تميزت الفترة الأخيرة بعودة الموضوع النووي في واجهة الأحداث بانتهاء جولة ماراثونية من المفاوضات بين إيران ودول مجموعة 5+1 بهدف حصر القدرات النووية الإيرانية في أغراض سلمية تمنعها بالتالي من «صناعة القنبلة» كما يقال.
وإذا كان الملف النووي الإيراني من الملفات التي رتبتها الدبلوماسية الأمريكية على رأس أولوياتها، فقد جعلته الدبلوماسية الفرنسية أيضا كذلك ولكن لغرض مختلف لم يتطرق إليه المراقبون كثيرا.
أجل، لفرنسا تاريخ وباع طويل في التعاون النووي مع إيران يعود إلى 5 سنوات قبل بدء الثورة الإسلامية… فقد طلبت طهران من باريس آنذاك صناعة محطتين نوويتين لكنها لم تكتف بذلك بل قدمت قرضا لفرنسا بقيمة مليار دولار لبناء مصنع لتخصيب اليورانيوم في مدينة تريكاستان الفرنسية، لكن العملية لن تتجاوز كونها مشروع سيلغيه الخميني بعد الثورة.
غير أن العلاقات الفرنسية الإيرانية كانت أقوى من أن تترك الباب مغلقا أمام استمرارية تعاون تعدى الميدان النووي، فقد قضى الخميني 112 يوما منفيا في فرنسا فتلاقت المسارات الدبلوماسية والاقتصادية والشخصية لتنحت معالم التعاون النووي الذي تأسس على قناعة إيرانية من أن فرنسا يمكن أن تساعدها.
لكن أن تساعدها في ماذا؟ يبقى هذا هو السؤال! فإذا كان ثمة من مسارات التقت، فليس يعني ذلك ان التقت مصالح. ويبدو أن العلاقات الفرنسية الإيرانية باتت مؤسسة منذ البداية على غموض وجدت فيه إيران مصلحة ألا تزيله أبدا. ويكمن هذا الغموض في مسعى الأخيرة لتبوأ موقع القوة العظمى في المنطقة دون أن يتمكن المراقبون من تبيان إن كان ذلك بطريقة مشروعة أم لا. ومنبع هذا التساؤل، الذي بات مستمرا منذ زهاء ثلاثين عاما، هو السعي الدولي المخيّب أصلا إلى معرفة إن كانت إيران تخطط لامتلاك السلاح النووي فعلا أو «تكتفي» بامتلاك القدرة التكنولوجية التي تؤهلها لإنتاجها إن رأت هي ضرورة في ذلك، وهو ما يسميه المراقبون رغبة إيران في الوصول إلى «العتبة» ، بعبارة أخرى آخر درجة ترقاها قبل التمكن من إنتاج القنبلة.
يراهن الخبراء على أن تشكل العتبة هذه هي خط أحمر، في مضاربة جيوسياسية ترجح كفة الميزان التي تذهب في اتجاه أن إيران لن تقدم على اختراق معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية الموقعة سنة 1968 والتي هي، حسب التعبير الرسمي، طرف مؤسس منها.
لكن ثمة ثابث من ثوابث السياسة الإيرانية لم ولن يغادرها وهو أن خيار تفكيك البرنامج النووي بالكامل أمر غير قابل للتفكير ، فلا ننسى أن الجمهورية الإيرانية تابعة في قراراتها النهائية لإجازة من له الكلمة الأخيرة في كل المواضيع ، آلا وهو المرشد الأعلى. والمرشد الأعلى لم يفصح أبدا عن غرض البرنامج النووي الإيراني…
أمريكا تتجاهل … أما فرنسا، فتذكّر…
٭ باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي
بيار لوي ريمون