بدخولها “المرحلة الثالثة” في غزة.. إسرائيل لـ”حزب الله”: إما الحرب أو عودة آمنة لمواطنينا

حجم الخط
1

 يحتل الواقع الاستراتيجي على الحدود مع لبنان مكاناً رائداً في اعتبارات الحكومة وجهاز الأمن حتى بدون صلة بتصفية العاروري بعملية اغتيال في بيروت. في قطاع غزة، دون الإعلان عن ذلك، بدأ الجيش الإسرائيلي فعلياً بالانتقال إلى المرحلة الثالثة من القتال، التي تشمل تقليصاً تدريجياً في حجم القوات، والتركيز على الساحات النشطة. أما في لبنان فالظروف معقدة بدرجة لا تقل عن ذلك، وقد تتفاقم؛ لا لأن حزب الله وحماس سيبحثان عن ثأر لموت العاروري، بل لأن إسرائيل تجد نفسها في وضع معقد قد يدفعها إلى عملية عسكرية أوسع إذا لم تنضج الجهود السياسية.

 عاموس هوكشتاين، مبعوث الرئيس الأمريكي، وصل أمس إلى البلاد في محاولة للدفع قدماً باتفاق سياسي لإنهاء القتال في الشمال. وسيصل وزير الخارجية الأمريكي إلى هنا بداية الأسبوع القادم. مصدر الفخ الموجود في الشمال يكمن في المرحلة الأولى من الحرب التي وقعت غداة هجوم حماس الإرهابي على غلاف غزة. بعد أن بدأ حزب الله بإطلاق الصواريخ والقذائف المضادة للدروع، قررت إسرائيل إخلاء السكان من المستوطنات الموجودة على بعد مسافة 3.5 كم عن الحدود.

 دخل جنود الجيش الإسرائيلي إلى المستوطنات بدلاً من السكان، ومنذ ذلك الحين وحزب الله يطلق النار عليهم يومياً متسبباً بعدد قتلى لا بأس به (15 حتى الآن). توجيهات قيادة الجبهة الداخلية بشأن الإخلاء تضمنت أيضاً “كريات شمونة، غادر البيوت هناك أكثر من 60 ألف شخص، جزء منهم من مستوطنات أكثر بعداً وبدون توجيهات من الدولة. المغادرون لا يعزيهم أن عدد اللاجئين الذين غادروا قرى الجنوب في لبنان أكبر من ذلك. المواطنون في شمال البلاد يتوقعون تحسناً أمنياً، ويطلبون من الحكومة العمل بسرعة من أجل تغييره.

 الذي يعيش قرب الحدود مع لبنان في مستوطنة لها بوابة صفراء، “مرغليوت” مثلا،ً يدور الحديث عن بيوت تبعد مئات الأمتار عن الجدار، يشعر وكأن المذبحة في الغلاف وقعت بيته، رغم أنه لم يشاهدها إلى على التلفاز فقط. لا يكتفي السكان بوعود الجيش الإسرائيلي حول إخلاء مقاتلي “قوة الرضوان” التابعة لحزب الله من منطقة الجدار (الهدف الذي تحقق في السابق في جزء من القطاعات)، بل يريدون معرفة أن كل المنظمة أُبعدت إلى شمال نهر الليطاني، حوالي 8 – 10 كم عن الحدود.

 تعهدت الحكومة والجيش في مرحلة سابقة بالعمل على تغيير الوضع. وربما قيدوا أنفسهم بذلك دون مناص بعملية عسكرية. تبادل إطلاق النار في الإطار الحالي قد يستمر بضعة أشهر، سيتم فيها بذل جهود أمريكية – فرنسية تهدف إلى التوصل إلى اتفاق سياسي. ولكن احتمالية نجاح ذلك ضعيفة، لذلك فإن هناك إمكانية بأن إسرائيل ستستعد أيضاً لعملية عسكرية بعد استئناف الاتصالات الدبلوماسية. هذا حتى قبل أن نذكر إمكانية أن رداً شديداً من حزب الله على قتل العاروري سيضع الطرفين على مسار سوء الحساب، وسيأتي عقب ذلك تصعيد حقيقي. هل هناك إمكانية لإعادة المدنيين إلى الحدود مع لبنان حتى قبل التوصل إلى اتفاق؟ يأمل الجيش أن إبقاء قوات كبيرة للحماية إلى جانب تحسين خط الدفاع والقليل من الوعظ الصهيوني، سيقنع الكثير من السكان بالعودة. من غير المؤكد أن يتم ذلك في صناديق الاقتراع.

 القرارات حول إخلاء السكان اتخذت تحت ضغط كبير، في الوقت الذي كان فيه جرح المذبحة في الجنوب مفتوحاً ونازفاً. بأثر رجعي، يمكن التساؤل إذا لم تكن هذه الخطوة جارفة جداً. سيكون هناك من يقولون إن حزب الله كان سيقلل الإطلاق على المستوطنات لو بقيت مأهولة بالمدنيين. الإخلاء الكبير والواقع الذي نشأ عقب ذلك هو جزء من المفاجأة بالصورة التي تتطور فيها الحرب؛ من صدمة هجوم حماس المفاجئ وحتى حقيقة أن القتال يجري منذ 90 يوماً بدون أي إشارة على انتهائه قريباً.

 تطرح أيضاً قضايا مبدئية وتاريخية: تفاخرت إسرائيل دائماً بأن المحراث هو الذي يحدد خط الحدود والأرض ستتم فلاحتها حتى التلم الأخير. أما الآن، تحت تأثير المذبحة في الغلاف والإطلاق في الشمال، فقد أخلت قطاعين مأهولين على حدودها أمام غزة ولبنان، ولم تترك سوى قوات عسكرية. للمرة الأولى في “كيبوتسات” على طول الحدود في الجنوب وفي الشمال، لا يعتبر العمل الزراعي قرب الجدار موضوعاً مفهوماً بحد ذاته.

 التحفظ الجماهيري في لبنان من حرب مع إسرائيل واضح وصارخ. وبعد اغتيال العاروري حذرت الحكومة اللبنانية من أن يجر حزب الله الدولة إلى حدث تاريخي سيجلب معه الدمار. أعضاء في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأوسط، منهم مات لفيت وحنين غدار، قالوا أول أمس في المقال الذي نشره موقع المعهد: “الحقيقة أن حزب الله غير مستعد لحرب واسعة مع إسرائيل”. وحسب هذه الأقوال، فإن معظم قواته تتكون من مقاتلين شباب نسبياً وليست لديهم تجربة من معارك سابقة ضد الجيش الإسرائيلي. تم تقليص ميزانية الحزب بسبب العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، وبسبب الأموال التي أنفقها على مشاركته إلى جانب نظام الأسد بأمر من إيران في الحرب الأهلية في سوريا.

 وأضاف لفيت وغدار، بأن حزب الله لم ينجح في العثور على بديل مناسب لرئيس أركان الحزب عماد مغنية، الذي قتل في عملية إسرائيلية – أمريكية في دمشق في 2008. وهما يقدران أنه في حين أن حزب الله يعد نفسه للحرب، فإنه يفضل كسب الوقت ويأمل في التوصل إلى اتفاق دبلوماسي على أساس قرار مجلس الأمن 1701، الذي أنهى حرب لبنان الثانية في 2006.

 وقدر الجيش الإسرائيلي أمس بحدوث رد قريب على تصفية العاروري، وأن حزب الله وحماس سيفضلان رداً محدوداً من الشمال، الذي سيبقى تحت مستوى الحرب الإقليمية، لا سيما بعد 7 أكتوبر (هذه تقديرات يجب التعامل معها بالحذر المطلوب). يتوقع أن يلقي رئيس حزب الله، حسن نصر الله، خطاباً ثانياً له خلال ثلاثة أيام. في خطابه الأول، كرس دقيقة تقريباً للعاروري المتوفى. إلى جانب وعد بالثأر، أرسل نصر الله تحذيراً مشروطاً: إذا شنت إسرائيل حرباً شاملة فسيزيل حزب الله كل الكوابح. إذن، لم يهدد بهجوم وشامل يبادر هو إليه.

رسالة إلى إيران

 دفن العاروري أمس في بيروت، غداة الذكرى السنوية الرابعة لاغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني في عملية اغتيال أمريكية قرب بغداد. كان شخصية رفيعة في حماس وأساسية في العلاقة بين حماس وإيران، وجزءاً من المحور الراديكالي الذي بناه سليماني في أرجاء العالم. العاروري نفسه تحدث في بداية السنة الماضية عن “وحدة الساحات”: وهو نضال مشترك لحماس وحزب الله وإيران والمليشيات الشيعية ضد إسرائيل. لم يكن النضال، في نهاية المطاف، مشتركاً: رئيس حماس في القطاع، يحيى السنوار، شن الهجوم دون إبلاغ أعضاء المحور الآخرين.

 تدير إيران استراتيجية واضحة جداً منذ بداية الحرب في غزة. هي تعطي الدعم المحدود لحماس، بواسطة وكلائها الآخرين في المنطقة، وتحذر من الدخول مباشرة بنفسها إلى خط المواجهة الأول. ولكن سيطرتها على الوضع غير كاملة. الحوثيون في اليمن خلقوا أزمة دولية عندما بدأوا بسلسلة هجمات لا تميز في البحر الأحمر، وتقريباً أغلقوا مضائق باب المندب وقناة السويس أمام الحركة. إذا عولت طهران على انسحاب أمريكي تدريجي من المنطقة، فإن العكس هو ما حدث منذ الحرب. فالولايات المتحدة زادت حضورها العسكري في الشرق الأوسط، وتقدم الدعم الحقيقي لإسرائيل.

 إيران ووكلاؤها في المنطقة يدفعون الثمن أيضاً. أول أمس، حدثت عملية انتحارية لـ”داعش” في احتفال الذكرى السنوية لسليماني في إيران. قتل فيها أكثر من 80 مشاركاً. أمس، اغتالت الولايات المتحدة، بخطوة استثنائية، أحد كبار قادة المليشيات الشيعية في العراق. وكان رداً أمريكياً على عشرات هجمات الصواريخ ضد قواعد الجيش الأمريكي في العراق وسوريا منذ بدء الحرب في غزة، في حين أن إسرائيل اتهمت خلال أسبوع بعمليتي اغتيال، العاروري، وجنرال إيراني هو رضي موسوي، الذي قتل بهجوم على دمشق.

 “نيويورك تايمز” نشرت أمس أن الزعيم الروحي الإيراني علي خامنئي، أمر رؤساء قوات الأمن بإظهار “صبر استراتيجي” وتجنب مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة. اغتيال العاروري في وسط الضاحية الجنوبية ظهر كرسالة لحزب الله وإيران: إسرائيل مستعدة للمخاطرة بتصعيد آخر في الشمال، في الوقت الذي تحارب فيه حماس بكل الوسائل.

       انسحاب زاحف

 النقاش الطويل في إسرائيل حول الانتقال إلى المرحلة الثالثة من الحرب في القطاع خلق صعوبات أمام رئيس الحكومة نتنياهو. كانت الإدارة الأمريكية تأمل القيام بتقليص الهجوم الإسرائيلي، خصوصاً بشأن المس بالمدنيين الفلسطينيين، لكن لنتنياهو دوافع أخرى. فمن جهة، خشي من شرخ مع الجناح اليميني المتطرف في حكومته، ومن جهة أخرى رأى أن خفض حجم القتال في القطاع سيعطي حماس إشارات بأن الضغط العسكري على قيادتها سيضعف، لذلك فإن كل ما عليها فعله هو الصمود قليلاً من أجل البقاء وتجاوز هذه الحرب أيضاً.

 أيدت هيئة الأركان الانتقال إلى المرحلة الثالثة لأسباب لا ترتبط بالأمريكيين. على الجيش تسريح قوات احتياط من أجل عدم استنزافها، وتقليل الضرر على الاقتصاد؛ هو يريد إعداد الوحدات لاحتمالية تصعيد كبير في لبنان في المستقبل. كان الحل الموجود هو الانسحاب الزاحف: الفلسطينيون يتحدثون عن مزيد من الأماكن التي تخلو من قوات إسرائيلية ثابتة في شمال القطاع، وبدأ بعض المواطنين في العودة إلى الأحياء المدمرة.

 إضافة إلى عمليات ثانوية في حي الدرج وحي التفاح في مدينة غزة وفي مخيمات اللاجئين في الوسط، بقي هناك جهد واسع على مستوى فرقة في خانيونس. الفرقة 98 تواصل التمشيط هناك على أمل المس بقيادة حماس، وربما أيضاً تحقيق تقدم معين في العثور على المخطوفين الإسرائيليين. أما رفح، في المقابل، فما زالت تحتاج إلى حل. رغم أن الأنفاق في رفح مرت منها كميات السلاح والإسمنت التي كانت حماس بحاجة إليها من خلال غض النظر المصري، لكن إسرائيل لم تعمل بعد في محور فيلادلفيا؛ لتجنب المواجهة مع القاهرة.

 عندما تصبح النشاطات العسكرية أكثر تركيزاً فثمة هياج تام في تصريحات جهات رفيعة وصغيرة في الأحزاب اليمينية، التي تتحدث عن طرد الفلسطينيين من القطاع (العفو، الهجرة الطوعية)، وإقامة المستوطنات، وحتى إبادة جماعية للسكان. رغم أن الوزن العملي لمثل هذه الأقوال هامشي، فإن كل قول سيستغل على الفور في المعركة الدولية ضد شرعية عمليات الجيش الإسرائيلي.

 هكذا تبين أيضاً من الالتماس الذي قدمته جنوب إفريقيا لمحكمة العدل الدولية في لاهاي، الذي اتهمت فيه إسرائيل بارتكاب إبادة شعب في غزة، وطلبت إجبارها على وقف الحرب. لا يمكن للمرء معرفة ما إذا كان السنوار يقصد ذلك مسبقا، لكن الهجوم الإرهابي الذي نفذه جلب إنجازاً آخر لحماس؛ فقد دفع أجزاء من المجتمع الإسرائيلي إلى مواقع الجنون الأيديولوجي وتعميق الشرخ داخل هذا المجتمع.

 عاموس هرئيل

هآرتس 5/1/2024

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية