ألفونس دينيه… عاشق بلاد الشمس

يعد الباحث والأكاديمي الجزائري الطيب بودربالة، من الدارسين القلائل الذين تفرغوا للاهتمام بالدراسات المقارنة بحثا وتدريسا وتأليفا، ويملك في رصيده تجربة متميزة، لاسيما وقد نهل من منابع الأدب المقارن، عندما كان باحثا في جامعة السوربون، التي حصل فيها على دكتوراه دولة في الآداب والعلوم الإنسانية، ليمارس التدريس في جامعة باتنة شرق الجزائر منذ أربعين عاما.
كتب الطيب بودربالة دراسات عديدة نذكر منها: كتاب: Identité et altérité dans l’écriture algérienne et arabe، وكتاب عن شخصية ألفونس إتيان دينيه الرسام الفرنسي، الذي أصبح يعرف بعد اعتناقه للإسلام بنصر الدين دينيه. كما نشر في مجلة «الأدب المقارن» الفرنسية التي – تصدر منذ أكثر من ثمانية عقود – في عددها 383 لشهري يوليو/تموز وسبتمبر/أيلول 2022، مقالا بعنوان: الأدب المقارن في الجزائر، فحص فيه تجربة الأدب المقارن في المؤسسات العلمية الجزائرية المختلفة.
وسنحاول في هذه الورقة عرض بعض القضايا التي وردت في كتاب الطيب بودربالة الموسوم بـ»ألفونس إتيان دينيه» الصادر ضمن سلسلة 100 كتاب وكتاب، التي أشرف عليها معهد العالم العربي 2019…
يفتتح الباحث كتابه هذا بمقدمة يتحدث فيها عن السياق التاريخي والحضاري الذي نشأ فيه إتيان دينيه، وكيف أنه عاش بين قرنين، وعاصر التحولات الكبرى التي غيرت مجرى التاريخ الإنساني، وهو يمثل خير شاهد على هذا العصر الإمبراطوري الذي مكن أوروبا من بسط نفوذها وإحكام سيطرتها الثقافية والاقتصادية على العالم.
ليعرج بعد ذلك إلى الحديث عن الفترة التاريخية التي تلقى فيه دينيه تكوينه العلمي، فقد حدث أن تكوّن في «مرحلة حاسمة من تاريخ فرنسا مرحلة القطائع الإبستمولوجية والسياسية الكبرى؛ إذ بعد ما يقرب من قرن من الثورة الفرنسية تهاوت السلطة الملكية، وانحصر النفوذ الكنسي لتعبث إرهاصات وقيم الثورة الفرنسية من جديد، مع الجمهورية الفتية التي سعت إلى رسم طوباويات جديدة». وكما هو شائع فقد عشق دينيه الصحراء الجزائرية، وبالضبط منطقة «بوسعادة» وهي مدينة تاريخية وحضارية، عاش فيها وبقي وفيا لها ودفن فيها حسب وصيته، ويبدو أنه تأثر كغيره من… الرسامين والشعراء والأدباء من مختلف بلدان العالم الذين هرعوا إلى الصحراء المترامية الأطراف لمعايشة مغامرة روحية ووجودية وإنسانية فريدة من نوعها، بحثا عن روحانية الشرق، وعن حياة البراءة والفطرة، وعن منابع الإلهام الجارفة، وعن سراب الحقيقة وحلم المطلق.
وتعد شخصية سليمان بن إبراهيم وهو أحد أبناء بوسعادة الأكثر تأثيرا في حياة ألفونس دينيه وسببا حاسما في بقائه في هذه المنطقة وتعلقه بها وصولا إلى حد الدخول في الدين الإسلامي. ليصير اسمه نصر الدين دينيه، فهو من أعز أصدقاء سليمان بن إبراهيم وأقربهم إلى قلبه، خاصة وقد لعب دورا مباشرا في التعريف بكنوز الثقافة الجزائرية. لتصل العلاقة بينهما إلى غاية تأليف مشترك لكتاب بعنوان «محمد رسول الله» صلى الله عليه وسلم الصادر عام 1918.
توفي نصر الدين دينيه يوم 23 ديسمبر/كانون الأول 1929، ودفن في مدينة بوسعادة نزولا عند وصيته في 12 يناير/كانون الثاني 1930. أما مكانة دينيه الفنية، فيرى الطيب بودربالة أن «ما يميز فن دينيه هو طاقته التعبيرية وقدرته الفائقة على ترجمة الأحاسيس والمشاعر والوجدان، وعلى رسم ملامح الوجه ومكونات الجسم بتفاصيلها وجزئياتها ودقائقها، بعيدا عن الزخرفة والتنميق. إن لوحاته لا توحي بتمثيلات جامدة ومحنطة للواقع من منطلق المحاكاة والمطابقة، لكنها تحيل على تدفق الحياة وانفجارها وعلى حضور قوي للرسام، من خلال تأطيره و»مسرحته» لكل مكونات المشهد داخل «بوتقة» الإبداع وتحكمه في تناغم الألوان والأضواء والأشكال». يبين هذا القول القيمة الفنية الكبيرة التي يتصف بها إتيان دينيه، حيث يبرز الطيب بودربالة بحس نقدي ثاقب هذه القيمة، معبرا عن العلاقة الوطيدة التي تربط بين الحياة ونبضها، وإعادة تشكيلها جماليا من قبل هذا الرسام الماهر والعارف بتفاصيلها، محققا بذلك نمطا فنيا بعيدا عن منهجية الفن الحديث، لدرجة أنه لم يحفل ببيكاسو، ولا بماتيس، ولا بيكاي، ولا سيبراك، ولا بكادينسي؛ لأنه كان ينظر إلى عوالم أخرى وآفاق لم تخطر ربما على بالهم.
ولا يغفل الطيب بودربالة حديثه عن علاقة إتيان دينيه بتيار الاستشراق، وتبين مراحل تأثره به، حيث بدأ دينيه حياته مستشرقا، ليشارك مع صديقه بنيديت في تأسيس «جمعية الرسامين المستشرقين الفرنسيين». وقد نظم أول معرض لهذه الجمعية سنة 1893 في باريس، بحضور دينيه، وكل من شاسيريو وبول لوروي، وهما من كبار المستشرقين، لكنه بعد اكتشافه للصحراء وذوبانه في المجتمع الجزائري واستقراره في مدينة بوسعادة، اكتشف أن الاستشراق بمفهومه التقليدي وبممارسته الأيديولوجية يتعارض كليّة مع مشروعه الإبداعي. يظهر أن البيئة الصحراوية التي عاش فيها دينيه، ساهمت في تغيير موقفه من التعامل مع موضوع الشرق بعقلية تقليدية وبرؤية أيديولوجيّة متحيّزة، الأمر الذي خلق عنده منظورا إبداعيا جديدا ومختلفا عن السائد، يتكئ فيه على خبرته اليومية، ورؤيته للعالم انطلاقا من الحياة التي عاشها داخل المجتمع الجزائري في شكله الصحراوي.
ويستنتج الطيب بودربالة أن إتيان دينيه قد تخفف قدر الإمكان من مؤسسة الاستشراق الفرنسي، الذي يعد وجها خطابيا وتمثيليا للحركة الاستعمارية، ولهذا فقد سعى دينيه بكل الوسائل ـ حسب الطيب بودربالة – إلى تحقيق نقلة نوعية تجتثه من مخالب السلطة الاستشراقية التقليدية، وتمكنه من تحسس طريقه بكل استقلالية. وقد استطاع دينيه الاضطلاع بمهمة إنجاز مسح ثقافي إثنوغرافي أنثروبولوجي وحضاري، لأنه كان يؤمن في نفسه إيمانا قاطعا بأن هذه الإنسانية الأصلية مهددة بالزوال، وأنه يجب الإسراع في إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان؛ لأن زحف الغرب الاستعماري يهدد باجتثاث الجذور واقتلاع الأصول وكل مقومات الشخصية الجزائرية الأصيلة.
إن قارئ كتاب الطيب بودربالة عن ألفونس إتيان دينيه يقف عند حدود المهمة الجليلة التي تصدى لها الباحث في إخراج شخصية عالمية والتعريف بها، خاصة للقراء باللغة العربية، فدينيه وجد في الصحراء الجزائرية فضاء رحبا نابضا بالحياة ومحفزا على الرسم والتعبير الفني والكتابة الأدبيّة، بعيدا عن الأطروحة الكولونيالية التي سعت دائما إلى جعل الصحراء مكانا خاملا يحيل على نهاية الحياة. وانعدامها في أحسن الأحوال. كما يظهر أن هذه الشخصية المؤثرة في تاريخ الفن الإنساني لم تنخرط في نظام المؤسسة الاستعمارية وتمكنت ببصيرة ثاقبة من التخلص من سلطة الهيمنة الكولونيالية التي جسدتها مؤسسة الاستشراق الفرنسي، ما جعل أعمالها الفنية تصنف ضمن الإبداع الإنساني المقاوم.

كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية