها في الأعداد نجد أنها توسعت في كل من جنين ونابلس وطولكرم وأريحا وطوباس، كما ظهرت مجموعات خاصة بالقرى والبلدات.
تفاهمات أمنية خماسية من دون أفق سياسي
وأمام حالة المقاومة في الضفة الغربية التي تعززت بفعل سياسات الاحتلال وليس العكس، تم عقد اجتماعين خماسيين أمنيين في كل من العقبة وشرم الشيخ حضرها كل من الأردن ومصر والولايات المتحدة والفلسطينيين وإسرائيل، وبعدها دخل الفلسطينيون عمليا في مرحلة ما بعد التفاهمات ذات الطابع الأمني، فبدل أن يحدث تغيير يعكس اتجاه المسار السياسي السائد منذ سنوات (حيث استعاد الفلسطينيون خلال العام الماضي ذكرى أوسلو الثلاثين) سارت باتجاه انتحاري بفعل الضغط الأمريكي والإسرائيلي المتواصل لتحويل السلطة أو نقلها من مربع التنسيق الأمني إلى مربع الشريك الأمني أيضا، وخلال فترات متباعدة من العام الماضي عاشت الضفة الغربية فترات «بروفا» لما يمكن وصفه بإنه نموذج مصغر للحرب الأهلية الفلسطينية.
ومع ذلك استمرت السلطة في حشر نفسها في خيار واحد أو خيارين، إما التفاوض أو انتظار حدوث التفاوض، وهو ما كرس حالة الشلل العام التي انعكست حرفيا على تعاطي السلطة الفلسطينية مع تداعيات «طوفان الأقصى» ذاته، حيث بقيت سياسة الانتظار سيدة الموقف.
ويبقى الموقف الأصعب الذي يمتد من عام مضى لعام مقبل هو: كيف يمكن للضفة أن تقوم بدور اسنادي لقطاع غزة، ليس في وقت الحرب فقط إنما ما بعد اليوم الأول على تحقق وقف إطلاق النار؟ ولا يعني هذا أن الضفة بأحسن حال من غزة، ففيما الحرب التي تشن على غزة فإن عين الاحتلال على الضفة التي تتجهز لمجموعة من السيناريوهات التي لن تكون في صالح القضية الفلسطينية فيما لو انكسرت المقاومة وسحقت إسرائيليا في القطاع.
فدعوات وخطط التهجير من مناطق «ج» ما زالت مشهرة، حيث سيناريو حشر الفلسطينيين في مراكز المدن إلى جانب تهجير سكان المخيمات عبر سياسات استهدافها مستمرة وتعلن عن نفسها موقفا وممارسة يومية.
ومجمل الأحداث في الضفة الغربية خلال العام الماضي تؤكد أن الفلسطينيين عالقين، وفي ذروة الإحساس بعمق هذه الورطة حدث التصعيد وتفجرت الأمور، لقد وصلت حدا مثاليا من التفجير وهو ما أعاد القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد الدولي والإقليمي، إننا أمام مساحة مليئة بالفرص والتحديات أيضا، والمؤكد أن النتائج ترتبط بالعمل والأفق والقدرة على الخيال.