تردي أحوال الجنيه… والاستثمار في «المقابر الفاخرة» حلم الباحثين عن الثراء السريع… والربح المضمون

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: باتت غزة عاصمة لكل من يريد التطهر من آثامه، فها هي وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك، تصل إلى مطار العريش على متن طائرة حربية تحمل شحنة إغاثية لقطاع غزة، وكانت ألمانيا قد انتقادا واسعا بسبب دعمها المطلق لإسرائيل، وعلى هدي ألمانيا سعت دول في أوروبا وحول العالم لتجميل صورها بإرسال بعض المساعدات لأهالي غزة، فيما هي متورطة في سفك دماء الفلسطينيين كالولايات المتحدة، أبرز من سفك الدماء في قطاع غزة، وكنوع من التطهر قام البيت الأبيض، وكذلك وزير خارجية أمريكا، بتقديم التعازي للإعلامي وائل الدحدوح في وفاة ابنه، وطيبا خاطر الضحايا بكلام عابر لا يخفف من عظم الجرائم على مدار الساعة.
رئيس الوزراء مصطفى مدبولي ناقش في اجتماع عقده مع مجموعة من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، ملف اللاجئين والضيوف الأجانب، من مختلف الجنسيات وما تتحمله الدولة المصرية من مساهمات نظير رعاية ضيوفها من اللاجئين”، الذين تصل أعدادهم طبقا لبعض التقديرات الدولية إلى أكثر من 9 ملايين لاجئ، وشدد مدبولي على أهمية تحصيل ما تتحمله الدولة مقابل ما يتم تقديمه من خدمات في مختلف القطاعات لهم، مؤكدا أن اللاجئين يحصلون على تلك الخدمات على أفضل وجه مثلهم مثل المصريين. وأوضح وزير الصحة التكلفة التقديرية للخدمات الصحية المقدمة لمصابي غزة في قطاع الطب العلاجي، وأمانة المراكز الطبية المتخصصة، والهيئة العامة للرعاية الصحية، وقطاع الطب الوقائي، والهيئة المصرية للإسعاف، والهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية، والمؤسسة العلاجية، والهيئة العامة للتأمين الصحي. واتخذت الحكومة مجموعة من الإجراءات الجديدة، لتوفيق أوضاع «ضيوف مصر»، وهم الأجانب المقيمين في البلاد بصورة غير شرعية، وطالبتهم بسرعة توفيق أوضاعهم وتقنين إقامتهم، بشرط وجود مستضيف مصري، مقابل سداد مصروفات إدارية تعادل 1000 دولار تودع في الحساب المخصص لذلك في الإدارة العامة للجوازات والهجرة والجنسية التابعة لوزارة الداخلية.وأكدت الحكومة توفير السلع المختلفة والمساعدات، وعلاج المصابين، وغير ذلك من صور الدعم.واستعرض خالد عبدالغفار وزير الصحة والسكان، الخدمات الصحية التي تقدمها الدولة للمهاجرين واللاجئين في قطاع الصحة. واستشهد عبدالغفار، بما جاء في تقرير المنظمة الدولية للهجرة في أغسطس/آب 2023، الذي أكد حصول المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء لمصر على الخدمات الوطنية في قطاعي التعليم والصحة، بالمساواة مع المصريين.. واستعرض رضا حجازي وزير التربية والتعليم تقريرا حول أعداد الطلاب اللاجئين، موضحا أن أعدادهم زادت مؤخرا، وأن الوزارة قامت بالتوسع في إقامة المزيد من الفصول الجديدة، بما يسهم في استيعاب حجم الزيادة في عدد الطلاب اللاجئين.
ومن حوادث الجامعة: بعد ساعات فقط من إصدار جامعة جنوب الوادي بيانا رسميا تشرح فيه تعدى نائبة في مجلس النواب على أستاذة جامعية هناك أثناء قيامها بالمراقبة على امتحانات الفرقة الثالثة في كلية الحقوق انتساب، بعد ضبط الأخيرة في محاولة الغش بسماعة بلوتوث، ونفت عضو مجلس النواب، النائبة نشوى رائف، ما تم تداوله حول تحويلها للتحقيق في جامعة جنوب الوادي، بعد اتهامها بالغش في امتحانات كلية الحقوق، واعتدائها على إحدى المراقبات. وقالت في تصريحات إعلامية أن تلك الواقعة التي تم تداولها على نطاق واسع عبر بعض وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي “ملفقة” وغير دقيقة، لافتة إلى أنها “ستتخذ إجراءات قانونية ضد مروجي الشائعات” وأنها لن تترك حقها لدى الجامعة مطلقا..
بلينكن بابا

كلما شاهد الدكتور خالد أبوبكر في “الشروق” وزير الخارجية الأمريكي أنتونى بلينكن في المنطقة يتنقل بين هذه العاصمة العربية وتلك، أيقن أن وقفا لإطلاق النار ما زال بعيد المنال في غزة؛ ذلك أنه يلعب بالطريقة نفسها التي صارت محفوظة لكل المتابعين للسياسة الأمريكية إزاء القضية الفلسطينية، والتي تتلخص في أن واشنطن تعمل طوال الوقت على خلق زخم وهمي يوحي بأن حركة دبلوماسية وسياسية وجهودا تبذل من جانبها للوصول إلى حلول ومخارج للقضية، أو المواجهات التي تشهدها على مدى تاريخها الطويل. تتعدد حيل هذا الزخم الأمريكي الوهمي بالقضية الفلسطينية، كأن تدعو إلى مؤتمر دولي للسلام، أو ترعى جولات للمفاوضات.. التي حتما تسبقها مفاوضات على أجندة هذه المفاوضات وطائرات تذهب وأخرى تأتي، بما يصور للشعوب العربية أن هناك حلولا مطروحة على الطاولة، وأنه يجري التداول بشأنها، مع موجات من التسريبات عن مقترحات وهمية تطرح للاستهلاك في الشرق الأوسط ولملء المساحات في الصحف والهواء في الفضائيات.. في حين أن الولايات المتحدة منذ الخمسينيات وهي تتبع سياسية «إدارة الصراع الفلسطيني ــ الإسرائيلي» لمصلحة إسرائيل لا العمل على حله. انطلاقا مما سبق نستطيع أن نقول إن الجولة الرابعة للسيد بلينكن في الشرق الأوسط منذ بدء العدوان على غزة، والطواف على العواصم العربية ليس الهدف منه البحث عن مخارج للأزمة، أو وقفا لإطلاق النار.. بل إتاحة المزيد من الوقت لإسرائيل لمواصلة حربها العدوانية الوحشية على الشعب الفلسطيني لعلها تصل إلى تحقيق هدفها الذي أعلنه نتنياهو بالقضاء على حركة حماس. يمنح وزير خارجية الولايات المتحدة تل أبيب الوقت للوصول لهذا الهدف البعيد عبر قيامه بمزاحمة صور قتل وتشريد الشعب الفلسطيني بصور انتقاله من هذه العاصمة إلى تلك.. وصورته مع هذا الزعيم أو ذاك.. والانشغال بمؤتمراته الصحافية الباهتة مع نظيره في هذه الدولة أو تلك.. بما يوحى أن هناك جهودا أمريكية تبذل لوقف الحرب، في حين أن الحقيقة أنها تعطى الضوء الأخضر لاستمرارها.

تحصيل الحاصل

المجهود الأمريكي الرئيسي في هذه المرحلة من الحرب وفق ما يرى الدكتور خالد أبو بكر هو العمل على ضمان عدم توسع الحرب إلى صراع إقليمي، وتحديدا الإبقاء على سقف الاشتباك بين إسرائيل وحزب الله على الحدود الراهنة، وعدم انزلاق الأوضاع إلى مواجهة مفتوحة، حتى لو تمادت إسرائيل في اغتيال القياديين في حماس وحزب الله داخل الأراضي اللبنانية وقيادات الحرس الثوري الإيراني على الأراضي السورية، وكأن ذلك من موجبات العملية العسكرية الإسرائيلية الراهنة.. فاغتيال القادة الكبار هو جزء أصيل من رواية النصر المزعوم، التي سوف يسوقها المأزوم نتنياهو لشعبه الذي لم يعرف طعم الأمن منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، رغم المجازر المروعة التي يرتكبها جيشه في حق المدنيين العزل. الشواهد تقول إن إسرائيل سوف تتمادى في تصفية القياديين الكبار، سواء في حماس أو حزب الله متى استطاعت إلى ذلك سبيلا، ما لم تدفع ثمن ذلك على الأرض، وهو ما يبدو أن حزب الله والقوى الإيرانية الأخرى بخيلة فيه حتى الآن على الأقل. لا جديد في جعبة الوزير الأمريكي ليبيعه لنا في العالم العربي، حتى تأكيده على رفض بلاده الطرح الأخير الذي يسمى «التهجير الطوعي» لسكان قطاع غزة ـ الذي طرحه أخيرا، وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير ووزير المالية المتطرف أيضا بتسلئيل سموتريتش ـ يعد من باب «تحصيل الحاصل»، بعد أن سبقه في ذلك حلفاؤه الأوروبيون، خصوصا بريطانيا وألمانيا وفرنسا. الجديد في هذه الزيارة الذي يحمله بلينكن هو ما صرح به مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية لوكالة «فرانس برس» بأن الوزير الأمريكي «سوف يستغل جولته في الشرق الأوسط للضغط على الدول الإسلامية المترددة في المنطقة، حتى تستعد للاضطلاع بدور في إعادة الإعمار والحكم والأمن في غزة، بعد أن تحقق إسرائيل هدفها المتمثل في القضاء على حماس، إذا حققته».

جنوب افريقيا

يرى عمرو الشوبكي في “المصري اليوم” أن إقدام جنوب افريقيا على مقاضاة إسرائيل بتهمة ارتكاب جرائم حرب عكس ليس فقط موقفا أخلاقيا وسياسيا صحيحا، إنما أيضا قدرة على تحمل الضغوط التي تمارسها الدولة العبرية وحلفاؤها على الدول أو الهيئات التي تعمل على إصدار إدانة دولية ضد ممارسات إسرائيل، أو تحشد الرأي العام العالمي بالفعل وليس بالشعارات ضدها. وقد اتخذت جنوب افريقيا هذه الخطوة الاستثنائية والشجاعة، معتمدة من ناحية على جرأة وديمقراطية نظامها السياسي (رغم مشاكله الكثيرة)، وأيضا كدولة ذاقت ويلات الاستعمار الاستيطاني والتمييز العنصري من ناحية أخرى. علينا ألا ننسى أن جنوب افريقيا شهدت واحدة من التجارب الملهمة في تاريخ البشرية في مناهضة الفصل العنصري، فقد عرفت في البداية نضالا سياسيا مدنيا، على يد حزب المؤتمر الوطني الافريقي، لكن بعد القمع والحظر الذي تعرض له الحزب وإطلاق النار على المتظاهرين السلميين الرافضين لسياسة الفصل العنصري أسس نيلسون مانديلا (رمز التسامح) في 1961 جناحا عسكريا سماه «رأس الحربة»، وأصبح رئيسا له واعتُقل وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة، وأطلق من محبسه جملته الشهيرة: «اتحدوا وجهزوا وحاربوا، إذ ما بين سندان التحرك الشعبي ومطرقة المقاومة المسلحة سنسحق الفصل العنصري»، وهو ما حدث. وقد شرحت جنوب افريقيا في دعواها، بمهنية ورصانة في الأسلوب والمضمون وبالأدلة، الوحشية التي تُرتكب في غزة، وقدمت طلبا عاجلا إلى المحكمة بأن تعلن سريعا أن «إسرائيل خرقت التزاماتها بموجب القانون الدولي منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي». واتهمت جنوب افريقيا إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بارتكاب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في غزة، «وقامت بأفعال محددة بقصد تدمير الفلسطينيين كمجموعة قومية وعنصرية وإثنية»، مما يشكل انتهاكا للاتفاقية المتعلقة بالإبادة الجماعية. وأشارت أيضا إلى أن «إسرائيل فشلت في منع الإبادة الجماعية وحرَّضت عليها»، ويدعو الطلب إلى «اتخاذ تدابير مؤقتة لحماية حقوق الفلسطينيين، وضمان امتثال إسرائيل لالتزاماتها بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية». وتضمنت الدعوى تصريحات كثيرة أدلى بها كبار المسؤولين الإسرائيليين، بمن فيهم رئيس الوزراء نتنياهو، واعتبرتها أظهرت «نية إبادة»، فمثلا حين قارن الفلسطينيين بشعب العمالقة (العماليق) في الكتاب المقدس اليهودي، حيث أمر الله الإسرائيليين بتدميرهم، وتقول الآية الكتابية: «الآن اذهب واضرب العماليق، اقتل الرجل والمرأة والرُّضع». الدعوى التي رفعتها جنوب افريقيا اعتمدت على توقيع إسرائيل وجنوب افريقيا على الاتفاقية الدولية لمناهضة الإبادة الجماعية. ورغم أن قرار المحكمة سيكون استشاريا، إلا أنه بالتأكيد سيمثل ورقة ضغط جديدة على دولة الاحتلال، لعله.

من فشل إلى فشل

ما يفعله بنيامين نتنياهو الآن من وجهة عماد رحيم في “الأهرام”، هو السعي جاهدا لتفجير المنطقة وتحويلها لفوهة بركان متقد؛ فمن فشل غير مسبوق تحققه إسرائيل جراء التوغل في قطاع غزة؛ وتكبدها خسائر كبيرة جدا جدا؛ إلى فشل آخر تبدو آثاره في الأفق بعدما اغتالت إسرائيل العاروري في خطوة مفاجئة. كل أُطر المنطق كانت تستبعد قيام إسرائيل بعملية مثل عملية اغتيال العاروري؛ لأنها تفتح على نفسها جبهة؛ بكل تأكيد هي في غنى عنها. وهنا التفسير الأقرب والأكثر واقعية؛ هو أنها تهرب من فشل الجنوب لمحاولة تحقيق انتصار ولو زائف في الشمال. فعلى مدى الأشهر الثلاثة؛ كانت تحدث بعض المناوشات البسيطة من حزب الله؛ تلك المناوشات يمكن أن نعتبرها محاولات لذر الرماد؛ بعدما أعلنت إيران أنها ستتدخل في الوقت المناسب، لو زادت حدة الاعتداء الوحشي على غزة؛ وهو ما لم يحدث. إيران هنا؛ قررت أن يكون تركيز العالم على المجازر التي ترتكبها إسرائيل؛ والحقيقة أنها أدارت أزمتها بحنكة كبيرة للغاية؛ ومن ثم سار حزب الله على نهجها؛ ينتقي توقيت ونوعية الضربات التي يوجهها لإسرائيل. الدخول في تلك الجبهة يأتي متزامنا مع تخفيف عدد القوات الموجودة في غزة؛ التي منيت بهزائم مهينة كما ونوعا؛ كما يأتي متزامنا مع إعلان الجيش الإسرائيلي استمرار العمليات العسكرية لمدة قد تصل لعام. قراءة متأنية لتصريحات العدو الصهيوني؛ كفيلة بتبيان حجم التخبط الكبير في القرارات المتخذة بشأن العدوان على غزة؛ ولكن الثابت هو محاولة تحقيق أي نجاح ملموس يرضي الرأي العام الإسرائيلي الذي فزع يوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

عزيز قوم ذل

“ارحموا عزيز قوم ذل” هو المثل الذي اختاره خالد حمزة في “المشهد” كي يعبر عن المآسي التي بات يواجهها المصريون على مختلف طبقاتهم بسبب تردي أحوال عملتهم الوطنية.. يقول خالد حمزة، كانت أمي تأتي آخر نهار كل يوم؛ وتنظر بحسرة لعدة قروش في يدها: تصوروا هذا ما تبقى من الجنيه اليوم؟ وزمان كمان.. كنا نسمع عن التفاح أمريكاني ولبناني؛ وكنا نكتفي بمجرد النظر إليه فقط، فقد كان للصفوة فقط وللقطط السمان ورأينا بأم أعيننا الأفلام القديمة؛ والحديث عن الرطل والأوقية وسعر الدولار؛ الذي كان الخمسة منه بجنيه واحد واليوم.. أصبح التفاح هو الآخر مهانا بعد أن تخطى سعر البصل سعره، وفي سبعينيات القرن الماضي كما يذكرنا الكاتب بتاريخ المصريين مع النضال السلمي.. خرج الناس إلى الشوارع في 18 و19 يناير/كانون الثاني عام 1977 يهتفون: سيد بيه يا سيد بيه كيلو اللحمة بقى بجنيه. وسيد بيه.. هو الراحل سيد مرعي رئيس مجلس الشعب في ذلك الوقت ووزير الزراعة في عهد عبد الناصر.. ونسيب السادات وموضع ثقته، وكان كيلو اللحم يباع وقتها بـ68 قرشا في المجمعات الاستهلاكية، ولكن الناس رأوا في زيادة سعر اللحم وبعض السلع الأساسية؛ مسا بهم وبقيمة الجنيه. وخرج السادات ليقول إنها انتفاضة حرامية؛ قبل أن يتراجع ويلغي الزيادة ويعيد للجنيه هيبته.. ولو إلى حين.

معلهش

مع الأيام والسنين والكلام ما زال لخالد حمزة.. ازداد الجنيه مهانة بدعوى: إحنا لسه طالعين من حرب، وبشروط البنك الدولي والصندوق مرة، وبدعوى: انتوا كتير نجيب لكم منين؟ بدأت نغمة جديدة تطفو إلى السطح: استحملوا شوية.. معلهش ويبدو أن الناس تعودوا على طريقة عادل إمام.. في مسرحية شاهد ما شافش حاجة، فكانوا مع أول كل زيادة في المرتبات تقررها الحكومة يصيحون: يا خفي الألطاف.. نجنا مما نخاف. فقد كان العرف وقتها (الذي أصبح مع السنين عادة).. هو رفع الأسعار بأضعاف الزيادة، يعني ما تعطيه لك الحكومة باليمين؛ تأخذه منك بالشمال أضعافا مضاعفة. وكله على حساب صاحب المحل، وصاحب المحل.. الذي هو أنا وأنت.. لم يعد له سعر؛ فقد غلا كل شيء في مصر وعزّ.. إلا هو فقد ظل جالسا قانعا متذمرا أحيانا ولكن في داخله؛ منتظرا علاوة أو زيادة تأتي من هنا وهناك؛ وسط مطالبات وأعباء لا تنتهى؛ وتتزايد مع مطلع كل يوم. ومع زيادات في الفواتير من كهرباء لغاز لمياه، لمواصلات، لنت منزلي لذهب، لدولار، لبنزين وهلم جرا. وصاحب المحل.. ينظر إلى داخل محله فيجد بضاعته قد نقصت؛ وأوشكت على النفاد في انتظار الغوث بفتات يأتي من هنا أو هناك؛ أو في انتظار الأجل.. أيهما أقرب. وصاحب المحل.. يخشى أن يأتى اليوم الذي يبيعون فيه المحل؛ فيجلس يا مولاي كما خلقتني وقد يبيعونه هو شخصيا في مرحلة لاحقة. ولكن إيش تاخد الريح من البلاط؟ فصاحبك الذي هو أنا وأنت.. لا يساوى بصلة.. بعملة هذه الأيام.

شاهد عيان

هذا الرجل ليس مجرد إعلامي، ولكنه، كما يصفه هشام الهلوتي في “الوفد” بطل من أبطال المقاومة ونموذج نادر للصمود، والصبر والاحتساب، وشاهد على جرائم الإبادة الجماعية للفلسطينيين التي تجري برعاية أمريكية وأوروبية. الصدمة الأولى لوائل الدحدوح كانت يوم 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، عندما فقد أربعة من عائلته مرة واحدة هم، زوجته وابنه وابنته وحفيده، خلال قصف إسرائيلي لمنزل أسرته، التي نزحت إليه في مخيم النصيرات، ضمنَ المنطقة التي زعمَ جيش الاحتلال أنها آمنة ودفعَ الفلسطينيين نحو النزوح لها قسرا. وشاهدت كما شاهد الملايين لحظة تلقي الدحدوح نبأ استشهادهم على الهواء مباشرة خلال تغطيته للعدوان الوحشي على قطاع غزة، وظهر وائل على شاشة قناة “الجزيرة” مكلوما مذهولا وهو يتابع انتشال جثث عائلته من تحت الأنقاض في لحظة إنسانية بائسة وهو يردد «بتنتقموا منا بالأولاد؟ دموعنا دموع إنسانية وليست دموع جبن وانهيار، فليخسأ جيش الاحتلال. وعلى الرغم من فداحة الصدمة وعمق الجراح تماسك الدحدوح ولم يتوقف عن استكمال دوره في فضح جرائم الجيش الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني الأعزل. وبعد حوالي 72 يوما ومع اكتمال الشهر الثالث للعدوان على غزة، وقبل أن تلتئم الجراح فجع وائل الدحدوح بنبأ استشهاد نجله الأكبر المراسل الصحافي حمزة في قصف إسرائيلي استهدف صحافيين غرب خان يونس في قطاع غزة، وبعقيدة المقاتل وبإيمان راسخ بالله وبالوطن، شيع الدحدوح ابنه بكلمات أبكت العالم قائلا: “إن حمزة لم يكن مجرد جزء مني، لقد كان أنا بمعنى الكلمة، كان روح روحي. هذه هي دموع الحزن والخسارة. هذه هي دموع الإنسانية”. وطالب العالم بأن ينظر عن كثب إلى ما يحدث في غزة. ونحن معه نطالب شعوب العالم بمؤازرة الشعب الفلسطيني الأعزل، نطالب هذه الشعوب بالضغط على حكوماتهم المتآمرة لوقف المجازر التي يرتكبها الكيان الصهيوني ضد الإنسانية في غزة. فقد تجاوز أعداد الشهداء حتى الآن 22000 فلسطيني، منذ اندلاع الحرب في غزة بخلاف 75 صحافيا، في ظل سياسة العدو الصهيوني لإبادة الشعب الفلسطيني. وما حدث مع عائلة وائل الدحدوح نموذج للإبادة الجماعية وجرائم الحرب التي يرتكبها الكيان الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني، وهو ما حذر منه خبراء في الأمم المتحدة بعد حوالي شهر من بدء الحرب على غزة، الذين أكدوا أن إسرائيل لديها النية للقضاء نهائيا على الشعب الفلسطيني.

أيقونة الإعلام

على الرغم من الشعور العام بأن الكتابة عن غزة لم تعد مجدية، إلا أنه من الواجب أيضا ألا نتوقف عن الكتابة عنها، على الأقل لنؤدي أدوارنا كشهود على جرائم ترتكبها إسرائيل بجبروت لم تصل إليه أبدا أي قوة احتلال في العالم. وبعد 90 يوما يقول سيد محمود في “الشروق” لا تزال المشاهد والصور البشعة تتدفق بغزارة مؤلمة، غير أنها لم تحول الفلسطيني إلى رقم كما كان الحال في السابق، فأمام الدم الطاهر المتدفق تعلو الأصوات الرافضة للحرب، التي لم تكن قادرة في الماضي على إعلان مواقفها، كما تنضم إلى المظاهرات اليومية في عواصم العالم، أسماء بارزة لها ثقلها الأخلاقي، تسعى لفضح ما يجري ومواجهته. لا تخلو وسيلة إعلامية في العالم اليوم من صوت يدعو لوقف الحرب، ومن صورة تتأمل المأساة الإغريقية، التي تجسدت بكامل ملامحها في صورة وأداء المراسل التلفزيونى وائل الدحدوح، الذي يجسد الحالة الفلسطينية كاملة، تحول الدحدوح إلى بطل تراجيدي لم يجد الوقت ليشيع أفراد عائلته الذين يتساقطون أمامه كل لحظة. وأصبحت مشاهدته وهو يبكي تحتاج وحدها لقراءات عديدة يحتار معها أساتذة وخبراء الإعلام، وتحليل العلامات الذين يلهمهم هذا الرجل ويصيبهم بالعجز. شيء أكبر بكثير من الإيمان يدفع زميلنا الشجاع للاستمرار في أداء دوره وتسجيل شهادته الحية على بشاعة ما يجري، فقد تحول هو ذاته إلى شهادة تمشى على قدمين. في تحليلها لجرائم الجيش الأمريكي في فيتنام، تحدثنا الروائية الأمريكية الرائعة سوزان سونتاج، عن أهمية الالتفات إلى ألم الآخرين، لكن أي التفات يحتاجه العالم أكثر مما نراه، وأي خذلان يمكن أن يستشعره الفلسطيني أكثر من هذا؟

عصر الخذلان

توقفت قدرة العرب وعجزوا تماما وفق ما يرى سيد محمود عن الالتفات لهذا الألم، وفشلت حكوماته عن الدفاع عن شرعية الموقف الفلسطيني وتأكيده. والعروبة ليست وحدها التي تعاني من هذا المأزق، لأن الإنسانية كلها تعيشه على نحو يمثل إعلان إفلاس لكل القيم التي روجت لها الحداثة وما بعدها حول ما تحقق من تقدم تكنولوجي مبهر. فأنت حين تعجز عن إطعام جائع، أو مداواة جريح أو دفن ميت، ومنح الأمان لطفل يتيم، فهذا يعني أنك غير جدير بإنسانيتك والمفارقة التي نحياها فادحة؛ فحين بلغنا عصر الذكاء الصناعي انتهينا إلى أقصى درجات الانحطاط، وغابت فطرة التضامن الإنساني مع الضعيف، وهي ركيزة في جميع الفلسفات والأديان، وبالتالي فإن ما نحياه ليس سوى عصر جدير بأن يسمى عصر الخذلان. أعود إلى شعر محمود درويش وأستعيد قدرته الفذة على الاستبصار وتخطى لحظته والذهاب إلى المستقبل وأتساءل كيف استطاع أن يمد بصره ليقفز من لحظته ويصل لهذا الأمام، صحيح أن كل شاعر عظيم هو شاعر رائي إلا أن الفتنة بالشعر تزداد حين أطابق ما يجري مع ما كتبه طوال نصف قرن. أؤمن بأن الشعر يحتاج لأن يتحرر من بشاعة اليومي وضيقه وأعرف أن درويش ذاته طالب بذلك ومارسه، لكنه ظل دائما يستشعر مسؤوليته كصوت فلسطيني عليه أن ينقل مأساة شعبه للعالم، إنها المسؤولية الكبيرة التي أداها بجدارة. أقرأ من بين نصوصه النثرية نصا فريدا نشره في صحيفة “الأهرام” في 3 ديسمبر/كانون الأول من عام 1971 تحت عنوان (غزة كل يوم) يقول فيه «غزة لا تواصل انفجارها اليومى لنقول لها شكرا، وغزة لا تواصل انقضاضها اليومي على الموت لكي نكتب عنها قصيدة، غزة لا تجسد متسعا من الوقت لتقرأ تحياتنا، ولا بريد إلى غزة لأنها محاصرة بالأمل والأعداء، ورغم ذلك نقف اليوم وكل يوم، لكي نصلى لاسمها النادر بين الأسماء. إن غزة تحرر نفسها وتاريخها كل ساعة وتصون قيمها بالاقتراب الشديد والالتصاق بالالتحام بالموت، لم تعد غزة مدينة، إنها ساحة حرب مشتعلة، تمتحن فيها انتصارات العدو وآماله وقيمه.. وليس بوسع العدو أن يتباهى بقيمه، إنها تتبلور في صيغتها الحقيقية الوحيدة، الجريمة كما أن غزة ليست كفارة للذنوب كما يقول البعض، ولكنها نموذج عمل وإعلان إرادة».

«وصفة» لإشعال حرب أهلية

عندما قرأ عبد اللطيف المناوي في “المصري اليوم” خبر عملية تسليح المواطنين في السودان أصابه الغم توقعا لمشاهد جديدة لدماء سودانية ستُراق بأيادٍ سودانية، ومن أجل صراع على النفوذ والسلطة، بين طرفين لا يهتم رموزهما، بأهل السودان، بل اهتمامهم ينصب على السلطة والنفوذ فقط. اللافت هنا أن هذا يتركز في بعض الولايات السودانية التي لا تزال آمنة في شمال وشرق البلاد، وكأن الأمان بات محرما في السودان. وأُطلق على هذه العملية «المقاومة الشعبية المسلحة»، وتستهدف تسليح المواطنين للدفاع عن مناطقهم، خشية امتداد المعارك بين الجيش وقوات الدعم السريع إليها على غرار ما حدث في مدينة «ود مدني» في ولاية الجزيرة. المئات من الشبان حملوا أسلحتهم وسط هتافات تصرخ لحث بقية المواطنين على التسليح والتدريب على استخدام الأسلحة النارية، للمشاركة في تأمين مداخل ومخارج المنطقة. وهذا الصراخ يبدو مزيجا من الخوف واستدعاء مشاعر وحشية. أن يتبنى الجيش عملية تسليح المواطنين هذا خطأ كبير، ولا يوجد سبب منطقي ووطني يبرره. حتى ما سيق من أن هذا الإجراء يأتي لمواجهة تقدم قوات الدعم السريع، هو تبرير يتجاهل خطورة دفع البلاد إلى حرب أهلية، خاصة إذا ما تبنينا التفسير، الذي أراه صحيحا، بأن هذه الخطوة يتخذها الجيش لمنع فقدان المزيد من السيطرة على ولايات بدأت تتساقط من تحت سيطرته، وهو ما يعني اعترافا بالفشل في المواجهة، بعد العجز عن حسم المعركة ضد قوات الدعم السريع في غضون أيام، كما ادعى قادة الجيش في البداية، بينما مضت نحو تسعة أشهر والأمور تتعثر ميدانيا وتنظيميا، بل بات الجيش مهددا بفقدان السيطرة على المزيد من الولايات. باتت العقيدة القتالية لذوي الميول الإسلامية هي السائدة في السودان، حيث يرى كل الأطراف تقريبا ضرورة تجييش المواطنين للدفاع عن أفكارهم ومشروعاتهم، بغض النظر عن مدى مناسبتها لجموع الشعب السوداني. إن ما يتم التجهيز له هو «روشتة» أو «وصفة» لإشعال حرب أهلية، ووضع المواطنين في مواجهة إخوانهم. وفي حديث مع صديق سوداني قال بخوف واضح عن دفع السودان إلى حرب أهلية شبيهة بما حدث في رواندا، التي راح ضحيتها ما يقرب من مليون مواطن رواندي. ما أريد أن أقوله إن الجيوش النظامية القوية ترفض الزج بالناس بطريقة عشوائية في حروبها القتالية، وترفض السماح بسلاح خارج سيطرة الدولة، وهو الأمر الذي يؤدي حتما إلى نتائج سلبية، وقوات الدعم السريع نموذج غير بعيد. إن إعلان قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، عن تسليح الجيش للمقاومة الشعبية، وعدم منعها من جلب أي سلاح، هو دليل على عمق التدهور وتعقد الأزمة التي يمر بها السودان.

استثمار خرافي

مع استيعاب صدمة “مفاجآت وهدايا” العام الميلادي الجديد، واستمرار «سيل» موجات الغلاء المتوحشة، التي طالت كل شيء تقريبا، كما أوضح محمود زاهر في “الوفد”، يظل هناك دائما مَن يُديرون الأزمات بـ«ذكاء» و”جشع”، لتحقيق أقصى استفادة ممكنة من التربح. يقينا، هناك تُجَّار أزمات في كل زمان ومكان، لكن الأمر يبدو مختلفا في مصر، بعد أن لاحظنا خلال الأعوام الماضية، طفرة غير مسبوقة لاستثمار أي أزمة، حتى لو كانت على حساب آلام الناس ومعاناتهم. بالعودة للذاكرة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، عندما أطلَّت علينا جائحة كورونا ـ التي لم تفارقنا متحوراتها بعد ـ لاحظنا استثمار تُجَّار المدافن، رغبة مَن أتعبهم البحث عن مقبرة، كنوع مختلف من التجارة، يدغدغ مشاعر الخائفين المرتَعبين، ليجد هؤلاء المستثمرون منفذَ كسب سريع، بذريعة تخفيف وطأة الوباء، ورفع الروح المعنوية، برسالة طمأنة.. وإن كانت من نوع آخر. مؤخرا انتشر على نطاق واسع «تريند جديد»، متداوَل عبر «وسطاء ومسوقون عقاريون» على مِنَصَّات التواصل الاجتماعي، عن طرح إحدى المجموعات العقارية الشهيرة، «مقابر» بمساحات تصل إلى 40 مترا بسعر 37.5 ألف جنيه فقط للمتر، وبنظام سداد سنة، واستلام بعد سنتين، على “محور الأمل”.. وحسب الإعلانات الترويجية على “السوشيال ميديا”، التي اطلع عليها محمود زاهر فإن منطقة المقابر توفر “خدمات أخرى”، منها دار للمناسبات ومسجد وجراج ومبنى إداري، بخلاف «الصيانة الدائمة للمشروع»، إضافة إلى السماح للأجانب بالشراء و«التملك»، حيث يبلغ سعر العين الواحدة 1.5 مليون جنيه، يتم دفع 300 ألف مقدم و100 ألف أخرى كقسطٍ شهري على 12 شهرا.

«مصائب قوم عِندَ قَوْمٍ فَوائِدُ»

اللافت أن الظاهرة التي أخبرنا عنها محمود زاهر، باتت تمثل نوعا مختلفا من الاستثمار “الفاخر”، خصوصا في ظل وجود نقص في المقابر “الراقية”، التي تجد إقبالا كبيرا على الشراء، خصوصا من أولئك الأحياء الذين يفضلون شراء مقبرة بأسمائهم ـ لهم ولعائلاتهم من بعدهم ـ تكون قريبة من محل إقاماتهم، حتى يسهل عليهم زيارة موتاهم. وبعيدا عن تلك المقابر “الفاخرة”، إلا أن أكثر ما يلفت الانتباه، هو تلك الاستعدادات المبكرة لـ”مرحلة ما بعد الموت”، من خلال ترويج مكثف بأساليب مبتكرة وإغراءات جذابة، ليصبح “الاستثمار في المقابر” حلم كثير من الباحثين عن الثراء السريع والربح المضمون. المثير في هذا النوع من «الاستثمار» هو تلك الإعلانات «المستفزة»، التي تستخف بجلال الموت وهَيْبَتِه، خصوصا تلك التي تتحدث بإلحاح عن “فرصة العمر”، أو “أقل سعر، وأطول فترة سداد”.. وغيرها من “المزايا” الفريدة لـ”ساكني القبور” وذويهم، أخيرا.. هناك بالفعل شركات متخصصة «تتعامل باحترافية»، لخدمات مراسم الجنازة، تُعنى بتقديم «الخدمات اللوجستية» كافة، خلال الفترة العصيبة التي يمر بها أي شخص عندما يفقد عزيزا لديه، تتضمن خدمة متكاملة تغطي جميع مراحل تكريم المتوفى، وخدمات “الدعم ما بعد الوفاة “اقتضى هذا النوع الجديد من الاستثمار في رفات الراحلين أن يذكر الكاتب ببيث الشعر ذائع الصيت لشاعر العربية الأشهر أبو الطيب المتنبي إذ يقول “بِذَا قَضَتِ الأَيامُ ما بَينَ أَهْلِها.. مَصَائِبُ قَوْمٍ عِندَ قَوْمٍ فَوائِدُ”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية