وحدة الأضداد المستحيلة

حجم الخط
0

 

حاول أن يكون سيمفونية الأضداد الفلسطينية فكان الضحية ـ والدليل. كان يحلم بأن يكون العلاقة بين عصف البحر ووشوشة الدم. بين سيمفونية حالمة تحتسيها أذنه في قاعة «ألبيرت هول» وشهقة خطر أطلقها في المخيم.
حاول أن يثبت المعادلة المستحيلة:
أنت تمشي في حقل ألغام ـ أنت تمشي في حقل بنفسج.. بوسعك أن تقطف من الحقلين. لا بل من واجبك: أن تحيا الحياة. كان يسعى إلى مزج البارود بالثلج في كأس من الكونياك. ويحلم بأن يحتسي السكينة من محبرة الدماء العاصفة. أن يلج حقل ألغام ثم يلتمس زهوراً يقطفها لابنتيه رندة وكندة!
كانت يحلم بأن يعيش كأي مواطن سوي.. وهو الفلسطيني! أن يشهر البندقية في العرقوب، والكلمة في هايد بارك، وعند المساء يرشف الشاي أمام شاشة التلفزيون، يده في يد زوجته، ورندة وكندة في حجره.
هل يحق لنا أن نشم الهواء دون مرافقين ولا مسلحين؟ هل يحق لنا نحن الفلسطينيين بالهوية النضالية أن نتجول في الشوارع ضجراً أو فضولاً مثل أي «مواطن»؟ أن نقتعد كرسياً في مقهى على الرصيف، نسترخي بكسل تحت شعشعة الشمس ونفكر، ولو للحظة استثنائية، برحماننوف ونحن نحتسي القهوة دون أن نتزود بما يثقلنا من دروع واقية مضادة للرصاص؟
هل يتفضل علينا هذا الزمن السعيد فيمنحنا شرف نسيان الخطر بين اللهاث واللهاث؟
أكلما وقفنا نلتقط نفساً واحداً بين اللهاث واللهاث باغتتنا رصاصة؟
لو عاد عبد الوهاب إلى الحياة وبُعث من جديد لقال نعم وعاود تجربته المستحيلة.
أبو السعيد.. عبد الوهاب.. كان متواضعاً حتى الشهادة، طموحاً حتى اللاشرعية.
قال لي مرة بعد أن عاتبته على عدم تحوطه:
ـ لستُ مناضلاً محترفاً، ولا أفهم النضال «رهبنة». صحيح أنني ثائر، لكنني أحب سماع بيتهوفن، ولعب التنس والسباحة وتناول كأس من الكونياك في حانة راقية، وارتداء قميص نظيف.
قلت:
ـ بين الرصاصة والرصاصة!
قال متضاحكاً:
ـ أنت قلق حذر حد الإفراط.
قلت:
ـ البحر من ورائنا يا دكتور.
أرسل ضحكة مجلجلة وقال بمرح:
ـ إذأً نقاتل قليلاً ونسبح قليلاً.. السباحة متعة كما القتال واجب.
كان بين الحين والحين يذكّرني مطمئناً بأنه استبدل القلم بحربة بندقية.
لكنه حين سقط لم ينزف حبراً.
أو أن التراجع فات. وطأت قدمه محراب حقل الألغام المزهرة المقدس.. وأغصان البحر اللجي من ورائه تمتد نحوه تغويه.
قال لي بعدما استشهد ماجد بلهجة المعاتب المتفجع:
ـ كيف ينزل فندقاً؟ كيف يسافر بلا حرس؟ وكيف.. إنها الثقافة تغوينا. نتذكر أننا كتّاب وننسى أننا محشوون بالخطر ومقاتلون.
سألته:
ـ وماذا عنك؟
قال، وقد تجلل وجهه بابتسامته االبريئة المتفائلة المعروفة:
ـ ما عدت قائداً.. أنا الآن: المؤرخ الفلسطيني.
وكأنما تذكر أبو السعيد في تلك اللحظة تاريخ جلده ليهرب منه ومن جلاده متناسياً حاضره ومستقبله فهرب إليه وصادرته ذاكرة الوطن. صادره حاضر فلسطين.. لا بل مستقبلها.
كيف نصوغ معادلة تسمح لنا أن نحيا حياة «طبيعية» سوية، وأن نظل فلسطينيين في آن؟ تلك هي المسألة، كان يقول أبو السعيد.
وكيف نؤلف بين الفعل والتأمل؟ بين ركوب البحار الصاخبة الذاهبة نحو الوطن.. وبين الساقية الآمنة الهادئة التي تعدنا بعالم ساكن من الوهم؟
تسكن في مدينة السكينة، فيسكنك الصخب مواطناً أول.
حدثني ونحن نتمشى في شوارع لندن الضبابية عن مشاريعه المستقبلية وفي عينيه يتقد تفاؤل جموح، ثم توقف فجأة وشردت عيناه بعيداً. قال بعد أن جللت الكآبة وجهه وخمد البريق:
ـ لماذا يتسع هذا الوطن الكبير لملايين الشهداء ويضيق بأحلامنا الصغيرة؟
ولما أنس منّي صمتاً موحشاً قال يتكلف المرح مرّة أخرى:
ـ إذا ضاق علينا الكون.. أبحرنا في اتساع الجرح.. أنا متفائل.
مضى ضحية فرضية وحدة الأضداد، دمه بوصلة وجسده دليل وشراع:
«أن تقاتل.. وتشم الهواء.. وتلعب التنس.. وتخطب في الفاكهاني.. وتحتسي الكونياك في «الدولشستر».. وتؤلف موسوعة سياسية.. وتسمع بيتهوفن في «ألبيرت هول».. كيف؟ وأنت الفلسطيني!».
لكنه حاول.. وذهب ضحية المحاولة. حاول أن يكسر قوالب المعادلة. أن يحطم البدهي. أن يهزأ بالمتداول وتحصيل الحاصل. أن يصوغ معادلة وحدة أضداد مستحيلة.. فكان ريادياً استثنائياً دائماً.
لن يحتسي أبو السعيد بعد اليوم كأساً من الكونياك في فندق «الدولشستر». ولن يحضر اجتماعاً في الفاكهاني. ولن يزور معرض الكتاب العربي في السنة المقبلة. ولن يكتب الجزء الثاني من تاريخ فلسطين الحديث.. فقد صادر حاضرُها أصابعه.
لكن هذه الموسوعة الفلسطينية الملحمية سوف تكون دليلاً قاطعاً واستثنائياً في مختبر ثورة، شهداؤها أحياء وأحياؤها شهداء.

في فصلية «الكرمل»، العدد 5، تموز (يوليو) 1982. والنصّ رثاء للمؤرخ والمناضل الفلسطيني الشهيد عبد الوهاب الكيالي (1939ـ1981).

هاملت عربي

منذ أعماله الناضجة الأولى، ثلاثيته «أحياء في البحر الميت» و»اعترافات كاتم صوت» و»متاهة الأعراب في ناطحات السراب»، بدا الروائي الأردني الراحل مؤنس الرزاز (1951ـ2002) صاحب مشروع مستقلّ، في أساليب السرد والموضوعات واللغة، فضلاً عن بصمة خاصة تمثلت في إقامة المفارقات (الاجتماعية والنفسية والتاريخية والسياسية والرمزية…) على ركيزة التهكم والسخرية والهزء. سنوات قصيرة، نسبياً ـ بين 1976، حين صدرت مجموعته القصصية الأولى «البحر من ورائكم»؛ وسنة 2000، حين نشر روايته الأخيرة «ليلة عسل» ـ أعطت حصيلة مؤلفات مميزة: ثلاث مجموعات قصصية، و11 رواية، وطائفة من المقالات والخواطر والحوارات. صحيح أنّ الرزاز حاور، على نحو غير مباشر في الواقع، رواية تيسير سبول «أنت منذ اليوم»؛ إلا أنّ مشروعه الروائي ظلّ نسيجا وحده، بمنأى عن غالب هلسا، وعن سبول نفسه (إذا وضع المرء عبد الرحمن منيف خارج السياق الأردني)، بل يصحّ القول إنّ الرزاز هو الذي تولى تمثيل الرواية الأردنية المعاصرة داخل المشهد الروائي العربي.
رأيه، مع ذلك، كان مختلفاً، قياساً على ما قاله، في حوار مع جريس السماوي: «أنا أعتقد بوجود رواية إنسانية، ثم إذا أردنا أن نقسّم ونجزيء أقول هناك رواية عربية. ثم إذا أردنا أن نقسّم أكثر أقول هناك رواية لها نكهة بلاد الشام، وإذا أردنا أن نقسّم أكثر فعند ذلك اقول هناك رواية البادية أو الريف أو المدينة، وبالتالي كما ترى نحن لا نتكلم عن أقطار وإنما عن بيئة لها علاقة بنمط الإنتاج والذهنية السائدة سواء أكانت رعوية أم مدنية». غير أن ثمة تلك السمة الخصوصية التي طبعت نتاج الرزاز، في مجمله تقريباً: تصوير الاستبداد العربي، ومحاسن شخصية المناضل السياسي العربي ومساوئه (وفي هذا اعتمد كثيراً على عناصر من سيرته الذاتية، وحكاية أبيه منيف الرزاز الذي كان أحد مؤسسي حزب البعث، وعاد في كفن من منفاه العراقي إلى بلده الأردن)، وحال التبادل بين شخصيتَيْ الجلاد والضحية.
وعن السخرية في أدبه، يقول الرزاز في الحوار ذاته: «السخرية السوداء سلاح لمواجهة القهر ولمواجهة الشعور بأن هناك قوى كبرى وهائلة منظمة تستفرد الإنسان وتحاول أن تعامله كحشرة صغيرة تدوسه بقدمها الضخمة جداً وبسطارها الضخم. هنا لا يكون لدى الإنسان الفرد سلاح لمواجهة هذه القوى العاتية سوى السخرية السوداء، وكأنّ الإنسان يقول لهذه القوى إنني لا آخذك على محمل الجد».
الأمر الذي لم يمنع الرزاز من أخذ الحياة على محمل الجد، فكان أحد المساهمين في تأسيس «رابطة الكتّاب الأردنيين»، كجسم نقابي ومهني وثقافي مستقلّ عن السلطة، وانتُخب رئيساً للرابطة سنة 1994؛ وقبلها بعام واحد كان قد انتُخب أميناً عاماً لـ»الحزب العربي الديمقراطي» الذي تأسس في الأردن ضمن أجواء الانفراج السياسي لعام 1989؛ وعمل مستشاراً في وزارة الثقافة الأردنية، كما تراس تحرير مجلة «أفكار».
ورحل، في سنّ مبكرة، حاملاً ـ بجدارة عالية، ربما ـ صفة «هاملت عربي»!

نصّ: مؤنس الرزاز

اشترك في قائمتنا البريدية