مؤيد الشيباني في «ذاكرة الطين»: دلالات النصّ السياسي والثقافي في أزمنة المنفى العراقي

حجم الخط
0

 

كتب كثيرة تلك التي تناولت النصوص الأدبية العراقية التي اقترنت بالأوضاع السياسية والتحولات الدراماتيكية والتراجيدية التي مر بها بلد مثل العراق، فيه ثروات طبيعية وبشرية وحضارات إنسانية توالت عليه وتواجدت فوق أرضه التاريخية.
لعل أغلب تلك الدراسات والبحوث الفكرية والأدبية التي استغورت عوالم الأدب العراقي، نجدها قد تمثلت الحقب الزمنية التي اتسمت بأزمنة العنف والاستبداد والديكتاتوريات، تلك التي خضعت لهيمنة الحزب الواحد والفكر الواحد والرؤية الواحدة، كحزب البعث مثلاً، الذي حكم العراق خلال مرحلتين، وأدخل العراق في متوالية من الانكسارات والحروب وسلسلة طويلة من الهجرات والمنافي التي لم يكن يعهدها العراقيون في أزمنة سابقة كالعهد الملكي مثلاً وبعض فترات قليلة من الحكم الجمهوري المتقلقل، المليء بالزعزعة والمنازعات والصراع الملحوظ على السلطة.
إذاً كتب كثيرة ظهرت في مراحل مختلفة، تتناول ظاهرة الأدب السياسي، ولكن أبرزها هي الكتب التي أرّخت لمراحل متأخرة من هذا الأدب الذي وسمته الحروب والمنافي وحلول الطاغية محل الإله الراعي والحاكم بأمره، يهب من يشاء الحياة ويحجبها عن الآخر.
تحت أفق هذا المنزع، برزت كتابات للباحث والكاتب سلام عبود وضمنها في أكثر من كتاب، تناول فيها أوضاع ومراحل الأدباء العراقيين الذين انضووا تحت لواء السلطة، مدّاحين وموالين ومصفّقين ومؤرّخين للهباء، وأيضاً تناول المقابل لهم، ممن وقفوا بالضد من ذلك وقالوا «لا البريشتية» (نسبة إلى الشاعر الألماني برتولد بريشت)، قالوا «لا» الكبيرة بوجه الطغاة والقتلة والحكام العنيفين والظالمين لشعوبهم بشتى الطرق الهمجية، وكذلك كتابات فاطمة المحسن وإن نَحَتْ منحى كرنولوجياً، لاجئة لأزمنة إلى حد ما بعيدة، خصوصا في كتابها « تمثلات النهضة في ثقافة العراق « بينما كتابها الأخير الذي يعد استكمالاً للأول اقترب من أزمنة الستينيات وحكم البعث الذي أطاح بحكم عبد الكريم قاسم وراحت من بعده تترسخ المنافي والهجرات الطويلة، متناولة فيه أهم المراحل السوداوية لثقافة العراق في تلك المرحلة الحرجة والدموية من تاريخ العراق .
نجد إلى جانب المحسن التي اتسمت بالنهج البحثي الأدبي السلس وغيرالأكاديمي، كتابات الباحث ابراهيم الحيدري الذي أرسى هو وعبد الله ابراهيم مناهج البحث البنيوي والعلمي ـ الأكاديمي المتسم بالرؤية الفكرية ذات المدلول التنويري الذي أضاء وواصل ما خطه كتاب وباحثون رصينون مثل علي الوردي والآلوسي والدوري وجواد علي في فترات وعقود سابقة.
بين أيدينا الآن كتاب يتناول نصوصاً أدبية، شعرية في الغالب، تسلط الضوء على مرحلة متأخرة من هذه المراحل الأدبية والفكرية والسياسية العراقية، مستهدفة عدداً من الشعراء والأدباء الذين أصبحوا يعيشون تحت ظلال المنافي العربية والأوروبية. الكتاب هو للشاعر الذي اختار المنفى باكراً مؤيد الشيباني، ذلك الشاعر الذي عاش ما بين الكويت في طوره الأول من المنفى الثمانيني، وفي الطور الثاني انتقل إلى الإمارات لتكون مقرّ عمله ومنفاه الطويل.
الكتاب هو « ذاكرة الطين .. قراءة في دلالات النص السياسي والثقافي في العراق». يتناول الشيباني في كتابه الشمولي هذا، فترات متلاحقة من تاريخ العراق الحربي والديكتاتوري وحكم البعث تحت هيمنة الطاغية العراقي، متوخيا في كتابته البحثية الدقة والحصافة، ولكنها من جهة اخرى لا تلتزم نهجاً معيناً، كونها كتابة أدبية ـ ثقافية خاضعة لمنهجها هي، منهج الذاكرة والتحليل الشخصي الموسوم بالثقافي والأدبي والشعري الذي لا يستبطن اســــلوباً أكاديمياً معيناً، أو يخضع لنموذج بحثي علمي بعينه ، سوسيولوجي أو أنثروبولوجي، بل يستنهض كل قوى الذاكرة والحمولة الذاتية الأدبية، ليسترشد بها في مشروعه الثقافي الهام هذا .
من هنا نجد عالم القصيدة والشعر العراقي ومن يمثلون تياراته الشعرية والأدبية والفنية والتجديدية، ورموز حداثته هم الأكثر حضوراً في هذا الكتاب، لكن الكاتب أيضاً لا ينسى أن يشير في غير مناسبة ومكان وزاوية إلى الملحنين والمغنين والمسرحيين والرسامين ـ التشكيليين والموسيقيين الذين صادفهم في حياة الهجرة والمنافي خلال إقامته الطويلة في الخارج، متأسّياً على هذا، ومادحاً آخر، ومناصراً المنهك الذي أضنته مآسي وصروف وعذابات الهجرات الطويلة خارج المنشأ الأول .
يتألف كتاب « ذاكرة الطين « من فصول كثيرة، تأتي بمثابة عتبات للنص المنوي تداوله والإشارة اليه، وغالباً ما تكون من جهة أخرى كمفاتيح تحاول فتح المداخل لسبر أغوار النص الأدبي. كل عنوان يحمل دالته الفنية التي ستدْرُس وتحلل جماليات النص ودرجات براعته وأسلوبه المتوخى في تسطير معاني المنفى العراقي، أو تناول الداخل العراقي وفهمه على انه منفىً من نوع آخر، كما لمسنا ذلك في فصل «حصارات وحضارات» متناولاً فيه تاريخ وحضارة العراق الأولى التي قامت على تربته الحضارات الإنسانية الأولى كحضارة سومر وأكاد وآشور وبابل، مستعيناً بما قدمته تلك الحضارات من عطاءات لا تحصى للشعوب التي تلتها، ولكن بعض هذه الشعوب، ويخص الأجنبية منها، وبالتحديد أمريكا قامت بفرض حصار طويل على الشعب العراقي دام عشر سنوات، راح فيه ضحايا كثيرون، وقضى أطفال لا يحصون تحت شريعة الغاب الأمريكية، تلك الشريعة التي دمّرتْ بلداً كاملاً وجوّعتْ شعباً بحجة امتلاكه سلاحاً كيمياوياً، بينما كان رئيسه يأكل لحوم الغزال، كما صرّح هو مرة بذلك.
ولغرض التوكيد يمكن الإشارة إلى عناوين أخرى، وجلها يتعلق بالعراق ومنافيه ومنفيّيه، ومن هذه العناوين التي حاولت أن تفكك منظومة النص الأدبي العراقي وتلسط الضوء على مبدعه ومكانه، دارسة إياه بنظرتها الإسلوبية ـ الأدبية الخاصة بها، فنستطيع أن نشير إلى نقود وتحليلات هذه الرؤية عبر كتابات «بورتريه الشخص العراقي»و»الحزن عراقي بامتياز» و «قتل المكان» و»الدم طواعية» و»أرى رؤوساً» و»جواز سفر عراقي، أعوذ بالله» و»إنهم يبررون الجريمة» و»شعراء المنافي»، إذ يتناول الشيباني في هذا الفصل الشعراء العراقيين الذين أهدروا سنين طويلة في المنفى، ومن هؤلاء الشعراء الجواهري، بلند الحيدري، مظفر النواب، محمود البريكان، محمد سعيد الصكار، سعدي يوسف، فوزي كريم، علي جعفر العلاق، عبد الكريم كاصد، صلاح نيازي، موفق محمد، عدنان الصايغ، حميد قاسم، يحيى البطاط، عبد الرزاق الربيعي،علي ناصر كنانة، برهان شاوي، خالد المعالي، وكاتب هذه السطور. أما من العرب فيتناول محمود درويش، حليم بركات، فراس السواح، هشام جعيط ، فؤاد زكريا، عبد الله الغذامي، نصر حامد ابو زيد، ومن الأوروبيين شارل بودلير، جيمز سيمونز، مايك اكسورثي، مارك غراهام، فضلا عن الشاعر الداغستاني رسول حمزاتوف، ومن الأكراد العراقيين يشير إلى فؤاد معصوم الرئيس الحالي للعراق، مهباد قرَداغي وغيرها من الأسماء العربية التي ترد في مجال الإسناد للنص المدروس والمسلط عليه ضوء النقد والتشريح أو لغرض الاستشهاد بمقولة ورأي ومصطلح معين، أو ببيت شعري، كما هو الحال مع ديوان الشاعر الكبير محمود درويش «لا تعتذر عما فعلت»، أو كتاب فراس السواح عن «ملحمة كلكامش» أو كتاب «إخوان الصفا» للدكتور فؤاد معصوم ، أو كتاب «كنت طبيباً لصدام» لعلاء بشير، وكذلك هو الأمر مع كتاب»الكتابة والمنفى» للباحث عبد الله ابراهيم و»بريد بغداد» للناقد حاتم الصكر.
كل هذه الأسماء التي وردت جاءت لتدعم النص وتقومه وتضفي عليه المزيد من التحليل والتقويم العلمي المستنير بالرؤيا الأدبية، ليس الشعراء فحسب، بل هناك روائيون وقصاصون قد تناولهم الكتاب وبنى على مروياتهم وسرودهم وحكاياتهم نهجه الواضح الذي لا يذهب بعيداً عن غاية المنفى وما نتج عنه من تكاوين أدبية، فنية وتعبيرية، استرشدت بالسياق الحداثي وبالطرق الرؤيوية لفنه المكتوب في المنفى، فهو يذكر على سبيل المثال في مدوّنته الكتابية هذه، أعمالا لروائيين وقصّاصين من أمثال جمعة اللامي وهو روائي ستيني مشهود له، وعبد الإله عبد القادر وهو قاص قدير، ونعيم قطان وسمية الشيباني وبتول الخضيري.
فهو حين يلجأ إلى بند «بورتريه للشخص العراقي» فإنه سرعان ما يذهب باتجاه الشعراء، فهو يراهم الأكثر دقة في تشخيص الحالة الإنسانية ومعالجة الهم الإنساني، والنصوص التي يتناولها ترمي بدلالاتها صوب المشهد العام للكائن البشري المسحوق والمظلوم تحت ضغط الآلة الفاشية للحاكم، هذا دون أن ينسى وضعية الشاعر والروائي والقاص، ذلك المبدع المنفي الذي يتحدث عبر مسافات بعيدة عن مرتع الطفولة وأمكنة الصبا والشباب في بلاده التي يحكمها العسكر والعسس الليلي والمخبرون. من هناك على مبعدة آلاف الكيلو مترات، نرى كيف يتحدّث سركون بولص الذي يرثي وهو في أمريكا «سينما السندباد» في بغداد التي هُدّمتْ حالياً واصبحتْ جزءاً من الماضي البعيد ايضاً : «هناك طريق، ترصّعها سقوف، قرميدها غسلته الذاكرة / حتى ابيضتْ تحت سماء بلغتْ أوج حرقتها/ حيث كلماتي تريد أن تعلو مثل أدراج، مثل أصوات ترتقي السلم الضائع/ في دفتر الموسيقى الذي مات في السجن نوطة بعد أخرى» .
وحين يرسم الكاتب مؤيد الشيباني بورتريه سركون بولص فإنه يصفه بشيخ الشعراء المنفيين، لطول الفترة التي عاشها في المنفى، والتي ابتدأت منذ نهاية الستينيات، ولكن عينه ظلت على العراق، تراقبه من بعيد كموطن حلم غاب عنه في لحظة ما، ولكنه عبر هذا الحلم فإنه يعود اليه بين برهة وأخرى، بين قصيدة وقصيدة، موقداً نار الحنين في شتائه القاسي، شتاء المنافي البعيدة.
وكذلك هو الحال حين يُعرّج على البياتي، فهو الآخر أكل المنفى كثيراً من سنوات عمره في مطالع حياته الباكرة، رغم الملاحظات العديدة عليه وعلى مساره الشخصي، لكنه يبقى البياتي، أول من لجأ إلى المنفى وهو لم يزل شاعراً شاباً، لاجئاً إلى موسكو ومصر وعمّان ودمشق، لتكون الأخيرة مثواه الأخير .
يختار الشياني للبياتي قصيدة شعرية تذكر باحتلال الإسكندر المكدوني للعراق وكيف حفر اسمه، أي الإسكندر على أكثر من معلم ومدينة وبلدة، وقد اقتربت من الثلاثمئة في بلاد ما بين النهرين، حسب ما يورده المؤلف الشيباني، لهذا تأتي القصيدة كصورة دامغة تدين المحتل الذي كانت مقبرته العراق : «كاذبة كتب التاريخ، ما كان الإسكندر تلميذاً لأرسطو / ما كان سوى جلاد، يغزو من أجل الغزو / ليشفي علته / بدماء جنود الفقراء» .
يغص كتاب «ذاكرة الطين» للشاعر والكاتب مؤيد الشيباني بأسماء ونصوص واستشهادات ومراجع عديدة وكثيرة، عزّزتْ من متن هذا الكتاب ودعمتْ هوامشه ايضاً، ليكون كتاباً جامعاً وشاملاً، ملقياً نظرة فاحصة ودقيقة ومتأنية على نصوص مبدعين عراقيين حملوا ذاكرة العراق الطينية فوق أكتافهم، حيثما حلوا في منافي العالم.
ذاكرة الطين : مؤيد الشيباني
إصدار : المؤسسة العربية للدراسات والنشر
عدد الصفحات : 345

هاشم شفيق

اشترك في قائمتنا البريدية