رام الله ـ «القدس العربي»: فلسطينيون كثر رصدوا مشاهد دقيقة من منزل عائلة الشهيد صالح العاروري في بلدة عارورة شمال رام الله منهم المغني الفلسطيني شادي زقطان الذي كتب قائلا: «جرة الغاز الزرقاء المتعبة، المطبخ الصغير بأوانيه القليلة، لا يبدو أن الطعام فعالية مهمة في هذا البيت، ساعة الكهرباء المعلقة بين باب الغرفة والشباك، كلام الله في لوحة صغيرة على البياض في صدر الجدار، أكاد أرى البيت في عارورة، الزهد المشع من كل شيء هناك.. السكينة التي تتسرب من عيون أم الشيخ، والشوق، القهر الذي انطوى عدة طيات، تحول إلى اتكال على قوى تفوق قوى البشر على الاستيعاب».
وأكمل زقطان: «كل شيء في الفيديو القصير المرتبك من هدوء أهل بيت الشهيد، الذي أربك مراسلة الجزيرة جيفارا البديري وفريقها، لا يبدو كبيوت العزاء.. رأيت جدتي في أم الشهيد، كأنني أعرفها، كدت أن ألمسها وأبوس رأسها.. وبدل أن أتخيل أنني أخفف عنها وجدت نفسي في خيالي أطلب منها على عجل، ادعي لي يا خالتي، أنا من بيت يساري، يشبه بيتكم، لكن لا أحد يدعي لي أو لأخي، نستحي من الله ونحبه.. نستحي منك ونحبك يا خالة.. بيتنا مثل بيتكم، ولدينا يا خالة جرة غاز زرقاء متعبة مثلكم.. ما أجمل بيتكم يا خالة، ما أجملكم يا خالة، ادعي لنا يا خالة، كلنا، الله يسمعك..».
يبدو المشهد السابق الذي التقطه بدقة فنان فلسطيني شاب يغني للوطن والأسرى والثورة من عدسة مراسلة قناة «الجزيرة» مكثفا جدا وموجزا فيما يحمل ويقول عن عائلة الشهيد الفلسطيني صالح العاروري الذي اغتالته الطائرات الإسرائيلية قبل أيام في الضاحية الجنوبية برفقة 7 من رفاقه، وهو يعكس جانبا من انفعال الضفة الغربية بعموم مكوناتها من خسارة الشهيد القائد الذي وإن أبعد عنها إلا أنه عمل على تفعيل المقاومة فيها.
تصريحات الشيخ الراحل
يلتقط المواطنون الحقائق البسيطة، ومن دون أي تعقيد أو فلسفة فإنهم يرفعون من يرون أنفسهم من خلاله، وهذه حقيقة تجلت في اغتيال الشهيد العاروري الذي نال منهم لقب «شيخ البلاد» حيث يطلق البسطاء ذاتهم بسهولة نادرة ألقابا معبرة وكبيرة تليق بمن يرون فيهم أنهم قادتهم.
هنا يمكن التوقف أمام مجموعة من الفيديوهات التي انتشرت على الشبكات الاجتماعية التي تحمل جانبا من تصريحات الشيخ الراحل اغتيالا في بيروت في عز ملحمة وطنية، حيث قام مئات الآلاف بتبادلها على المنصات وتحولت إلى أكبر حالة من الوطنية الفلسطينية سواء ما تعلق منها برؤيته لحركة فتح والنشطاء والمقاتلين فيها، أو ما ارتبط منها بإن دم القائد ليس أكثر أهمية من دم المقاتل، وكلها تعكس قيما يبحث عنها الفلسطينيون على اختلاف توجهاتهم. كما أن فيديوهات الأم التي انحنى ظهرها كثيرا تدلل على ذلك حيث لم تبك على ابنها القائد، بل قالت إنه ليس أفضل من أطفال غزة الذين تقتلهم الطائرات الإسرائيلية.
لقد تحولت تلك التصريحات إلى حالة بناء وطني،
الدكتور مصطفى البرغوثي، الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية تحدث عن ذلك وقال إن «الضفة الغربية وكل فلسطين ستهب احتجاجا على اغتيال الشيخ صالح، إنها جريمة نكراء، والكل متضامن مع عائلة العاروري الذي كان نموذجا في التواضع، ونموذجا للوحدة الوطنية، والإرادة والتصميم والصبر والقدرة على المقاومة».
وتابع: «لو رأى المحتلون والمجرمون ومن اتخذ قرار الاغتيال الإجرامي ردة فعل والدته وشقيقته وكل عائلته، لما فعلوا ذلك». وتساءل: «هل هناك ما هو أقوى وأكثر تأثيرا من ردة الفعل هذه؟ إنهم لا يبكون.. يفتخرون بابنهم وباستشهاده، لقد نال ما تمناه، حيث أن دماءه ليست أفضل من دماء كل شهداء شعبنا في غزة. ليس هناك ما هو أبلغ من ذلك».
وختم قائلا: «لكن الاحتلال مثل كل المستعمرين الذين يصرون على أن يكونوا عاجزين عن فهم إرادة الشعوب التي تناضل من أجل حريتها، إنهم عاجزون عن فهم قدرة الشعب الفلسطيني على النضال والصبر وقدرته على الاحتمال. مثلما فوجئوا بقدرة الفلسطيني على التخطيط العملي والاحترافي والمقاومة الباسلة. إنهم عاجزون عن فهم الفلسطيني، هنا تحديدا يتجسد التفوق الأخلاقي للفلسطيني المناضل، للعائلة الكريمة التي انحنى لها الجميع إجلالا واحتراما، إنها روح النضال وروح الشعب الفلسطيني التي لن يفهمها المحتل».
ردود جارفة ومنطقية
أحمد أبو الهيجا، الباحث في علم الاجتماع السياسي والحركات الاجتماعية، يفسر لـ«القدس العربي» الأسباب التي أظهرت الاهتمام الجارف باستشهاد القيادي العاروري مشيرا إلى أن «ردود فعل الضفة الغربية تبدو منطقية في حال استعدنا أبرز تجارب العاروري قبل أن ينفى، فهو معروف في الضفة الغربية ويندر أن تكون هناك قرية أو بلدة فلسطينية إلا وفيها شخص يعرف العاروري معرفة شخصية».
ويضيف: «السر في ذلك مرده إلى تجربته في السجون التي كان فيها ممثلا لحركة حماس طوال فترات سجنة التي امتدت على مدى 18 عاما، لقد كان ممثلا ومسؤولا عن حركة حماس في السجون، وهذا يعني أنه كان دائم التواصل مع كل أقسام السجون، وبالتالي كان على احتكاك عال جدا بكل الأسرى ومن كل التنظيمات وفي كل الجغرافيا الفلسطينية».
ويؤكد أبو الهيجا أن العاروري حتى عندما قرر الاحتلال إبعاده فإنه أبقى على تواصله مع الداخل الفلسطيني، فهو يمتلك ذاكرة حديدية، تترافق مع شخصية اجتماعية تواصلية بشكل كبير جدا.. وحتى بعد أن أبعد للخارج أبقى وأصر على التواصل مع من كان يعرفهم، وهو الأمر الذي سهل عليه بناء خلايا مقاومة في الضفة الغربية خلال الفترة الماضية».
ويرى أن إبعاد العاروري وغيره من القيادات الحمساوية عزز من تأثيرها (وتحديدا العاروري) على قيادة حماس بالخارج، فهو غير منفصل عن الواقع الفلسطيني في الضفة الغربية، وعندما يقدم رأيا أو يتخذ قرارا يأتي في ضوء فهمه للواقع والميدان في الضفة وهو ما لا يتوافر لقيادات حماس في الخارج، وهو ذات الأمر الذي عززته صفقة شاليط حيث أبعد الكثير من قيادات الضفة الذين يعرفون واقعها وغير مفصولين عنها. لقد أثرت الصفقة على قيادة حماس بالخارج بشكل إيجابي».
وتابع أبو الهيجا: «العاروري كان قائدا مميزا جدا، أنه شخصية مرجعية بفعل الكاريزما التي يمتلكها، إنه شخصية لها نكهة خاصة مميزة عن غيره، وبفضل علاقاته في الضفة أصبحت مسالة إحياء الجناح العسكري للقسام في الضفة من حيث هو بالخارج مسألة سهلة وممكنة».
وشدد أنه من الطبيعي أن تبكي الضفة العاروري فكل علاقاته بها، وبالتالي ينظر إلى أن اغتياله خسارة كبيرة للعمل المقاوم، من دون أن يعني ذلك حدوث غياب لقائد بديل عنه، فالبديل دوما موجود، غير أن ما يتأثر في رحيله هو ربما كثافة تشكيل الخلايا العسكرية، أما النهج والمسار فهو ثابت وواضح ولن يتغير باغتياله.
ويشير أبو الهيجا إلى أن طبيعة شخصية العاروري وقدراته انعكست على الخارج بكل التناقضات، حيث نسجت ووثقت الحركة علاقاتها مع حلفاء مثل حزب الله وإيران، كما أنه الشخصية التي كانت قادرة على تمرير التوافقات السياسية في ملف المصالحة مثلا وكذلك الأمر بالنسبة للقيادي يحيى السنوار.
ويعارض أبو الهيجا حديث البعض من أن العاروري يعتبر من الصقور في حركة حماس، ويؤكد أنه يصنف من الحمائم، أما تشدده فيرتبط بمسألة المقاومة ونهجها، وهي مسالة ما زالت تميز حركة حماس.
ويؤكد أبو الهيجا على ان اغتيال العاروري لن يؤثر على مخططات الحركة ولا قناعاتها، ويقول: «متلازمة أو عقدة منظمة التحرير غير موجودة لدى حركة حماس، حيث تخبرنا تجربة المقاومة في فصائل المقاومة، وتحديدا من حركة فتح أن رحيل بعض القادة كان يؤثر على مسار الحركة ومواقفها النضالية، والسبب في ذلك يرتبط بأنه كان هناك دوما تيارات أو توجهات سياسية متناقضة، وبالتالي رحيل بعض القادة كان يؤثر على توجهات معينة، أما هذه العقدة فهي غير موجودة لدى حماس، فمن لا يؤمن مثلا بالكفاح المسلح لا يمكن أن يكون من حماس ببساطة، ولو غاب الكفاح المسلح عن حماس فإنها تفقد سبب وجودها».
ويرى أبو الهيجا أن اغتيال العاروري لن يؤثر على خيارات حماس التوافقية والتي تزايد الحديث عنها مع الحرب على غزة، والسبب في ذلك أن هذه التوافقات قديمة منذ عام 2012 وهي جزء من نتائج مراجعات قررت وفقها حماس أن تتخلص من انتصارها السياسي.
ويشدد أن معضلة حماس اليوم انها تؤمن بنموذج أقرب إلى نموذج حزب الله في لبنان، حيث ترفض السلطة الفلسطينية شراكة من هذا النوع، بفعل الشروط الدولية والعربية أيضا، ووفق ذلك ستضع حماس أمام أي حكومة فلسطينية جديدة شرطين، الأسرى، والثاني السلاح.
ويختم: «نحن أمام قيادي مؤثر جدا، لكن رحيله لن يؤثر على الحركة مطلقا».
ضبط المشهد في الضفة
يرد بلال الشوبكي، رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الخليل، الأسباب التي دفعت الاحتلال إلى اغتيال العاروري إلى تمرده على ثلاثة أمور حاول الاحتلال الإسرائيلي المحافظة عليها، وهي، أولا: إبقاء الضفة الغربية في حالة من حالات الخمول من الناحية المناوئة للسياسات الإسرائيلية، حيث حاول تحريك الضفة الغربية خلال السنوات الماضية، في محاولة لإيصال رسائل أنه قادر على ضبط المشهد في الضفة الغربية عبر عمليات مقاومة نوعية.
أما الأمر الثاني فيرتبط بتمرده على محاولة تفكيك الساحات، عبر محاولة العمل على توحيدها، سواء الضفة الغربية، وغزة، والخارج، والأمر الثالث: يرتبط بتمرده على حالة الانقسام، فالعاروري عمل قبل اغتياله بأشهر ومع القيادي جبريل الرجوب على محاولة إحياء الوحدة الوطنية.