غزة 2023: الطوفان الذي أغرق كل شيء

سعيد أبو معلا
حجم الخط
1

غزة ـ «القدس العربي»: تؤرخ الذاكرة الشفوية الفلسطينية بالأحداث المهمة والبارزة، حيث يحفظ كبار السن تواريخ مهمة ترتبط بمراحل مرت بها فلسطين، مثل: أن تمطر السماء بغزارة في فصل الصيف، أو أن يسقط الثلج في منطقة غورية (غور الأردن) أو أن يحدث زلزال مدمر، وكذلك بأحداث مثل: النكبة والنكسة…ألخ، غير أن الأكيد أن تأريخا جديدا سيؤرخ فيه الفلسطيني يرتبط بعملية «طوفان الأقصى».

فالعملية التي شهدها عام 2023 كتب لها أن تكون الحدث الأكثر شهرة في التاريخ الفلسطيني الحديث، سواء ما تعلق منها بطبيعة عملية المقاومة الفلسطينية الجريئة والمبهرة، أو ما ترتب عليها من رد فعل إسرائيلي ودولي متوحش من قوى الاستعمار، وهو ما أعاد قطاع غزة لسنوات كثيرة للوراء.
وأمام تلك الحقيقة تؤكد معطيات الواقع، بعد 30 عاما على اتفاق أوسلو، أن فلسطين قضية وشعبا، كانت بحاجة لحدث كبير ومزلزل، حدثا توقعه الجميع أو طالب به، ليكون بمثابة الحدث المؤسس القادر على إعادة القضية الفلسطينية لمركزيتها بعد سنوات من تهميشها وتجاوزها وتجاهلها.
وصدف أن جاء الحدث «الطوفاني» من غزة التي ما زالت تعيش الحصار الإسرائيلي منذ ما يقرب من 17 عاما متواصلة، ومن مقاومة فلسطينية عملت على تمكين نفسها بما يمكنها من أدوات لمقاومة الاحتلال الذي يتربع على عرش الدول المتقدمة عسكريا وتكنولوجيا، إنها ثنائية الكف الذي يواجه مخرزا يصاب بجنون البطش والتدمير.
ينتهي عام 2023 ثقيلا جدا على قطاع غزة، فأمام الهجوم الفلسطيني الكاسح على مستوطنات غلاف قطاع غزة الذي سمي معركة «طوفان الأقصى» في 7 تشرين الأول/اكتوبر الماضي وما تلاها من عدوان إسرائيلي، ينتهي ليكون الحدث الأبرز في هذا العام فلسطينيا وعربيا وحتى دوليا.
تأتي الحرب أو الهجوم الإسرائيلي على غزة 2023 في سياق مغاير للحروب التي اعتادت إسرائيل على شنّها على القطاع، إذ فرضت المقاومة الفلسطينية ساعة الصفر من خلال عمليتها البطولية المخطط لها باحترافية عالية، وهي مسألة كسرت غرور القوة وكبريائها وحطمت تصورات الاحتلال عن نفسه وجيشه وقدراته أيضا.

هل يكون 2023 آخر سنوات الحصار؟

لقد جاءت عملية المقاومة مدهشة حقا، مثل حدث خيالي قادم من الأفلام، وذلك باعتراف خبراء عسكريين مستقلين، وتحديدا بعد 17 عاما من حصار خانق فرضته إسرائيل على قطاع غزة إثر نجاح حركة المقاومة الإسلامية حماس في الانتخابات التشريعية في 2006 قبل أن تفرد الحركة سيطرتها على قطاع غزة بعام واحد، وهو ما عزز من الحصار الخانق والتاريخي الذي تضمن منع أو تقنين دخول المحروقات والكهرباء والكثير من السلع، من بينها الخل والبسكويت والدواجن واللحوم ومنع الصيد في عمق البحر، وغلق المعابر بين القطاع وإسرائيل.
ويرى مراقبون أن الحصار الظالم والقاسي على القطاع يفترض أن يكون مع عملية «طوفان الأقصى» قد وصل نقطة لا يمكن بعدها الاستمرار، فعملية المقاومة بدت وكأنها إعلان صرخة لا رجعة عنها، فالمواجهات التقليدية خلال سنوات الحصار أعقبتها مجموعة من التهدئات والمعالجات الموضوعية المنقوصة التي كانت دولة الاحتلال تجد دوما طرقا للتنصل منها، وهو ما عزز من أن يكون قطاع غزة مكانا طاردا للسكان وغير مناسب للحياة الآدمية.
وبفعل الحصار الظالم ذاته وخلال العام المنصرم عاشت غزة أياما صعبة بفعل تزايد محاولات الهجرة الجماعية التي نفذها شباب يبحث عن أمل بحياة أفضل. لقد حول الحصار الخانق القطاع إلى مكان طارد للسكان، وحسب المرصد «الأورومتوسطي» لحقوق الإنسان، فإن مليونا ونصف مليون فرد من سكان غزة، يعيشون حالة الفقر جراء الحصار، فيما بلغ عدد العاطلين عن العمل حتى نيسان/ابريل الماضي نحو 250 ألفا، حسب وزارة العمل الفلسطينية. وهي معطيات قادت إلى تزايد ملحوظ في أعداد الشبان المهاجرين أو الراغبين في الهجرة من قطاع غزة إلى دول أوروبا وكندا.
وخلال عام 2023 هاجرت عائلات بكاملها إلى جانب مجموعات شبابية مترابطة بسبب الأوضاع الاقتصادية والسياسية، حيث أخذت الهجرة طابعا جماعيا، وهو أمر اعترف به مسؤولون صهاينة حيث عملوا على تسهيل هجرة السكان من القطاع طوعيا.
وكنتيجة لذلك مرت الشهور ثقيلة على مئات العائلات في القطاع وتحديدا عندما قرر البحر على شواطئ المتوسط أن يكون أكثر قسوة على أجساد أبناء القطاع الحالمين حيث إلتهم أجسامهم الطرية.

مسيرات العودة

خلال العام الماضي أعادت غزة ما أطلق عليه عام 2018 «مسيرات العودة وكسر الحصار» حيث اعتبرت مرحلة مُهمة من مراحل المقاومة الشعبية الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي، إذ قررت الهيئة الوطنية العليا لمسيرات العودة وكسر الحصار، إعادة تجهيز وتأهيل مخيمات العودة على الحدود الشرقية لقطاع غزة، وذلك بعد محاولة الاحتلال تشديد حصاره على قطاع غزة، وعدم قدرة الوسطاء على إلزامه بالاتفاقيات السابقة.
لقد جربت غزة مقاومتها الشعبية السلمية التي انطلقت في قطاع غزة في الـ 30 من اب/أغسطس 2018 واستمرت لعامين استشهد خلالها 217 مواطنا وأصيب المئات، وانتهت بتقديم إسرائيل تسهيلات لسكان غزة دون إنهاء الحصار الخانق الذي شل الحياة في القطاع ونقل ما يقرب 2 مليون فلسطيني إلى مراحل الفقر والجوع.
أمام تلك المعطيات الداخلية ومع تنامي سياسات الاحتلال الإسرائيلي التي هدفت إلى تكريس فصل غزة عن الضفة الغربية والقدس كان للمقاومة في القطاع موقفها الداعم والمساند للمقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية، وعلى أثر ذلك دخل القطاع مواجهة سابعة أطلق عليها اسم «ثأر الأحرار».
ففي التاسع من أيار/مايو الماضي، شنت طائرات الاحتلال سلسلة غارات على قطاع غزة، استمرت 5 أيام وأدت إلى استشهاد 34 فلسطينيا، منهم 6 قيادات من سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، في حين أعلنت الغرفة المشتركة للفصائل الفلسطينية عن قصف العمق الإسرائيلي برشقات صاروخية.

«طوفان الأقصى»
في مقابل «السيوف الحديدية»

فجر السبت 7 تشرين الأول/اكتوبر شنّت المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة عملية أسمتها «طوفان الأقصى» على إسرائيل، شملت هجوما بريا وبحريا وجويا، وتسللا للمقاومين إلى عدة مستوطنات في «غلاف غزة». أدت العملية إلى مقتل قرابة 1200 جندي ومستوطن إسرائيلي، وإصابة نحو 5431 وأسر قرابة 239. تمت مبادلة العشرات منهم بالمئات من الأسرى الفلسطينيين، في حين أدى العدوان الإسرائيلي الذي أعقبه على غزة إلى استشهاد أكثر من 21 ألف فلسطيني حسب بيانات جهاز الإحصاء الفلسطيني، 70 في المئة منهم نساء وأطفال، وإلى إصابة أكثر من 55 ألفا معظمهم أطفال ونساء أيضا.
وكشفت عملية «طوفان الأقصى» التي وصفت بالعملية «المعقّدة والفتّاكة» عن فشلٍ ذريعٍ لأجهزة الدفاع والأمن والاستخبارات في إسرائيل، فقد أخفق جهاز الأمن العام «شين بيت» والمخابرات العسكريّة الإسرائيليّة والموساد عن رصد عمليات التخطيط والتدريب والإمداد الممهّدة لهذا الهجوم المعقّد براً وبحراً وجوّاً.
وأمام صرخة غزة ورفضها الاستسلام للمشروع الإسرائيلي تصاعدت خطابات القتل والكراهية بحق القطاع بكل سكانه، حيث دعا وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، إلى «سحق غزة بكل قوة». فيما وصف وزير الدفاع الإسرائيلي أن دولة الاحتلال تحارب حيوانات بشرية، مبررا سياسة قطع الكهرباء والطعام والماء، فيما اعتبر وزير التراث بالحكومة الإسرائيلية عميحاي إلياهو إن إلقاء قنبلة نووية على غزة هو حل ممكن.
وكردة فعل إسرائيلية وبدعم أمريكي مطلق عاش قطاع غزة نهاية عام هو الأقسى والأشد كارثيّة، ليس في تاريخ المنطقة بل في تاريخ البشريّة الحديث، حيث تجلى جنون الاستعمار الذي كشف عن أنيابه ورؤيته لدولة الاحتلال الإسرائيلي في المنطقة، وفي المقابل تعرت منظومة كاملة من المؤسسات الدوليّة، القانونيّة والحقوقيّة، حيث فشلت فشلا ذريعا في القيام بدورها الإنساني والإغاثي، وتركت غزة لأشهر تحت القصف هو الأعنف وبأكثر الأسلحة فتكا بالبشر.
وتربع قطاع غزة على قائمة المناطق التي كسرت أرقاما قياسية في حجم القنابل التي أطلقت على منطقة تشهد كثافة سكانية، وأعلى معدل لسقوط الضحايا المدنيين، وأكبر معدل لاستشهاد الأطفال (أكثر 8500 طفل) والنساء (أكثر من 6300 امرأة) و311 شخصاً من الطواقم الطبية، و40 من الدفاع المدني و103 صحافيين.
كما عاش الصحافيون هناك أكبر مذبحة بحقهم، حيث استشهد أكثر من 90 من الصحافيين والعاملين في القطاع الإعلامي، منهم مصور قناة «الجزيرة» سامر أبو دقة في استهداف لطاقمها جنوب قطاع غزة. وتم تدمير منازل 50 صحافيا واعتقال 48.

غزة تصنع مجدها

اقتصاديا جاء عام 2023 في قطاع غزة عاصفاً، فتواصل القصف الدموي والوحشي أدى لدمار واسع ضرب مختلف القطاعات الأساسية، وأوجد أزمة إنسانية واسعة هي الأكبر عالميا.
كما أفضت الحرب على غزة، تحت وطأة الحصار الكامل الذي تفرضه إسرائيل على القطاع، إلى زجّ السكان في دوّامة غير مسبوقة من الحرمان والفقر المتعدد الأبعاد، وبالتالي إلى كارثة إنسانية على كافة المستويات، وحتى لو حدث وقف إطلاق النار حالا، فالمؤكد أن مئات ألوف المواطنين سيبقون لسنوات طويلة عالقين في دوامة الفقر والحرمان، في ظل فداحة الخسائر في الأرواح وهول أعداد الجرحى، وفقدان رأس المال البشري والقدرات البشرية، وتدمير البنى التحتية الاجتماعية والاقتصادية.
ورغم الصورة المأساوية السابقة فإن المقاومة على اختلاف تصنيفاتها وفي حال استمرت في صمودها الأسطوري، وانتهاجها مقاومة تتمكن من تكبيد الاحتلال خسائر فادحة فإن كل سياسات الاحتلال ستتحطم، وتتحول غزة إلى قبلة للعالم لتصنع مجدها على غرار مدن عالمية في الحربين العالميتين الأولى والثانية.
لقد أطلقت المقاومة الإسلامية حماس التي تحكم قطاع غزة عملية «طوفان الأقصى» لتعلن موقفا واضحا من الاحتلال واستمرار سياساته وتجاهل القضية الفلسطينية، لكن تأثير ذلك امتد أكثر مما خُطط له، فأغرق طوفان غزة كل شيء تقريبا، أغرق وهم دولة الاحتلال المتقدمة تكنولوجيا وعسكريا، ووهم القوانين والمعاهدات الدولية، ووهم دول العالم الحر، ووهم القيم الإنسانية، ووهم الضعف الفلسطيني، إنها جدارة غزة وبلاغتها في عام 2023 في أكثر مواقفها ضعفا وقوة أيضا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية