“الجيش في وضع معقد، لكنه لا يستطيع أن يقول للمستوى السياسي إنه يريد التوقف ويعيد التفكير، لأنه يعرف أن نتنياهو لا يبحث إلا عن ذريعة لاتهام الجيش الإسرائيلي وتشويه سمعته في نظر الجمهور”، كتب لي يئير لبيد، رئيس المعارضة، في مراسلات عبر “واتساب” الثلاثاء الماضي، التي بدأت بملاحظة له على مقالي السابق. تفاجأت من قوله إن الجيش في وضع معقد، ومن الشك بأن قادة الجيش يخفون رأيهم بسبب خوفهم من نتنياهو، وهو شك مبالغ فيه في نظري. حسب انطباعي، ورغم موت الجنود، فالجيش يتقدم ببطء وتنظيم (حسب أقوال قادة في الميدان)، في الطريق إلى تحرير المخطوفين، وسيكون التوقف وفقاً للاعتبارات العملياتية. أجبته في موضوع قادة الجيش: “رئيس الأركان شجاع ومستقيم ويعمل حسب فهمه. وغالانت أيضاً حسب أسلوبه. وإذا كان لديك اقتراح أفضل وأقل نزفاً بشأن العملية العسكرية فلتتفضل بطرحه”، كان هذا رده عموماً. “كنت سأحدد للجيش من الأسبوع الأول الهدف الاستراتيجي للحرب”.
كما كتبت له أيضاً أنه “يؤسفني أنه لم ينضم لحكومة الطوارئ (اقترح في 7 أكتوبر تشكيل “حكومة طوارئ مهنية مقلصة”، لكنه كان يقصد حكومة مختلفة). وأجاب: “لو انضممت لأثبت لبيبي كرئيس حكومي شرعي. هذه ليست حكومة طوارئ، بل حكومة أخرى لنتنياهو. كان على بني وغادي الخروج من الحكومة بعد تمرير الميزانية المعيبة هذه، وبدأ بيبي المواجهة الزائدة مع الأمريكيين. هم يعطون الشرعية لمواصلة حكمه”.
هاكم بضع كلمات حول خلفية التكاتب. لقد أيدت في كتاباتي حكومة التغيير، وبينيت ولبيد كانا في نظري رئيسي حكومة ناجحين (رغم أن بينيت أظهر ضعفاً تجاه السنوار)، وأنهما قدما نموذجاً حول كيف يمكن التوحد بدلاً من الصراع. في حياته السياسية، هاجمت لبيد ومدحته أيضاً؛ لقد مدحت مواهبه الأدبية، وروح الفكاهة لديه واتساع أفقه واهتمامه الأصيل بالله.
مكاتبات “واتساب” المعدودة بيننا بدأت عندما تماهى مع مقال نشرته حول قضية الطنطورة في الفترة التي كان يشغل فيها منصب وزير الخارجية، وتواصلت عندما طلب التدقيق وتصحيح الأمور. وأراد أن يصحح في هذه المرة: “ملاحظة بخصوص مقالك. عليك ألا تسقط في شرك نتنياهو. أنت تكتب: “أنا أؤيد موقفه أن السلطة الفلسطينية بصيغتها العدائية لا يمكنها أن تحكم في غزة”. هذا ليس موقفه، هذا موقف الجميع. لا توجد جهة أو شخص جدي واحد يعتقد غير ذلك. هو يقوم بحملة كاذبة تقول “لبيد – غانتس – بايدن يعيدون أبو مازن إلى غزة، ووحدي من يمنع ذلك”. بالطبع، لا أحد منا اقترح ذلك. لأنه من الواضح أن على السلطة الفلسطينية اجتياز إصلاحات شاملة أولاً، وبعد ذلك ربما تكون أحد المكونات في الجهاز المدني لإدارة غزة، في حين أن السيطرة الأمنية ستبقى بأيدينا. وكما قلت لأحد كبار قادة الليكود أمس “سبب عدم نشركم خطة، أنكم لو نشرتموها ستكون مشابهة للتي نشرتها”. كان يقصد الوثيقة التي نشرها في 1 كانون الأول.
وحول ادعاءه بأنه “لا أحد اقترح” عودة أبو مازن إلى غزة، ذكرت مثلاً رفيف دروكر، الذي اقترح إطلاق سراح مروان البرغوثي من السجن ووضعه حاكماً على غزة. وأشادت في هذه المكاتبات بحكومة التغيير، التي لم تترك أي بالون حارق بدون رد، خلافاً لحكومة نتنياهو التي سمحت بالبالونات والصواريخ وهجمات الجدار. وأجاب بأنه “في الأساس ثمة فرق في اليقظة والتركيز”، وأضاف: “لا أرى وضعاً فيه إزاء هذه الكمية من الإنذارات، لم نرفع مستوى الاستعداد، لكن كل ذلك سينتظر”. مع ذلك، ذكرت ما هو معروف ومؤلم، المفاجأة من قوة الحقد الديني لدى حماس وكراهيتها المتقدة لليهود والتحصن العسكري والاستعداد للهجوم، كل ذلك كان أمراً مشتركاً تقريباً بين جميع المنظومة والزعماء.
رفض لبيد الانضمام لمجلس الحرب رفضاً قاطعاً. رغم أن نتنياهو عالق في ضعفه السياسي وقيوده الشخصية أكثر من غانتس وآيزنكوت اللذين يمكنهما الخروج في اللحظة المناسبة، فإن لبيد لم يدخل ولا يمكنه الخروج. قلت له حول هذا الأمر بأن الحرب بالنسبة للشعب والجنود أمر أكبر بكثير من نتنياهو، وأن استنتاج الجمهور المحتمل أنه امتنع عن تحمل المسؤولية عن هذه المهمة الأساسية، وامتنع عن الإسهام في رأيه، ومشكوك فيه أن تبدو حساسيته تجاه نتنياهو ذريعة مبررة لذلك.
خطة “اليوم التالي” التي نشرها لبيد هي خطة حكيمة ومرتبة، ومعروفة جزئياً. ورد في الجانب العسكري فيها أن “تطويق غزة سيشمل محور فيلادلفيا” (قال نتنياهو للمرة الأولى أمراً مشابهاً). واقترح بأن يتم وضع الإدارة المدنية في القطاع بشكل مؤقت (انتبه، يا أردوغان)، “في يد طاقم دولي بقيادة أمريكية وبمشاركة دول عربية (باستثناء تركيا وقطر) وجهات محلية في القطاع غير متماهية مع حماس”. آلية الحكم المدني الثابت سيتخذ حولها قرار في مؤتمر إقليمي يناقش “تهديد إيران وتوسيع اتفاقات إبراهيم – بصيغة منتدى النقب – وستدعى إليه أيضاً السلطة الفلسطينية (وفقاً لتقدم خطة نزع التطرف)”. سيطلب من السلطة “التعليم ضد التحريض ووقف الدفع للمخربين”. والمطلوب تفاؤل زائد لنصدق أن السلطة وسكانها سيتخلون عن جوهرهم المؤيد للإرهاب مقابل السماح بسيطرة إدارية على غزة. سيقتضي الأمر وجود إغراء أكبر، ولا يمكن أن يكون “حل الدولتين” المعروف والخطير.
وسأذكر مرة أخرى صيغة السلام العادل (تقاسم السيادة بدون إخلاء المستوطنات، وتخيير المواطنين العرب في إسرائيل بين الهوية الإسرائيلية والهوية الفلسطينية، التي هي مبنية أيضاً على الربط بين الضفة وغزة وتدخل دولي قوي.
لبيد شخص صاحب موهبة تنظيمية وإدارية نادرة، يمكنه الإسهام في الإصلاح الداخلي للمجتمع، وهو مجال مر بالتخريب لفترة طويلة في ظل حكومات نتنياهو. ويمكنه تحريك عمليات دولية. سنرى ماذا ستقول الانتخابات حول قراره البقاء في الخارج.
دورون كورن
هآرتس 2/1/2024