في مطار أمستردام تسأل موظفة الهجرة اللطيفة لماذا جئتِ. ثمة مداولات في المحكمة الدولية في لاهاي، أجيب. على ماذا؟ تسأل. يصعب عليّ أن أخرج من فمي كلمة “جينوسايد”. فأجيب: بسبب الحرب في غزة. وعندها تسأل، دون إخطار، سؤال يمزق كل إسرائيلي منذ 7 أكتوبر: وعائلتك، هل هي آمنة؟
الطقس مجمد في لاهاي الآن. لمع قصر المحكمة أمس بعد الظهر بوضوح في درجتين تحت الصفر. سيكون هذا الصباح ساحة مواجهة دولية نادرة، وعرضاً سياسياً يختبئ في شكل حدث قضائي: ادعاء جنوب إفريقيا بأن إسرائيل لم تستوف واجباتها حسب ميثاق الإبادة الجماعية، وهو الميثاق الذي كانت هي من مبادريه بعد الكارثة، بارتكابها إبادة جماعية في قطاع غزة. من خلف جنوب إفريقيا -وإسرائيل تعرف هذا جيداً- تقف دول وهيئات كثيرة أخرى، تعمل بكثافة على إضعاف عدالة حربها. لجنوب إفريقيا حساب طويل مع إسرائيل بسبب دعمها نظام الأبرتهايد. لكن ثمة مصالح، مالية أيضاً، ترافق الحساب الأخلاقي والأيديولوجي.
كثير من المفارقات الحزينة في هذا الحدث: الأولى، أن إسرائيل دولة شعب تعرض للإبادة الجماعية الأخطر في التاريخ. الثانية، أن حماس ارتكبت في صباح 7 أكتوبر مشروعاً تجريبياً للإبادة الجماعية في حدودنا. ولولا الجيش الإسرائيلي لواصلت وواصلت، تقتل، تغتصب. وها هي، القضية القضائية الأولى المرتبطة بـ 7 أكتوبر هي تلك التي ترفع ضد دولة إسرائيل. ليس ضد القتلة ومموليهم، من إيران حتى قطر. وثمة مفارقة أخرى، سيهاجم الجنوب إفريقيون ومساعدوهم: بأنكم أنتم، الضحايا، أصبحتم أنفسكم مجرمين.
ستتواصل المداولات لسنوات، لكن جنوب إفريقيا تطلب إصدار أمر احترازي يأمر إسرائيل بوقف أعمالها (“الجينوسايدية”). المستوى اللازم لإصدار أمر كهذا منخفض على نحو عجيب؛ يكفي أن يثبت أن الفلسطينيين قد يصابون بأذى، بشكل عام، كي تتمكن المحكمة – إن شاءت – من إصدار الأمر.
تدور رحى حرب ضروس في قطاع غزة، ولا شك أن السكان الفلسطينيين يصابون بأذى شديد، مثلما لا شك أن الجيش الإسرائيلي يتعرض لخسائر أليمة؛ وجهاز الأمن لا يشكك بأعداد القتلى التي تظهر في وسائل الإعلام الدولية. لكن ثمة فجوة واسعة، أخلاقية وقائعية بين أعداد المصابين العالية وتدمير البنى التحتية من جهة والجينوسايد من جهة أخرى.
هذا لا يهم. الأمر سيصدح من أقصى العالم إلى أقصاه، وأدوات الدعاية الفلسطينية من النوع الأكثر جودة؛ “دليل” أن إسرائيل تقتلهم بشكل منظم أو تتطلع لتصفية وجودهم كشعب. وسترفق بالمرسوم تجسيدات: اقتباسات عن عصبة المتحمسين الإسرائيلية، من الوزير عميحاي إلياهو، مروراً بعضو الكنيست نسيم باتوري، وحتى المتحمس المهرج يانون مغيل. جريمة “الإبادة الجماعية” تتطلب إثبات النية. اذهب واشرح للعالم بأن وزراء الحكومة، وأعضاء الائتلاف وأبواق دعايتهم لا تريد إلا التقاط إجابات في تويتر، وأن كل استخدام للنار في واقع الأمر يجري بمرافقة قانونية ملاصقة. في مداولات يوم الجمعة، عندما تطرح إسرائيل موقفها، سيشرحون هذا أيضاً، لكنهم سيلتصقون بأمور فنية، مثلاً، كان على جنوب إفريقيا اتخاذ سلسلة أعمال قبل التوجه إلى المحكمة.
كل هذا المستنقع السام يعتمل الآن؛ فهو يخيف أصحاب القرار أكثر مما هم مستعدون للاعتراف. قضايا جرائم الحرب قد تتدهور بسرعة كبيرة، وبشكل شخصي جداً بالنسبة لهم. من بين هذا التفكير المحتد، استُدعي النور القضائي الأكبر الذي نشأ في إسرائيل، رئيس العليا الأسبق أهرون باراك إلى خدمة العلم. من اتصل به يطلبه للتجند في خدمة الاحتياط هو أن القرب رقم واحد الوزير رون ديرمر. وأوضح ديرمر بأن الأمر جاء بناء على رأي رئيس الوزراء نتنياهو. رأيت القاضي باراك اليوم، في الطريق إلى رحلة الطيران. تصافحنا وليس أكثر؛ انتقل باراك إلى مزاج قضائي وملجوم. لا يجري لقاءات صحافية، لا يتحدث. أوضح لوزارة الخارجية بأنه سيبقى في لاهاي إلى أن يصدر الأمر الاحترازي، أو بقدر ما يحتاج وفقاً لتعليمات المحكمة. من تحدثوا معه في الأشهر الأخيرة يروون بأن أحداث 7 أكتوبر أيقظت فيه الصدمة المختبئة إياها، صدمة الطفولة في آذار 1944، في غيتو كوبانا. الحدث الذي فرا منه، هو وأمه، بصعوبة شديدة. هذه هي صدمة الإبادة الجماعية، الحقيقية.
صباح الغد، في مداولات لاهاي، سيجلس قضاة من كل العالم، لكن قاضياً واحداً شهد الكارثة على جلدته. ربما يشرح ما هو الفرق بين هذا وبين حرب رهيبة مع حماس في قطاع غزة، يموت فيها أيضاً مواطنون كثيرون. ربما ينصتون له؛ وربما لا.
نداف ايال
يديعوت أحرونوت 11/1/2024