لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “واشنطن بوست” مقال رأي لبنجامين موسير، مؤلف كتاب عن الناقدة سوزان سونتاغ فاز عليه بجائزة بوليتزر، قال فيه إن معاداة الصهيونية ليست مشابهة لمعاداة السامية، والتاريخ يثبت خطأ المقاربة بين المصطلحين.
وأشار موسير في بداية مقاله إلى القرار، الذي مرره مجلس النواب الأمريكي في كانون الأول/ديسمبر، وسط سفك الدم والدمار في غزة، والذي اعتبر أن “معاداة الصهيونية تساوي معاداة السامية”. وقال إنه ولو لم تكن للقرار أية تداعيات عملية، فإن الإجماع عليه له تداعيات. وأضاف أن “القرار غير المتوازن يعكس دعم الحكومة الأمريكية الدبلوماسي والعسكري والأيديولوجي المطلق لدولة إسرائيل، التي تحكمها أكثر الحكومات المتطرفة في تاريخها، والتي تشن حملة ضد هجوم 7 أكتوبر تسببت بمقتل آلالاف الفلسطينيين بمن فيهم 7700 طفل في عدد قليل من الأسابيع.
ويقول الكاتب “عندما يعلمون بالتصويت هذا، قد يكبت الكثير من الناس على معرفة بالتاريخ اليهودي ابتسامة ساخرة. فمعاداة الصهيونية هي مفهوم خلقه اليهود وليس أعداؤهم”. و”قبل الحرب العالمية الثانية، كانت الصهيونية من أشد الموضوعات الانقسامية والجدلية في عالم اليهود”.
بنجامين موسير: معاداة الصهيونية مفهوم خلقه اليهود وليس أعداؤهم
وظهرت أشكال يسارية وأخرى يمينية لمناهضة الصهيونية، وأشكال دينية وأخرى علمانية وكذا أشكال في كل بلد عاش فيه اليهود.
ويقول موسير “أي شخص مطلع على هذا التاريخ، سيندهش من تحول معارضة الصهيونية، كما ينص القرار، إلى مساوٍ لمعارضة اليهود، وليس اليهودية بل وكراهية اليهود أنفسهم”. لكن الخلط هذا لا علاقة له بالتاريخ، وعوضا عن ذلك فهو سياسي وهدفه تشويه المعارضين للعنصرية”.
ويرى الكاتب أن “العرق ظل دائما في قلب النقاش. وظن الكثير من مناهضي الصهيونية أن اليهود هم في لغتهم “كنيسة”، وهي تعني أنهم وإن تشاركوا في معتقدات معينة وتقاليد وصلات مع أبناء دينهم في الأمم الأخرى، فأنهم ينتمون في النهاية إلى مجتمعاتهم الوطنية ومثل أي شخص آخر.
وبالنسبة لهم فابن الديانة اليهودية الأمريكي هو يهودي أمريكي مثل الأمريكي الأسقفي أو الأمريكي الكاثوليكي، هو أمريكي أولا. ولم يكونوا يريدون النظر لليهودي باعتباره جزءا من عرق مختلف ومثل ما يعتقد المعادون للسامية غير قابل للاستيعاب. فهؤلاء الناس لا ينظرون إلى أنفسهم على أنهم شعب في المنفى كما ترى الصهيونية، بل واعتبروا أنفسهم في الوطن. وخافوا من أن التركيز على الإثنية أو العرق قد يعرضهم للاتهامات القديمة عن الولاء المزدوج والتي قوضت محاولات تحقيق المساواة”.
ويضيف “في الحقيقة فالتفكير المناهض للصهيونية سابق تاريخيا للصهيونية، وظهر من الاحتمالية التي ظهرت أولا في نهاية القرن الثامن عشر. ففي رسالته الشهيرة ليهود نيوبورت عام 1790، أعلن جورج واشنطن “الجميع يتمتعون بحرية الضمير وحصانة المواطنة. ولم تعد تسامحا يتم الحديث عنه وكأنه تساهلا مع فئة من الناس وكأنه حق طبيعي متأصل، ذلك أن حكومة الولايات المتحدة، ولحسن الحظ، والتي لا تمنح التعصب حماية ولا تعطي مساعدة للاضطهاد، تطلب من الذين يتمتعون بحمايتها التصرف كمواطنين صالحين”. وبعد سنوات قليلة، عرض نابليون على يهود فرنسا إمكانية الحصول على الجنسية الفرنسية الكاملة في دولة علمانية، وعمم هذا المبدأ على المناطق الواسعة التي غزاها”.
ويقول الكاتب إن انفتاح الغيتوهات أطلق العنان لدفقة من الإبداع بين المفكرين اليهود الذين بدأوا يتعاملون مع فكرة محفوظة في الصلوات التقليدية وهي أن على اليهود العودة إلى فلسطين حيث أرض أجدادهم وسيحكمهم سليل بيت داوود ويعيد التضحيات في ظل الكهنوت من نسل هارون ويصلون في المعبد الذي يعاد بناؤه.
وقد رفض الكثير من المفكرين الحداثيين هذه الفكرة والطقوس والصيغ على أنها مهجورة وعفا عليها الزمن وخيالية. فبدلا من انتظار الـ”ميسايا” أو المخلص الذي سيقوم بإحياء الموتى، عبروا بدلا من ذلك عن أمل بعصر ميسياني من السلام والأخوة. ولن يكون هذا مشروطا بالأمل الأسطوري بالعودة إلى صهيون. وبدلا من ذلك، فعلى اليهود الآن وهنا العيش في العالم الحقيقي.
ومع هذه الفكرة جاء مفهوم أن اليهود بكلمات حاخام “مواطنون وأبناء موالون للأرض التي ولدوا فيها أو تبنوها كبلد، وهم مجتمع ديني وليسوا أمة”.
ورغم التعامل في البداية مع هذه الفكرة كراديكالية إلا أن غالبية اليهود الغربيين تبنوها بشكل تدريجي. وفي النهاية وجدت هذه الفكرة أتباعا متحمسين لها بين يهود الولايات المتحدة.
وقال الحاخام غوستافوس بوزاننسكي من تشارلستون، في ساوث كارولينا في عام 1841 “هذا البلد هو فلسطيننا، هذا البلد هو قدسنا، وبيت الله هذا هو معبدنا”. وبعد قرن وأثناء الهولوكوست في الحرب العالمية الثانية، أعلن الحاخام ديفيد شولمان من معبد إيمانو- إيل في نيويورك قائلا “بالنسبة لي، فجوهر الإصلاح في اليهودية هو رفض القومية اليهودية، وليس بالضرورة تناول لحم الخنزير”.
ولاحظ عدد من اليهود أن الحديث عن “الشتات” وحتى بين “الشعب اليهودي” يشبه افتراءات المعادين للسامية والتي اتهمت اليهود بأنهم إمبراطورية غير مندمجة داخل إمبراطورية.
ولاحظوا، حيث لم يجدوا صعوبة في الملاحظة، أن معظم المعادين للصهيونية كانوا من أشد المتحمسين للصهيونية: من الأفضل التخلص من اليهود.
وبعد وعد بلفور في عام 1917 الذي وعد بدولة يهودية لأقلية يهودية صغيرة تعيش في فلسطين، لاحظ لورد مونتاغو، اليهودي الوحيد في الحكومة البريطانية، أن “سياسة حكومة جلالته معادية للسامية في النتيجة وستكون أرضية لتحشيد المعادين للسامية في كل دولة بالعالم”.
ولم تكن هناك طريقة لحجب الانقسامات هذه سوى كارثة ساحقة مثل هولوكوست النازية، ومهما فكر اليهود بأنفسهم، جادلت الصهيونية أن الأغيار لن يقبلوا بهم أبدا. فمهما شعروا أنهم في وطنهم ومهما عبروا عن ولائهم، ومهما مات الكثيرون منهم دفاعا عن البلد، فسيواجهون في النهاية الاضطهاد. ولا يهم إن أطلقوا على أنفسهم شعبا أم عرقا، ولا يهم إن اعتبروا أنفسهم ألمانيين أو رومانيين أو كنديين، فالعالم الخارجي لا يرى إلا اليهود. فقد أثبت الواقع الكارثي أن اليهود ليس لهم إلا أنفسهم للاعتماد عليها، وأنهم بحاجة لوطنهم الخاص وجيشهم الخاص ودولتهم والتي يجب أن توجد في فلسطين.
بدا وكأن الهولوكوست دليل إثبات لصحة مقولات الصهيونية. وبالنسبة لكل اليهود تقريبا، فظهور إسرائيل بعد ثلاثة أعوام من هزيمة هتلر هو بمثابة معجزة قيامية
وبدا وكأن الهولوكوست دليل إثبات لصحة مقولات الصهيونية. وبالنسبة لكل اليهود تقريبا، فظهور إسرائيل بعد ثلاثة أعوام من هزيمة هتلر هو بمثابة معجزة قيامية. وأضافت انتصارات إسرائيل ضد أعداء أقوياء للحس بأن اليهود لن يعانوا ابدا ما عانوه من قبل. وبالنسبة لليهود حول العالم، حتى الذين لم تطأ أقدامهم إسرائيل، فقد حل الفخر بإسرائيل محل الدين الذي فقد الكثيرون صلتهم به، فبعد ليل طويل في المنفى “غالوت” ظهر فجر رائع وأخيرا.
ويرى الكاتب أنه وخلف الإجماع ظلت الصهيونية مثار جدل. فقد كانت مثيرة للجدل وسط المجتمعات الدينية المتشددة التي أمنت بأن الملخص وحده هو من سيقود اليهود إلى الأرض المقدسة، ورفضوا ما رأوه مادية وعدم صلاح وفسوق المستوطنين اليهود.
وكانت الصهيونية مثيرة للجدل بين الاشتراكيين والشيوعيين الذين رفضوا كل أشكال القومية.
بالنسبة لليهود حول العالم، حتى الذين لم تطأ أقدامهم إسرائيل، فقد حل الفخر بإسرائيل محل الدين الذي فقد الكثيرون صلتهم به
لكن النقاش اتخذ بعد إنشاء دولة إسرائيل منحى آخر. فقد كان جوهر الرفض بين المرعوبين يدور حول ما تعنيه إسرائيل لسكان فلسطين الأصليين. وبالنسبة لهؤلاء، فالدروس من معاداة السامية كانت رفض كل أشكال العنصرية وبالذات تلك المجازر التي ارتكبت ضد اليهود. وشعروا بالغضب من أن شعبا لا مسؤولية له عن جرائم النازية سيدفع ثمنها.
ونظرا لالتزامهم بالقيم العالمية فقد تصادموا مع الدولة اليهودية. ونظرا لاستمرار المخاطر التي واجهتها إسرائيل من جيرانها، وظلوا ولعقود خارج الإهتمام ومن النادر ما استمع لمواقفهم وتم تجاهلهم ووصفوا أحيانا بـ “اليهود الكارهين لأنفسهم” أو “المعاقين عقليا”.
وحتى المفكرين الذين ظلوا يتعاملون مع إنشاء إسرائيل كخطأ، حملوا أملا بأن يتم حل النزاع بتقسيم سلمي. وأشارت اتفاقيات أوسلو لهذا الاتجاه، لكن اغتيال اسحق رابين، الذي كان أثرا مباشرا لهذه النقاشات، وضع حدا لهذا الافتراض، وفتح المجال أمام ظهور سلسلة من الحكومات اليمينية المتطرفة. وجعلت سياساتها من إمكانية ظهور دولة فلسطينية أمرا مستحيلا. ونتيجة لهذا، فقد زدات مناهضة الصهيونية، بدلا من انكماشها، ولم يحدث أن واجهت دولة في العالم مساءلة بشأن “حق الوجود” مثل إسرائيل. وكان غياب الاعتراف، أهم وربما الأهم من انشغالات الدبلوماسية الإسرائيلية. وربما كانت أحيانا تعبيرا عن رفض أناس يكرهون اليهود، ولكن بين اليهود أنفسهم، كان رفض فكرة الصهيونية. وهي رفض لفكرة الإثنية والقومية، وهي رفض لفكرة المواطنة المرتبطة بالعرق. فإسرائيل التي تصف نفسها بالغربية والديمقراطية لا تزال قائمة على هذه الافكار.
لأن إسرائيل أصبحت تعرف نفسها كدولة يهودية فقد بات المدافعون عنها يتهمون المعارضين لها بمعاداة السامية
ولأنها أصبحت تعرف نفسها كدولة يهودية فقد بات المدافعون عنها يتهمون المعارضين لها بمعاداة السامية. والمشكلة في هذا الوصف هي أن معظم الذين يشتركون بهذا الاعتقاد كانوا من اليهود. وقال جيسون غرينبلات، المدير التنفيذي لرابطة مكافحة التشهير بأمريكا، “لا يوجد هناك نقاش” بأن “مناهضة الصهيونية تستند على مفهوم واحد، إنكار حقوق الشعب الواحد”. وبالنسبة للناس الذين لا يعرفون أي شيء عن واحد من أقدم وأكثر النقاشات استمرارية في التاريخ اليهودي، فكلامه يبدو معقولا. وأي شخص يفعل هذا لا يمكنه إلا الإعجاب بالبراعة المطلوبة في تقديم هذا السؤال المثير للانقسام، وهو سؤال ظل على مدى قرنين في قلب الهوية اليهودية ويحظى بالإجماع، ولم يكن النقاش هذا أعلى منه الآن.