في بلغراد: إيفو أندريتش شاهداً على الهراوات والقنابل المُسيلة للدموع

حجم الخط
0

إنها السادسة مساءً في الأسبوع الأخير من عام 2023، والظلام ألقى رداءه على سماء بلغراد. الطقس بات بارداً، ومن المفترض أن يشرع الناس في العودة إلى بيوتهم. لكن الصخب زاد في وسط المدينة، وارتفعت الهتافات: «لصوص» «إلى السجن». تجمع الناس، مرة أخرى، كما تعودوا منذ 18 ديسمبر/كانون الأول الماضي، احتجاجاً على نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة، التي أفرزت فوز «الحزب الصربي التقدمي» الذي يرأسه ألكسندر فوتشيش رئيس البلاد.
المعارضة تقول إن النتائج غير عادلة، وجرى شراء أصوات ناخبين، وتُطالب بإعادتها، بينما السلطة تُدافع عن نزاهتها، وعلى أرض الواقع مُحتجون يُحاصرون دار البلدية، يُحاولون بلا جدوى اقتحام بابها، ويرشقون نوافذها بالحجارة والعصي، ومن يطل منها يرشقونه بالبيض، قبل أن تتدخل الشرطة بالهراوات والقنابل المسيلة للدموع، وبخاخات رذاذ الفلفل، فتفرق المتظاهرين بعد اعتقال عدد منهم، وتُفيد أخبار بإصابتين في صفوف الأمن.
هذه المشاهد ظللت تتكرر طوال أسبوعين، لكن لم يخرج واحد من المسؤولين فيقول إنها مؤامرة خارجية، أو إن أيادي أجنبية تحرك المتظاهرين. كنا سنسمع ذلك الخطاب لو حصلت مظاهرات مثلها في الجزائر، رغم أن صربيا لها صلة قوية مع الجزائر، فإنها لم تسقط في خطاب الترهيب، بل ساد خطاب يدعو المعارضة إلى تفادي العنف، ورغم أن ملاحظين أجانب ذكروا تجاوزات في انتخابات 17 ديسمبر الفارط، ما زاد من حمى الغضب الشعبي، فإن الحكومة مُتمسكة بقولها إن العملية جرت في ظروف نزيهة، لكن المعارضة لم تستسغ كلامها، وظلت المشاهد تتكرر كل يوم، كلما خرج الناس من عملهم، قصدوا وسط المدينة، حيث توجد المؤسسات الحكومية، في التعبير عن غضبهم، فتصير رائحة القنابل المسيلة للدموع تملأ الأرجاء.

في بيت إيفو

بعد ليل صاخب، تخيم عليه المصارعات الحرة بين متظاهرين وشرطة، تستفيق بلغراد في الصباح، بوجه يوحي بأن لا شيء حصل في ليلها. ويظهر وجهها الجديد الذي لا يُشبه ما عُرفت عليه في ماضيها القريب. لم تعد تلك المدينة الاشتراكية القديمة، بل كل شيء فيها تغير. في الشوارع والميادين محال بماركات غربية. بعضها أمريكية، لم يعد من المحرج أن يدخل الأمريكيون بيوت الصرب. لم تعد الإنكليزية لغة غريبة، بل إن الخربشات على الحيطان التي يُخلفها الشبان صارت أيضاً بالإنكليزية، ترافقها خربشات في السخرية من عرابي حرب البلقان في تسعينيات القرن الماضي. لم تحافظ المدينة سوى على اسمها ومعمارها، بينما دمها استبدل بآخر. لم تعد سيارات «زاستافا» التاريخية تطوف الشوارع، فتلك الشركة التي كانت رمزاً للبلاد جرت خوصصتها منذ ربع قرن، اشتراها إيطاليون وحوّل الصرب جزءا منها إلى صناعة السلاح. مع أن الصناعة الأولى في هذه البلاد هي الأدب. ففي بلغراد لا بد من زيارة بيت إيفو أندريتش (1892-1975) الذي استحال متحفاً عقب وفاته. وهو عبارة عن شقة من ثلاث حجرات. نعم إيفو أندريتش الحائز نوبل للأدب عام 1961، والذي طالع العرب روايته الأشهر «نهر على جسر درينا» كان يعيش في شقة لا في فيلا. في الطابق الأول من عمارة تُطل على شارع فرعي. وقد جُمعت كل الترجمات التي حظيت بها أعماله في اللغات الأخرى وصارت تعرض في متحفه (من بينها ترجمات سامي الدروبي إلى العربية) كما يعرض المتحف نفسه جائزة نوبل التي نالها الرجل، ويبث من مذياع عتيق كلمته في ستوكهولم، مع أغراض شخصية له، وغرفته الصغيرة التي خصصها للكتابة. كل شيء يبدو بسيطاً في عالم إيفو اندريتش: كتابته السلسة في تشييد عوالم متخيلة، تتوالى فيها شخصيات عادية، فيجعل منها أسطورة، بساطته حين يتكلم، وكيف عاش في مكان صغير، كلها عناصر جعلت منه الكاتب الأكثر شعبية بين الصرب، لكن بساطة هذا الرجل الذي عاش سفيراً لبلاده في البقاع البعيدة، يُقابلها تباهٍ مبالغ فيه من الساسة الذين عاصروه.

متحف يوغسلافيا

في متحف يوغسلافيا، يعود الزمن خمسين سنة إلى الوراء، حيث ضريح جوزيف بروز تيتو لا يزال في مكانه، يتوسط حديقة، ومن حوله صور زعماء العالم الذين حضروا جنازته، مع صور الشعب (في يوغسلافيا سابقاً) وهم يذرفون الدموع لفقدان «الرفيق» فعيد ميلاده كان يوماً وطنياً، يوماً للشباب، يؤدي فيه الجميع تهنئة للزعيم، ومن لا يتسنى له الحضور، يتوجب عليه تأدية التهنئة برسالة، ومنهم من كان يُرسل له هدايا قيمة، كرسم صورته على حرير أو نقشها على معدن ثمين، وكل تلك الهدايا صارت معروضة في المتحف، بما فيها هدايا من قادة دول العالم، وهدايا وصلت من رئيس الجزائر الأسبق هواري بومدين، تتمثل في هودج. الهودج وحده معروض في المتحف من غير الجمل، الذي لم يُذكر شيء عن مصيره، مع أن الأعراف تُفيد بأن الهودج لا يُهدى إلا مرفقا بجمل. كما يعرض المتحف كذلك أسلحة «الرفيق» من مسدسات وبنادق صيد، فهذا الرجل كان بمثابة إله في البلاد، وكان الأطفال يحفظون سيرته وصوره منذ العام الأول في المدرسة، كان هو يوغسلافيا كلها، ما سواه ليس أكثر من هوامش، على الرغم مما حظيت به البلاد من شخصيات ومن معالم، على غرار «كاليماغدان» أو قلعة الميدان، التي تقع في الجانب القديم من المدينة، جنب تقاطع نهري سافا والدانوب، وقد أطلق عليها العثمانيون في زمن احتلالهم المدينة تسمية: ربوة التأمل. هذا المكان الذي كان قلعة عسكرية تضم سجناً، بات منذ بداية القرن الماضي يضم كذلك معالم المدينة، على غرار نصب (النصر) الشاهد على انتصار الصرب في الحرب العالمية الأولى، وشكرهم للفرنسيين على مساعدتهم لها، وكذلك مؤسسات ومتاحف ومعاهد ثقافية، وتتزين حديقته بتماثيل فنانين وعلماء صرب، وهو مزار يومي للسياح وكذلك للباحثين، وبالخروج من (كاليماغدان) والسير في خط مستقيم، سوف نجد أنفسنا في وسط البلد، بجوار أكاديمية العلوم والفنون، ومحاطين بمحال تعرض ماركات غربية، وفي ركن صغير من شارع تشيكا ليوبيا، سوف نُصادف مكتبة تُدعى «جيوبويتيكا» تعرض أعمال أهم الكتاب المحليين، وكذلك كتاباً عالميين، متخصصة في ترجمة كبار الكتاب، قناعة منها بأن الأدب هو الوقاية من أزمات السياسة التي تموج فيها البلاد، وكذلك هي قناعة الناس أن لا خلاص لهم من مآزقهم سوى القراءة، لذلك نجد أن بلغراد، وعلى الرغم مما تحيا فيه من اضطرابات، فهي مدينة لا نكاد نقطع فيها 500 متر من غير أن نُصادف مكتبة. مدينة أسست هويتها على الثقافة، وفهمت أن السياسة وحروبها إنما لحظة عابرة فحسب.

كاتب جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية