هل صارت يوميات وائل الدحدوح شريطا من المآسي المتلاحقة؟ ما أن يكاد يودّع واحدة، حتى تظهر أخرى أكثر مرارة وإيلاما!
إنه لم يعد مجرد إعلاميّ يغطي أحداث حرب الإبادة الصهيونية في غزة، بل صار هو نفسه موضوع أحداث وأخبار قاسية. فبعدما استُشهد أفراد من عائلته هم: زوجته واثنان من أبنائه وحفيده، خلال قصف إسرائيلي غاشم، أواخر تشرين الأول/ أكتوبر؛ وبعدما أُصيبَ بجروح مؤلمة أواسط شهر كانون الأول/ ديسمبر المنصرم، نتيجة عدوان همجي استهدف أيضا مصوّر قناة «الجزيرة» في غزة الذي ارتقى شهيدا… حتى أُعلِنَ منذ أيام قلائل عن استشهاد ابنه حمزة الذي كان هدفا لغارة إسرائيلية جبانة هو وزميله مصطفى ثريا.
ولم يتوقف شريط المأساة عند هذا الحد، إذ حملت الأخبار نبأ استشهاد فردين من عائلته، هما ابنا أخيه، اللذين قتلهما جيش الاحتلال حين كان يستقلاّن سيارة، مثلما وثقت ذلك وكالات أنباء عالمية.
فهل هي مصادفة أن يضمّ موكب الشهداء عدة أفراد من أسرة إعلامي قناة «الجزيرة» وائل الدحدوح وعائلته؟ وهل يُعقل أن يركّز جيش الاحتلال الإسرائيلي في معركته البشعة على المدنيين عمومًا والإعلاميين بشكل خاص؟
ومن ثم، لم يعد الدحدوح قامة صحافية، فحسب، تنهض برسالتها الإعلامية على أكمل وجه في ظروف قاسية جدا، بل صارت وسائل الإعلام تسلط الضوء عليه كحالة فريدة من الصبر والصمود ومواجهة بشاعة المجازر الصهيونية التي لم تُثنِه عن ممارسة عمله الصحافي رغم كل تلك الظروف.
ينطبق على هذا الرجل الاستثنائي وصف «البطل التراجيدي»، كما تردد في المأساة الإغريقية القديمة، إذ يواجه مرارة الواقع اليومي والصراع مع المجرمين الطغاة بصمود وثبات وشخصية قوية، فحين تقع مأساة ما في بيت عائلته، يحزن ويتألم ويتجرع مرارة الفقد، ولكنه لا ينكسر، إذ سرعان ما ينهض ويواصل عمله الجبار بعزيمة ومهنية عالية.
لكن، مهلاً، هل من الضروري التركيز على الجانب «الأسطوري» لدى وائل الدحدوح؟ هل نبقى نرفعه إلى درجة الأسطورة؟ أليس من الأجدر الاهتمام أكثر بالجانب الإنساني فيه، لا سيما أمام هول الضغط النفسي والجسدي الذي يعيشه، ليس يوما بعد يوم، وإنما ثانية بعد أخرى؟
قد يقول قائل إن هذا الضغط هو الذي يمنحه شحنة طاقية قوية من أجل مواصلة التحدي؛ ومع ذلك، فقد يؤثر فيه على مستوى «اللا شعور» بمرور الوقت.
إذنْ، هل نترك هذا «البطل التراجيدي» يواجه مصيره وحده، ونحن نكتفي بالتفرج، ونُشيد ببطولته الخارقة، ونتداول سيرته كنوع من التعويض عن عجزنا الذي لا نتحكم فيه بمحض إرادتنا، ويوفّر لنا ما يسمى بـ»التنفيس العاطفي»؟
ألا يحقّ للدحدوح أن يخلد قليلا للراحة، عوض تركه يستنزف طاقته وهو يعمل في الميدان، متوقعا ضربة جبانة تأتي من بعيد، مصدرها عدو رعديد لا يقوى على المواجهة المباشرة، فيختفي وراء شاشات وأزرار التحكم القاتلة؟
أليس من حق هذا الإعلامي البطل أن يستجمع قواه من جديد، ويستأنف العمل بمعنويات أقوى، ما دام الأمر يتعلق بواحد من البشر، قد يصيبه الوهن في لحظة انكسار نفسي، نتيجة توالي الضربات وخذلان المحيط العام؟
«مكر» الإعلانات التجارية!
تفتقت «عبقرية» إدارة سلسلة مطاعم «ماكدونالدز» المغربية على حيلة من أجل محاولة استعادة الزبائن الذين هجروها، نتيجة اتهامها بأن جزءا من أموالها التي توجه إلى الإدارة الأم في أمريكا تخصص لمساعدة العدو الصهيوني.
ومن ثم، سعت إلى استغلال نجم مغربي مشهور في التمثيل من أجل الدعاية التجارية لها عبر وصلة إعلانية تبث على التلفزيون المحلي. وبما أن النجم المومأ إليه عرف بولعه باللغة العربية الفصحى أسندت له عبارات بهذه اللغة، لعلها تحدث بعض الوقع الإيجابي في النفوس، بعدما صارت طاولات مطاعم «الماكدو» شبه فارغة، ولم تملأها نداءات «الاستغاثة» و»التوسل» التي أطلقتها إدارة السلسلة المغربية، عبر وصلة إعلانية بثت عبر منصات التواصل الاجتماعي، مؤكدة أن لا علاقة لها بدعم «إسرائيل»، وأنها ـ أي الإدارة ذاتها ـ تساند الفلسطينيين من أجل حقهم في العيش بأمن وسلام. غير أن تلك النداءات لم تصمد أمام مشاهد الوجبات المجانية التي قدمها مطعم «ماكدو» للجنود الصهاينة المشاركين في حرب الإبادة ضد الفلسطينيين.
اختيار النجم المغربي الملمّح إليه كان فيه نوع من المكر لدى سلسلة «ماكدو» المغربية، فقد عُرف بكونه ينشر تدوينات وفيديوهات عبر حساباته الافتراضية، يعرب فيه عن تضامنه مع غزة والمقاومة الفلسطينية. ومن ثم، صار الصوت الداعم لفلسطين، هو نفسه من يدعو الناس إلى زيارة «ماكدونالدز» وتذوّق «الساندويتشات» فيها، من خلال إعلانات تجارية تتكرر عبر التلفزيونات صباح مساء!
حرب نسائية!
ثارت ثائرة العديدين، بسبب ميكروفونات مؤتمر صحافي عقدته الفنانة الشعبية المغربية سعيدة شرف في أحد فنادق الدار البيضاء، ليس لإبداء التضامن مع غزة، أو المساهمة في النقاشات حول تعديلات قانون الأسرة، أو للإعراب عن التعاطف مع المدرّسين الذين أوقفت الحكومة رواتبهم بسبب مشاركتهم في الإضرابات المشروعة دستوريا. ولكنها حشدت جيشا من مندوبي المواقع الإلكترونية فقط من أجل حرب نسائية، مخصصة للرد على المطربة دنيا بطمة التي بدت تذرف الدموع أمام شاشة هاتفها، وهي تتوسل الملك من أجل إنقاذها من غيابات السجن، بعدما صدر قرار محكمة النقض في قضية «حمزة مون بيبي» الشهيرة، التي اتهمت فيها الفنانة دنيا بابتزاز مشاهير عن طريق الإنترنت.
الكاميرات والميكروفونات صارت أسلحة فتاكة في يد بعض الفنانين، وصار السباق نحو التسلح على أشده خاصة مع اشتداد وطيس حروب كلامية واتهامات لا علاقة لها بالإبداع الفني، بقدر غوصها في وحل الخصوصيات و»الفضائح» وكشف المستور.
الفنانة الشعبية سعيدة شرف لم يكن صعبا عليها تنظيم مؤتمر صحافي يخاف من تنظيمه حتى يعض الأحزاب السياسية، بل نجحت ككل مرة في استقطاب عدد كبير من المواقع الإلكترونية، وكانت باقة كبيرة ومتعددة الألوان والأشكال من الميكروفونات أمامها، فاقت العشرين ميكروفونا، كما لو أن الفنانة المذكورة أتت بجديد ينهي معاناة سكان الأرض، أو ربما يقترح حلا للمجازر اليومية التي يعيشها الشعب الفلسطيني، كما قال معلق على صورة الفنانة التي غرق وجهها في بحر الميكروفونات!
الهجوم كان برا وبحرا وجوا، والقصف توالى من فم سعيدة شرف وهي تتحدث عن الأسطوري «حمزة مون بيبي» وحساباته الفضائحية التي زجت بشقيقة دنيا بطمة في السجن، ويرتقب أن تكون التتمة مع الشقيقة الأكثر شهرة في عالم الملاسنات و»سلاطة اللسان». لا أحد استفاد من توضيحات الفنانة ولا من قصفها لمواقع تتحصن فيها خصمتها، لا أحد سوى الكاميرات والميكروفونات التي أعطتنا فكرة عن حجم عشاق «التفاهة» وسلطة هذه الأخيرة على الجميع!
بعض الظرفاء كان لهم من النباهة ما يكفي ليحيلوا المتتبع على كلمة ألقاها مؤخرا الموسيقار عبد الوهاب الدكالي في لقاء ثقافي فني، وكان ميكروفون واحد يتيم يعود للمنبر فقط، هو الذي ينقل كلام أشهر فنان وأحد أكبر صناع الأغنية المغربية الحديثة، لكن للأسف لم يتناقل شباب الجيل الرقمي كلماته ولا صوره، وبقي طي الكتمان في أزقة خلفية لمواقع التواصل الاجتماعي.
على كل حال، لم تصدر بعد الاحصائيات بخصوص من هزمت الأخرى، في معركة السباق نحو التسلح «الميكرفوني»، وما زالت الأرقام تتأرجح بين العدد الصحيح الذي كان أمام دنيا بطمة وبعد ذلك أمام سعيدة شرف. عمومًا، كما يقول الأشقاء في مصر «يا خبر بفلوس بكره يبقى ببلاش»!
٭ كاتب من المغرب