لندن – «القدس العربي»: شكل استهداف مدينة الإنتاج الإعلامي في مصر بعدد من التفجيرات منعطفاً جديداً في تطورات الأحداث، حيث تمكن مسلحون معارضون لأول مرة من إجبار عدد من القنوات التلفزيونية على وقف بثها، ونجحوا في إسكات صوتها، بعد أن انقطع التيار الكهربائي عن المدينة بالكامل مرتين أسبوعياً.
وغابت كافة القنوات التلفزيونية العاملة في مدينة الإنتاج بشكل جماعي تقريباً بعد أن استهدفت تفجيرات متتالية إمدادات الكهرباء ونجحت في قطع التيار الكهربائي عن المدينة، وهي التفجيرات التي تبنتها مجموعة مصرية مسلحة، لتنجح بذلك في وقف الأصوات المؤيدة لنظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، فيما أضطر عدد من القنوات إلى بث برامج مسجلة للحفاظ على استمرارية البث فقط.
ورغم أن التفجيرات تمت بقنابل بدائية الصنع تم إعدادها يدوياً إلا أنها فتحت الباب أمام الكثير من المخاوف التي تتعلق بإمكانية أن تكون عملية استهداف المدينة مقدمة لنقل السجالات الإعلامية في مصر إلى الشارع، فضلاً عن أن الهجمات جددت المخاوف من استهداف الصحافيين والإعلاميين بما يمكن أن يشكل منحنى خطيراً في الاحتجاجات التي تشهدها مصر ضد نظام السيسي.
قلق إعلامي
وعبر «المرصد العربي لحرية الإعلام والتعبير» عن قلقه من التفجيرات التي استهدفت أبراج الكهرباء المغذية لمدينة الإنتاج الإعلامي في مصر، والتي تسببت في إظلام كامل للمدينة وتوقف بث القنوات، كما استنكر المرصد «العمل التخريبي أياً كانت الجهة المنفذة أو المستهدفة».
لكن المرصد رغم تأكيده على رفض العنف واستهداف القنوات التلفزيونية في مصر، إلا أنه اعتبر أن «هذا العمل هو إفراز طبيعي لحملات الكراهية والحض على القتل التي تصدر من أصوات وقنوات تبث من داخل المدينة، وإن كنا لا نرى أن هذا مبرر للعمل التخريبي». وشدد على ضرورة تحرك السلطات المصرية بوصفها المتحكمة في السياسة التحريرية لتلك القنوات، بإلزامها بالكف عن التحريض والكراهية وضرورة الإلتزام بالمعايير القانونية والمهنية والأخلاقية، معربًا عن قلقه من أن استمرار حملات التحريض التي تبثها بعض القنوات يمكن أن يتسبب في المزيد من الهجمات التخريبية.
وقال مدير المرصد قطب العربي إن حملات التحريض والكراهية التي تقوم بها القنوات التلفزيونية، والأجندات المكشوفة لها، وتعمد هذه القنوات تغييب المعارضين وعدم التوازن في عرض وجهات النظر هو الذي دفع إلى هذه النتائج المقلقة.
وهو يبدي خشيته من أن تكون هذه التفجيرات مقدمة لعمليات استهداف تطال الصحافيين، وهو ما يمكن أن يؤدي بالحريات الصحافية والواقع الإعلامي في مصر نحو مزيد من التدهور، في الوقت الذي يكافح فيه أصحاب المهنة من أجل حمايتها وتطويرها وصيانة الحريات التي تمكنوا من إرسائها في أعقاب ثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير 2011.
غضب من الإعلام المصري
وتأتي هذه التفجيرات التي ضربـــت مدينة الإنتاج الإعلامي وسط حالة من الغضـــب في أوساط المصريين مـــن القنوات الفضـــائية ومما يعرض عليها على ما يبدو، حيث يقـــول الكاتب والصحافي المصري تامر أبوعرب إنه «خبر محــزن، لكن الناس لم تحزن» مشيراً إلى أن «غالبية المصريين كانوا سعداء بقضاء ليلة دون فضائيات، وبعضهم تعاطف مع الإرهابيين وأيّد التفجيرات لأول مرة مادام أسفر عنها انقطاع البث عن القنوات».
وهو يرى أن «الإعلام المصري بدأ يجني ثمار ما زرعه لأكثر من عامين». مضيفاً: «لم يستجب أحد لتحذيراتنا السابقة من خطورة تحول الإعلام من ناقل للحقيقة إلى مروج للأكاذيب، ومن صانع للبهجة إلى تاجر للكراهية، ومن عين للناس إلى ذراع للسلطة، لذلك كان طبيعياً أن ينظر الإرهاب إلى الإعلام بإعتباره شريكاً في السلطة فيستهدفه، وأن ينظر الناس إليه كأداة تضليل فلا يتعاطف معه».
كما أنه يدعو الصحافيين والإعلاميين إلى التوقف والتأمل بشأن استهداف مدينة الإنتاج، ويقول: «على أبناء المهنة التوقف أمام دلالات حادث الإنتاج الإعلامي وردود الفعل تجاهه، لإدراك الأزمة الحقيقية التي تمر بها مهنتهم، بعدما أصبح الإعلام خصماً للجميع، خصم لمن يحرض عليه ويبرر قتله، وخصم لمن يكذب عليه ويبيع له الوهم، وخصم لمجتمع يتجاهل مشاكله إرضاء للسلطة، وخصم حتى للسلطة التي تؤكد في كل خطاباتها عدم رضاها عن أدائه وطمعها في مزيد من التنازلات».
جدل على الانترنت
وكانت حادثة غياب القنوات الفضائية المصرية قد أشعلت الجدل على شبكات التواصل الإجتماعي، حيث تصدر الوسم (#تفجير_مدينة_الإنتاج_الإعلامي) التداولات داخل مصر لعدة أيام، وكان من بين الأكثر نشاطاً في العالم العربي خلال الأسبوع الماضي، فضلاً عن أن غياب الفضائيات أتاح أصلاً فرصة إضافية للناشطين والمعلقين وعموم الجمهور لقضاء وقت أطول على الانترنت وشبكات التواصل الإجتماعي.
وبدا الكثير من الناشطين شامتاً في إنقطاع التيار الكهربائي عن مدينة الإنتاج الإعلامي، خاصة وأن التفجيرات استهدفت أبراج التزويد بالكهرباء في منطقة نائية ولم تؤد إلى سقوط ضحايا ولا جرحى.
كما قرأ الكثير من الناشطين التفجيرات على أنها «رسالة إنذار» إلى الصحافيين العاملين في القنوات الخاصة المصرية والذين يتلقون الأوامر من مكتب السيسي ومديره اللواء عباس كامل، كما قال أحد المغردين على «تويتر» في إشارة إلى المخاوف من أن تتوسع الهجمات لتطال أشخاصاً أو قنوات بعينها.
يشار إلى أن حركة «العقاب الثوري» تبنت تفجيرات مدينة الإنتاج الإعلامي بثماني عبوات ناسفة، وكشفت في بيان لها أن العملية كانت تستهدف بوابات المدينة بالإضافة لخطوط الكهرباء، كما توعدت بشكل واضح باستهداف الإعلاميين داخل وخارج المدينة.
وتعهدت الحركة بمزيد من العمليات النوعية، وقالت إنها بدأت «مرحلة جديدة تعمل وفق رؤية وأهداف استراتيجية ضد الانقلاب».
وأضاف بيان الحركة أن العملية «نفذتها إحدى مجموعات العقاب في الساعات الأولى من صباح الثلاثاء 14 نيسان/ أبريل 2015 واستهدفت تفجيـــر برجي الكهرباء الرئيسيين المغذيين لما يسمى بمدينة الإنتاج الإعلامي بثماني عبوات ناسفة بعد تحديدهما بدقه وعناية فائقة كما استهدفت البوابات الرئيسية للمدينة بأربع عبوات أخرى بهدف حصارها».
وأكدت الحركة في بيانها أن منفذي العملية عادوا بسلام بعد أن حققت العملية أهدافها بنجاح، على حد تعبير الحركة.
وقالت الحركة إن «قطع الكهرباء ليس بديلا عن قطع الرؤوس والألسنة، ولكنه إنذار أخير ليعلم كل من يعمل ضمن منظومة تدمير الوطن واستباحة الدم أنه في مرمى العقاب سواء كانوا فرادى أو جماعات وأن بنك أهدافنا محدد وبدقة» على حد وصف البيان.