مكافحة الإرهاب والجرائم العابرة للحدود تحديات تواجه الأمم المتحدة في مؤتمرها للعدالة الجنائية في الدوحة

حجم الخط
0

الدوحة – «القدس العربي»: مكافحة الإرهاب وسبل تجفيف منابعه وحشد الدعم الدولي لتضييق الخناق على المنظمات الإجرامية ووقف أشكال العنف ضد الأطفال والتمييز ضد النساء ومنع الجريمة وتحقيق العدالة الجنائية، كانت أهم المحاور التي حاول خبراء الأمم المتحدة والمنظمات الدولية مناقشتها بشكل عملي في مؤتمرها الثالث عشر الذي احتضتنه الدوحة على مدى عشرة أيام. وسعى الحاضرون إلى ترجمة الأهداف إلى استراتيجية عملية قائمة بذاتها للسنوات الخمس المقبلة حتى لا تظل مجرد خطط وهمية نظرية بعيدة المنال. وحاول المشاركون الـ 15 ألفا ومن بينهم 110 وزراء خارجية وداخلية وعدل، ونواب عموم يمثلون 140 دولة من مختلف قارات العالم التفاهم حول خطة شاملة للقضاء على أشكال الجريمة بمختلف أبعادها ومحاربة مستوياتها ومن يسيرها أو يدعمها.

ثنائية الجريمة والإرهاب

وصبت مداخلات العديد من المسؤولين الذين تحدثت معهم «القدس العربي» على هامش جلسات المؤتمر في خانة واحدة وهي «إن المنظمات الإرهابية تجمع الأموال من مجموعة متنوعة من المصادر، ومعظمها غير مشروعة، بما في ذلك الأنشطة الإجرامية مثل الاتجار غير المشروع بالمخدرات والأسلحة والممتلكات الثقافية والموارد الطبيعية». وسجلت المنظمات الدولية أنه على «مدى العقد الماضي، شهد العالم تعزيز وزيادة تعقيد الروابط بين الشبكات الإجرامية المنظمة والإرهابيين في العديد من مناطق العالم». في أفغانستان مثلما أشارت دراسة حديثة، «قد يجلب فرض الضرائب على أباطرة المخدرات أكثر من مئتي مليون دولار لحركة طالبان سنويا، وفي غرب أفريقيا، ومنطقة الساحل، يقدم المتطرفون الذين يمارسون العنف والجماعات الإجرامية المتورطة في تهريب المخدرات والقرصنة في خليج غينيا دليلا آخر على العلاقة المتنامية بين الجريمة المنظمة العابرة للحدود والإرهاب. ومن ثم بوكو حرام في نيجيريا منخرطة بشكل مباشر، أو من خلال فرض الضرائب، في الاتجار غير المشروع بالمخدرات والموارد الطبيعية». في شرق أفريقيا، تؤكد الدراسة أن «حركة الشباب تكسب الملايين من تجارة الفحم غير المشروعة. فيما يعتقد أن جبهة النصرة وتنظيم الدولة يسهلان تهريب السلائف الكيميائية لإنتاج كبتاجون، فضلا عن تهريب الآثار». واعتبر المدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة في حديث مع «القدس العربي» انه «يجب إعطاء أولوية واضحة لتعطيل التهديدات الإرهابية إلى أقصى حد ممكن من خلال معالجة قوية للأساليب المختلفة المستخدمة لتمويلها والبدء في وضع الأطر القانونية الوطنية اللازمة لتجريم تمويل الإرهاب وتعزيز الأطر التنظيمية للبنوك والمؤسسات المالية الأخرى، لتكون قادرة على تحديد ومنع تمويل الإرهاب، وتكون قادرة على الكشف على نحو فعال والتحقيق في ومقاضاة الجرائم المتعلقة بتمويل الإرهاب، بما في ذلك تجميد الأصول». ويعتبر فيدوتوف «إن المجرمين هم الحلقة الضعيفة نظرا لاحتمالات كشفهم فيما الجماعات الإرهابية غالبا ما تهرب المال عبر البلدان التي تعاني قوانينها لمكافحة تمويل الإرهاب من الفقر وقلة الخبرة، ولهذا فإن التعاون الدولي بالغ الأهمية في هذه المناطق كأهمية التصديق وتنفيذ اتفاقيات مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود والفساد. وكشف الطيب لوح وزير العدل الجزائري في تصريح لـ»القدس العربي» أن بلاده تعمل حاليا مع الأمم المتحدة لتنظيم مؤتمر دولي حول الإرهاب وعلاقته المتعدية بشبكات التهريب التي تعد مصدر دخله الرئيس. وأضاف أن الجزائر تعاني من هذا التعاون بين الطرفين مما وسع من نشاطهما وهو ما يتطلب تعاونا محكما بين أكثر من دولة وجهة مسؤولة لتجفيف منابعه وتضييق الخناق على هذه الشبكات المتعددة.

النفط مصدر تمويل تنظيم الدولة

واعتبر عقيل كريم خزعل نائب وزير الداخلية العراقي في تطرقه للأخطار الإرهابية التي تواجهها بلاده وخاصة تنظيم الدولة أن الأخير يتحصل على أموال طائلة من تهريب النفط والاتجار بالمخدرات والآثار والسيطرة على الموارد والخطف والابتزاز وفرض الأتاوات وغيرها. وطالب خزعل بتفعيل كافة قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة المتعلقة بمكافحة الإرهاب وتمويله وتجنيد الإرهابيين وحث قوات التحالف على توجيه ضربات حاسمة لتنظيم الدولة والتأكيد على الدول بعدم التعامل مع الإرهابيين أو شراء النفط والآثار المسروقة منهم ومحاسبة المتورطين في ذلك.
وطالب خزعل بسرعة إدراج الممولين والمتعاملين مع هذه المنظمات الإرهابية على قوائم العقوبات الدولية وإيجاد إطار عمل موحد ومشترك بين الدول في مجالات تبادل المعلومات وتفعيل الأنظمة والقوانين الدولية ذات الصلة. أما وزير العدل اللبناني أشرف ريفي فقد اعتبر أن ظاهرة الإرهاب ليست جديدة حيث تطرقت نحو أربع عشرة اتفاقية دولية لمسائل مكافحة الإرهاب، غير أن التحدي الكبير يتمثل في تطور الإرهاب حجما ونوعا ومن ناحية القدرات لأن تمويل الإرهاب بات يعتمد على طيف واسع من أخطر الجرائم مثل التهريب والاتجار بالبشر وتجارة المخدرات وتبييض الأموال وتجارة الآثار المسروقة ونهب الثروات الوطنية مثل بيع النفط والغاز في المناطق التي يسيطر عليها الإرهابيون كما هو الحال في العراق.
ودعا ريفي بالخصوص لضرورة التصدي لاختراق الجماعات الإرهابية للأنظمة المصرفية العالمية والنظم المصرفية في الدول واستغلالها لتحويل الأموال ودعا المجتمع الدولي إلى شمول صفة الإرهاب الأنظمة القمعية التي تمارس الإرهاب على مواطنيها.

خطاب مضاد لأيديولوجيا التطرف

حديث الخبراء عن سبل معالجة كافة أشكال الإجرام أدت إلى فتح نقاش جاد حول الاهتمام بتطوير خطاب مضاد لما يحاول المتطرفون ترويجه لكسب التأييد وتجنيد أعضاء جدد. واعتبر باتريك فوكس، المسؤول السابق في نظام السجون في بريطانيا والمستشار لمؤسسة الأمم المتحدة لأبحاث العدالة والجريمة أنه من الحيوي تطوير خطاب ذي مصداقية ضد الإرهاب لأن المتطرفين كانوا متقدمين إلى حد كبير في خطابهم، وأكد أن هذا الخطاب يجب أن يتغير من دولة لأخرى ليعكس القيم والمخاوف، وآراء رجال الدين الذين قال إنهم يقومون بدور مهم للغاية في هذا المجال كي يدحضوا حجج المتطرفين وما يروجون له. وركز الخبير على مفاهيم إعادة التأهيل، وتقييم المخاطر، والتدريب الملائم لضباط السجون، وتطوير قاعدة بيانات، ومشاركة القادة الدينيين والعاملين في المجال النفسي وضمان مشاركة المعلومات بين سلطة السجون وقوات تنفيذ القانون والمحاكم، فكل هذه الأطراف يجب أن تعمل معا».

تشديد على احترام
معايير حقوق الإنسان

قضية مكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه والتضييق على الشبكات الإجرامية فتحت نقاشا واسعا على ضرورة احترام أفراد المجتمع الدولي للحقوق الأساسية للإنسان وعدم تجاوزها بذرائع عدة ودوافع تتعلق بالإرهاب التي استخدمتها العديد من الدول في العالم الثالث، وحتى كانت مسوغا لبعض الحكومات الغربية على غرار الولايات المتحدة وتاريخها فيما يتعلق بمعتقل غوانتنامو السيء السمعة وتجاوز المحددات المتعلقة بحقوق الأفراد. وأكد عدد من الخبراء في وكالات الأمم المتحدة المتخصصة على الدور الهام الذي تضطلع به قوات الشرطة في حفظ الأمن والأفراد والمجتمع والممتلكات ومنع الجريمة، لكنهم شددوا في المقابل على العلاقة الوثيقة بين حقوق الإنسان والشرطة وضرورة أن يعمل رجال الأمن وفق المعايير والمبادئ الدولية من حيث كيفية استخدام القوة بشكل مشروع وقانوني.
وطالب المتحدثون في الجلسة التي عقدت بعنوان «إصلاح الشرطة ومبادئ استخدام القوة» بتطبيق آليات المساءلة في كل من يتجاوز هذه المعايير وينتهك حقوق الإنسان باستخدام القوة والسلاح بطرق غير مشروعة، ودعوا دول العالم إلى التعاون في هذا المجال على المستوى الوطني والدولي وتأكيد التزامها ومسؤوليتها بتطبيق حقوق الإنسان. وتطرق المتحدثون إلى المعايير الدولية التي يطبقها مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة فيما يتصل بضمان هذه الحقوق والوفاء بها ودور الشرطة إزاء هذه القضية. وأكد الخبراء أن هذه الحقوق أساسية ولا تتجزأ وتشمل الاستقلالية والحق في الحياة ومنع التعذيب والحريات الأساسية وغيرها من الحقوق.

تعسف رجال الأمن

واستعرض المتحدثون بعض الحالات التي يستخدم فيها السلاح ولكن بشروط منها أن لا تؤدي أي محاولات لحفظ الأمن أو إنقاذ أشخاص إلى فقدان أرواح أخرى بريئة. وأشاروا إلى أن الشرطة تعمل وفق آليات مضمنة في الدساتير الوطنية والدولية مما يتعين على الأفراد والمجتمع الإلمام الكامل بهذه النصوص والآليات المسؤول عنها في الأساس الحكومات والجهات التي قامت بوضعها. وأشار المتحدثون إلى وجود حالات مزعجة تستخدم فيها الشرطة القوة المفرطة لتفريق المظاهرات والحشود والاحتجاجات السلمية وتنتهك فيها حقوق الإنسان الأساسية. وشددوا في هذا الصدد على ضرورة إلمام قوة الشرطة بكيفية التعامل مع هذه الاحتجاجات السلمية وذلك بتدريبها وتأهيلها.
وتطرق الخبراء والمختصون في هذه الجلسة إلى التحديات التي تواجه تطبيق معايير حقوق الإنسان والشرطة ذاتها وبخاصة في حالات الحروب والنزاعات المسلحة واستخدام الأسلحة الأوتوماتيكية دون أن يتحكم الإنسان فيها ما يؤدي إلى فقدان أشخاص مدنيين لا علاقة لهم بالنزاعات.
كما تحدثوا عن موضوع العدالة الجنائية وتطوير معاييرها وحماية المرأة والطفل وإصلاح الشرطة وتوعيتها وتثقيفها بالسياسات والقوانين الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان والتقنيات الحديثة بما يضمن تطبيق استراتيجيات وخطط شاملة وفعالة لتقويض الجريمة بكافة أنواعها ومحاربة الفساد، بالإضافة لدعم مساعي الإصلاح.

أطفال ضحايا العنف

كشفت دراسة حديثة أعدتها الأمم المتحدة أعلن عن بعض تفاصيلها في مؤتمر الأمم المتحدة أنه تم خلال سنة 2013 تسجيل 36 ألف حالة عنف ضد أطفال دون سن 15 سنة. واعتبر خبراء ومختصون دوليون أن العنف ضد الأطفال – في مجال منع الجريمة والعدالة الجنائية – لا يمكن تبريره، وأنه يتعين على الدول حماية الأطفال، بمن فيهم المخالفون للقانون، من جميع أشكال العنف وانتهاكات حقوق الإنسان.
وشدد هؤلاء المتحدثون على ضرورة القضاء على فرص الإفلات من العقاب، وتوفير المساعدة للضحايا الأطفال حتى لا تتكرر الانتهاكات والإيذاء بحقهم، ووجوب معاملة الأطفال المحتكين بنظام العدالة – بوصفهم ضحايا أو شهودا أو مجرمين مزعومين أو مدانين – معاملة تحترم حقوقهم وكرامتهم، وتراعي احتياجاتهم.
وطالبت الأميرة باجراكيتي ماهيدول ممثلة مملكة تايلاند في مكتب الأمم المتحدة بجنيف خلال لقاء لها بـ»القدس العربي» باتخاذ إجراءات صارمة وسريعة بحق مرتكبي العنف ضد الأطفال، أيا كان نوعه، الذي وصفته انه غير مبرر وغير إنساني، خاصة أن الأطفال هم الشريحة الأكثر هشاشة في المجتمع. وشددت على ضرورة حماية حقوق الأطفال والمحافظة على سلامتهم من أجل السلم، وبناء مجتمعات مستدامة قائمة على سيادة القانون على المستويين الوطني والدولي، وعلى الإلتزام بتعزيز حقوق الإنسان والطفل وسيادة القانون. وكشفت الأميرة التي تقود جهودا دولية لحماية الأحداث عن بعض المبادرات التي تبنتها مؤسسات تابعة للأمم المتحدة تعمل على إحقاق العدالة ودعم حقوق الإنسان لحماية حقوق الأطفال، ومعالجة العنف ضدهم. وأكدت أن المطلوب من جميع الدول الإلتزام بتطبيق اتفاقية حقوق الطفل، التي احتفل العالم مؤخرا بذكراها الخامسة والعشرين، والعمل على بناء عالم أفضل وأكثر أمنا للأطفال.

تحديات تنفيذ إعلان الدوحة

ويعتبر المشاركون في مؤتمر الدوحة أن الفترة المقبلة لن تكون أولويتها كتابة المزيد من النصوص والديباجات وإنما لوضع ما تم إقراره حيز التنفيذ وتفعيل التوصيات على أرض الواقع لتضييق الخناق على الجرائم العابرة للحدود والتي يزداد مرتكبوها مهارة بتطور الوسائل التكنولوجية المستخدمة فيها. ويؤكد المسؤولون أن الدوحة بعد نجاحها في تنظيم هذا المؤتمر ستكون نقطة انطلاق نحو المستقبل في شكل قرارات واستراتيجيات وطنية تساهم في منع الجريمة وتحقيق العدالة الجنائية. ويأتي هذا الدور انطلاقا من جلسات المؤتمر التي تمحورت حول تحقيق الترابط بين حقوق الإنسان وسيادة القانون والتنمية المستدامة، كما أنها فرصة لإبراز أهمية البناء وتبادل الخبرات والتجارب والاستفادة من نجاح الآخرين. وأكد عدد من الخبراء المشاركين في مؤتمر الأمم المتحدة الثالث عشر لمنع الجريمة وتحقيق العدالة الجنائية أنه لا تزال هناك عقبات عدة تحول دون التطبيق الميسر لمخرجات المؤتمر في ظل وجود إعلان الدوحة الذي وصفوه بالشامل لموضوعات مهمة كثيرة، أبرزها تعزيز سيادة القانون ومكافحة الجرائم المنظمة مثل غسيل الأموال وتجارة البشر. ويعكف المسؤولون من مختلف مكاتب الأمم المتحدة إلى جانب سكرتارية المؤتمر على تحديد آليات تنفيذ إعلان الدوحة على أرض الواقع وترجمة كافة النقاط التي تم التوافق عليها والتي تعتبر بمثابة أرضية صلبة لمحاربة الجريمة ومكافحة مختلف صيغها.

سليمان حاج إبراهيم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية