لندن – «القدس العربي»: مع قرب موعد الانتخابات التشريعية البريطانية التي ستجري في السابع من ايار/مايو المقبل والتي من المنتظر ان تكون الأشد تنافسا منذ عقد السبعينيات، تحتدم المعركة بين حزبي العمال والمحافظين، حاملة في طياتها تغييرات عميقة وتحولات كبرى في المشهد السياسي. وفي ظل الجدل السياسي الذي يطغى عليه الاقتصاد وأزمة النظام الصحي والهجرة والإتحاد الأوروبي فإن التنافس على منصب رئيس الوزراء ينحصر بين رئيس الحكومة المنتهية ولايته المحافظ ديفيد كاميرون وزعيم المعارضة العمالية اد ميليباند. وعلى بعد 17 يوما من الإنتخابات العامة، يحاول كل طرف التفوق على الآخر لتجنب أي تحالف محتمل أو حتى حكومة اقلية لانتزاع الغالبية المطلقة لـ326 مقعدا من اصل 650 في مجلس العموم في وقت لا تزال استطلاعات الرأي تشير إلى فارق بسيط بين الطرفين. ويتساوى المحافظون والعماليون تقريبا بحصولهما على 34٪ و33٪ من نوايا التصويت بحسب معدل وسطي لاستطلاعات الرأي احتسبته «بي بي سي.»
وتتقاسم الأحزاب الأخرى التي تحلم بان تكون في موقع ترجيح الكفة، الثلث المتبقي مع حصول حزب الاستقلال (يوكيب) على 13٪ والليبراليين الديمقراطيين على 8٪ والخضر على 5٪ من نوايا التصويت وفي الجدل الذي يطغى عليه الاقتصاد يريد ديفيد كاميرون «انهاء العمل» مع افتخاره بتحقيق نمو قياسي وبطالة تحت عتبة الـ6٪.
أما اد ميليباند فيشدد من ناحيته على الاضرار الجانبية لسياسة التقشف مثل اتساع التفاوت الاجتماعي وتدهور عائدات الطبقات الوسطى.
المحافظون يحملون العمال
مسؤولية العجز وكاميرون يعد بالحل
لا يفوت حزب المحافظين الحاكم منذ خمس سنوات في ائتلاف حكومي مع الديمقراطيين الأحرار فرصة لتحميل مسؤولية العجز الموجود منذ 2010، «الأكبر من عجز اليونان» لسنوات حكم حزب العمال بين عامي 1997 و2010. وقال رئيس الوزراء المحافظ ديفيد كاميرون، خلال حملة انتخابية في شمال شرق البلاد، ان حزب العمال يريد العودة «إلى الأيام المظلمة من الديون والفوضى» مضيفاً أن حزبه يعد بوضع حد للعجز البالغ أربعة في المئة من الناتج المحلي الاجمالي مع نهاية السنة المالية 2015 ـ 2016، بحلول سنة 2017 ـ 2018.
وقال كاميرون خلال لقاء تلفزيوني انه ارتكب أخطاء خلال السنوات الخمس التي امضاها في السلطة لكنه طلب من الناخبين منحه ولاية ثانية لاستكمال مهمة إعادة بناء الاقتصاد.
ويؤكد المحافظون التزامهم باستثمار ثمانية مليارات جنيه على الأقل سنويا حتى عام 2020 في القطاع الصحي، بعدما كانت وعودهم شبيهة بتلك التي أطلقها حزب العمال، وفقا لدراسات استقصائية عدة. وأظهر استطلاع للرأي أن رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون فاز في أول مواجهة تلفزيونية قبل الانتخابات.
واجريت مقابلتان منفصلتان مع كاميرون وميليباند كانتا الأصعب بالنسبة لهما منذ سنوات حيث واجها أسئلة من جمهور الاستوديو عبر شبكة «سكاي نيوز» و»القناة الرابعة». وأظهر استطلاع للرأي لصحيفة «الغارديان» ومؤسسة «آي.سي.ام» أن 54 في المئة ممن تم سؤالهم يعتقدون ان كاميرون فاز مقابل 46 في المئة اعتبروا ميليباند هو الفائز. من جهته، قال وزير الخزانة المحافظ، جورج أوزبورن، أمام مئات المندوبين من اتحاد الشركات الصغيرة «خطتنا الاقتصادية طويلة المدى تتركز على احتياجات الشركات الصغيرة، بدءا من الحصول على موارد حكومية تحت السيطرة وحتى إصلاح محاكم العمل. وأضاف أن الناخبين يواجهون خيارا مهما في الانتخابات، في ظل الاختلاف الكبير في الفلسفات الاقتصادية بين حزب المحافظين الذي ينتمي إليه والأحزاب الأخرى المنافسة. وتابع أنه سيكون من «الجنون» السماح لحزب العمال بتقديم خطط إنفاق يمكن أن تزيد الديــن الوطني في الوقت الذي يتراجع فيه.
أما نائب رئيس الوزراء، نيك كليغ الذي يرأس شركاء المحافظين في الائتلاف الحاكم، وهم الديمقراطيون الليبراليون، فقال ان بريطانيا يجب ان تتجنب التغيرات السياسية الراديكالية ومواصلة تعافي يمكن ان يجعلها ضمن الاقتصاد الأكبر في أوروبا .
وتابع ان حزب العمال ليست لديه خطة اقتصادية متماسكة «بينما يقترح المحافظون خفضا كبيرا في الخدمات العامة، ليس لسبب أكثر من أسباب ايديولوجية».
العمال: سنكون
أكثر سخاء مع الأكثر فقرا
وفي الوقت الذي يحذر فيه المحافظون من «عودة الفوضى الاقتصادية» في حال فوز اليسار في الانتخابات، أعلن زعيم حزب العمال، إد ميليباند، في مانشستر انه أصبح جاهزا لان يكون رئيس الوزراء المقبل لبريطانيا خلال خطاب انتخابي ركز على الاقتصاد الذي يعد أساس ضعف حزبه. وقال ان حزبه «سيخفض العجز سنويا» موضحا انه يريد ان يكون «مسؤولا» وأكثر سخاء مع الأكثر فقرا. ويضيف: «اصبحت جاهزا، مستعدا لوضع حد للمقولة المبتذلة التي تقول اننا طالما نساعد الأغنياء والأقوياء، كل شيء سيكون على ما يرام». وقال انه أكثر طموحا لأنه يقدم التزاما واضحا بتحقيق التوازن في الميزانية، مؤكدا ان أيا من الإجراءات التي يدعو إليها «ستمول عن طريق الاقتراض الاضافي». وأكد ان «هذا البيان يظهر ان حزب العمال ليس حزبا للتغيير فقط بل هو حزب مسؤول».
ويستمر معارضو ميليباند باتهامه بالرغبة في «الاقتراض أكثر للصرف أكثر». ويواجه الحزب انتقادات من أحزاب أخرى لقوله انه سيلغي العجز في أقرب وقت ممكن من دون اعطاء جدول زمني دقيق. ومن أجل الحد من هذا العجز سنويا، يقترح حزب العمال «خيارات صعبة» مع تخفيضات في الانفاق العام في جميع القطاعات باستثناء قطاعي التعليم والصحة. واذا ما رجع العمال إلى السلطة بعد غياب خمس سنوات، فستشمل خططه الغاء مساعدات دفع فواتير الطاقة في فصل الشتاء للمتقاعدين الميسورين، ووضع حد أقصى للإعانات العائلية، أو خفض رواتب الوزراء بنسبة خمسة في المئة. ووعد حزب ميليباند بزيادة 2.5 مليار جنيه استرليني (3.4 مليار يورو) كل عام للخدمة الصحية العامة، والتي سيتم تمويلها من خلال زيادة الضرائب المختلفة، بما في ذلك ضريبة على معظم المنازل الفاخرة وأخرى على مصانع التبغ.
وهذا الرقم هو أقل بثلاثة أضعاف مما وعد به المحافظون. وكرر حزب العمال أيضا التشديد على وعود انتخابية مختلفة معروفة، كوضع اطار صارم لعقود ساعات العمل (التي لا تحدد وقتا للعمل ولا تضمن أي عائدات)، وزيادة الحد الأدنى للأجور إلى ثمانية جنيهات استرلينية للساعة (في مقابل 6.40)، أو أيضا رفع الحد الأقصى للضرائب من 45 في المئة إلى 50 في المئة. من جهة أخرى، قال نائب رئيس الوزراء زعيم حزب الديمقراطيين الأحرار الشريك الأصغر في الحكومة الائتلافية، نيك كليغ ان إد ميليباند وإد بولز (وزير مالية الظل) عازمان على المقامرة بالاقتصاد البريطاني. والحقيقة انهما يريدان العودة إلى الاقتراض المتهور والمفرط.
أوزبورن يكشف
عن ميزانية «تعاف وطني»
وكشف أوزبورن عن ما وصفها بانها ميزانية «تعاف وطني» معلنا عن تخفيضات للضرائب وغيرها من الإجراءات المالية لصالح المواطنين .وقال أثناء عرض مشروع الموازنة أمام البرلمان «اتحدث عن بريطانيا تحقق نموا وتوفر وظائف وتمضي في طريقها.. إنه تعاف وطني حقيقي» . وتعهد الوزير بضخ المزيد من الاستثمارات في قطاع التصنيع والعلوم والمناطق الأكثر فقرا في شمال البلاد، إلى جانب زيادة الحد الأدنى للأجور بمقدار 20 بنسا في الساعة ليصل إلى 6.7 جنيه أسترليني (10 دولارات) اعتبارا من الخريف المقبل. وكما كان متوقعا فقد أعلن زيادة الحد الأدنى لدخل الأسرة المعفى من ضريبة الدخل إلى 10800 جنيه إسترليني سنويا ثم زيادته إلى 11 ألف جنيه إسترليني سنويا عام 2017. في الوقت نفسه، رفع أوزبورن توقعات نمو الاقتصاد خلال العام الحالي إلى 2.5٪ ثم 2.3٪ من إجمالي الناتج المحلي العام المقبل. وقال الوزير «نحن أعدنا كل بريطانيا إلى العمل بتعاف وطني حقيقي.. فقد حققت بريطانيا أعلى معدل توظيف في التاريخ وبلغ عدد العاملين رقما قياسيا».
لكن خبراء الاقتصاد في مصرف «رويال بانك أوف سكوتلاند» قالوا ان توقعات النمو لم تكن «مواتية كما كان متوقعا .. رغم التحسن في سوق العمل فما زال هناك قطاع كبير لا يعمل بشكل منتظم».
وفي إجراءات جديدة قد تستهوي الناخبين قال أوزبورن إنه سيجمع لخزانة الدولة حوالي 3.1 مليار جنيه إسترليني إضافية من خلال القضاء على التهرب الضريبي، مع تحقيق 900 مليون جنيه إسترليني سنويا من خلال زيادة الرسوم المفروضة على البنوك.
ريما شري