دمشق في يومٍ عاصِف

أسيرُ في دمشق، لا أشعر بالإلفة ولا الغربة، بل بالغرابة. تمتحن هذه المدينة قدرتي على ابتكار اللغة التي يمكن أن أعبّر من خلالها عن وجودي الضئيل.
انتبهت مؤخراً إلى أني أسأل الباعة والناس عن أمكنة أعرفها؛ لكني أحبُّ طعمَ السؤالِ في فمي، وأحبُّ حركة اليد وهي تدلّني على مكان أدّعي جهله. حيواتٌ كثيرة تتقاطع هنا، أتجاوز محطة الحجاز ويعبر آخرون بعكسي، أسأل رجلاً: ما اسم هذا المكان؟ «رغم أني أعرف» فيجيب: « صباح النور، هذه محطة الحجاز». أدخل مبنىً حكومياً فأتذكر سنوات التدريس، الوقوف في الصف
لـ13 سنة أمام الأعين النهمة لكل شيء عدا الدرس. الجدران الرمادية، العتمة، الازدحام والوجوه الحيادية، أتحدث مع نفسي وأنا أصعد الدرجات وأنزل عدة مرات لشراء الطوابع وتصوير الهوية؛ وكأنيّ أثبّت وجودي بين هذا الحشد. حين يتغنى سيّاحٌ وفنانون عرب بحبهم لدمشق التي زاروها لمرة أو مرات أشعر بالخزي؛ لماذا أقف عاجزة على باب هذا الحب! المدينة التي سرقت لغتي يوماً لم تهبني سوى الحيرة، أدخلها كمن يدخل غابةً متشابكة الأغصان. تأسرني حركات الباعة وهم يوضبون أغراضهم ويشرحون للنساء العابرات عن هذا وذاك… الناس الذين يأكلون الكنافة والنابلسيّة في صحون ورقية بسرعة ولذة أمام واجهات المحال. أشعر بالعطش.. ليس شديداً إلى درجة أن تريني عيناي السراب.. جفاف بسيط في الحلق، لكن أمشي.. وأمشي، كأسيرٍ ضاع من سجانيه وندم. أتبع الدرب ولا وجهةَ لي.. ثمة شيء أضعته.. شيء ضاع مني للأبد. هناك فقط هذا الشعور أني أبحث عنه وأنا في الوقت ذاته يائسةً من العثور عليه. مَرارٌ نقي، مَرارٌ دون أمل، فقدان دون أي خيط، الذي ضاع مني مجهول، ولا أعرف كيف ضاع، ومتى ضاع (الماضي أم المستقبل أم حتى الحاضر؟).
الضياع في دمشق كالريح يهبُّ من كل الجهات!
في الحقيقة لا أعرف هل حرُمتُ بيتاً؟ هل قامت حرب ما وسلبتني إيّاه؛ الحروب تقوم في كل زمن، لا بدّ أني ابنة إحداها، لكن أي حربٍ هذه التي راحت وتركت عندي هذا الإثم الكبير، والشعور بالعار.
هل أنا ناجية؟
هناك فقدان وهذا كل ما أعرفه!
أتأمل تمثال صلاح الدين البرونزي، قدماي تعودان القهقرى فوق الحجارة العتيقة، بعكس ذاكرتي التي تتشبث بالحاضر. الزمن هنا راكدٌ، يحط على الحجارة والبضائع الوفيرة والوجوه الدمشقية المتكررة. وفرة في كل شيء، تقلقني هذه الوفرة التي تتشابه فيها البضائع؛ الوفرة الخانقة، روائح مزيفة، عطور مقلدة. «لا شيء حقيقيّ» أنعطف يميناً لأدخل حيًّا ضيقّاً، السقوف واطئة وكأني في دمشق الأربعينيات أو الخمسينيات، الشارع ضيق بالكاد يتسع لشخصين، يدفع شبان صغار عربات بضائع. أجد نفسي على باب الأموي بين حجاج يرتدون السواد، أحد الرجال يطلب من زوجته أن تصور واجهة المسجد، ثمة باعة يدون وكأنهم يعرضون أنفسهم مع بضائعهم على السيّاح الذين يلتقطون الصور لهم. لا يكترثون بالصور يريدون البيع بأي ثمن. على الزاوية يجلس رجل مع كومة من الفرّامات الشبيهة بماكنات حلاقة، كومة البقدونس المهروس تكاد تحجبه، لكنه يتابع الفرم، دون أن يرفع رأسه نحو العابرين، وكأن قوة قهرية تدفعه لمواصلة الحركة ذاتها دون توقف…لا أعرف لماذا تذكرت سيزيف: الاستمرار في دحرجة الصخرة. في تمرير الماكنة فوق باقات البقدونس وتفتيتها.. أتخيله منذ ألف عام وإلى ما لا نهاية. هذه الفكرة دفعتني لفرك عينيّ للتأكد من واقعية وجوده، قبل الانعطاف نحو النوفرة، أعثر على بغيتي عند بائع عطور.
«بدي كحل عربي أصلي»
(أخبرتني أختي أنه سيضفي على عينيّ مظهراً جميلاً) «وفي إمكانه أن يخفي حزنك تحت طبقة من الكحل الأسود». هناك امرأة وبجانبها طفل ينظر مقتراً عينيه لغيمة سوداء. ينتظران شيئا ما. أفكر: هي تنتظر وأنا أسير دون هدى. «أنتظر طفلي الذي غرق في البحر» يأتيني صوت من ناحيتها. ألتفت وأشير للطفل: وهذا؟
-هذا شبحه ينتظر معي.
أرغب بالكلام، لكن فقداناً فاجعاً يمسك بصدري، وأجهد لقول شيء.. وينثال الكلام مني لكنه يخرج كخيط دم، يسيل على ذقني وصدري، وتتابع المرأة تدفقه. بدأت ترمش بعينيها، وتحرك جسدها، وكأنها تستعد للابتعاد، لكنها تريد فعل ذلك دون أن تلفت انتباهي.. تتراجع ساحبةً الصغير، يحل الصمت متأخراً.. ويترك الفقدان مكانه للندم. وأرغب بالتعري! أن أخلع ثيابي، في تحدٍّ لقوة غير مرئية، لنظرات فضوليّة. تمتد يد نحوي بقطعة سكاكر سوداء
«سوس حليّ تّمك» أتابع نحو القيمرية، ما هذا؟ «أقول في سري» فيجيب عجوز يمشي خلفي ويحمل على كتفه محارم وقطنيات: هذا مقهى النوفرة..
أستدير لأشتري منه وأجبر خاطره.. فيختفي. أتسمر أمام واجهة زجاجية فيها لافتة كتب عليها: «يوجد لدينا حمير». توقظ العبارة حسّاً فكاهيّا في داخلي، ويذهب فكري لأمكنة مخجلة؛ سأُعاقب لو بحت لكم بما فكرت به. أعابث البائع الصغير، الذي يتناول طعامه خلف الطاولة وأحدق في اللافتة:
حمير.. حمير..
يومئ للأعلى فتتأرجح دمية حمار صغير بنفسجي معلق من قوائمه بفعل الريح. «الأرصاد الجوية تحذر من الحرارة هذا اليوم وهبوب رياح غربية، اقرأها: رياح غريبة..». أتابع المشي راغبة بالابتعاد قدر الإمكان بينما الكلام الذي سقط من فمي يتابع تقدمه ويبدأ بقضمي، لأني حررته من الصمت والعدم؛ كان يجب أن أتركه هناك، أن أحبس صوتي وأخفي ألمي. «هذا الألم يتحول إلى وحشٍ فظيع، إن وقع نظر الغير عليه!». السماء كرخام بارد، وكلماتي تنحدر نحو المجرى العميق ولا تملك أجنحة. أمشي مغبّرة ومعفّرة بالتراب والفجيعة، وأدرك أني دخلت طريقا لا ينتهي.. طريق النهاية، وهكذا كلما عرفت اسم ضياعي يبزغ ضياع جديد.
دمشق هي المكان الذي سأتوه فيه مرةً إثر مرّة.. سأبقى تلك الطفلة التي تتفرج من خلف الزجاج على ناسها.. بحب ورغبة في الانغماس، لكن بفم أخرس ولغة قاصرة. أتابع السير باتزان، وكأن شيئا لم يحدث، ألقي بجسدي في الحافلة وأستعجل الوصول، أمام المرآة أمدّ الكحل في عيني يتلاشى الضياع والفقد ويحلُّ ليل. أقف أمام المرآة وأمدّ الكحل في عيني.. أغمضهما وأفتحهما.. استمر بفعل ذلك.. أستمر بفعل ذلك حتى يصطبغ بياض عيني بالأسود.. أسود .. أسود معتم.. فيصبح لي مظهر شبح. كل شيء في الخارج هادئ.. لكن الأرصاد الجويّة تحذر من هبوب رياحٍ غريـبة..

كاتبة سورية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية