مبكراً أعلنت الحركات المسلحة التي تقاتل النظام السوداني في اقليم دارفور وولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق عبر تحالفها المسمى «الجبهة الثورية» منع قيام الانتخابات في تلك المناطق. وقال رئيس هيئة أركان الجيش الشعبي لتحرير السودان ـ شمال، عبدالعزيز ادم الحلو مخاطبا قواته في مطلع ابريل/نيسان الجاري، انهم سيمنعون قيام الانتخابات في جنوب كردفان، في وقت قال فيه رئيس حركة العدل والمساواة د.جبريل ابراهيم محمد انهم منعوا قيام الانتخابات في دارفور.
مفوضية الانتخابات القومية في السودان أعلنت أنها لن تتمكن من إجراء الانتخابات في سبع دوائر انتخابية في ولاية جنوب كردفان بسبب الحرب الدائرة في الولاية، وقبيل بدء الاقتراع أعلنت ثلاث ولايات حدودية إغلاق حدودها مع دولة جنوب السودان ضمن خطط لتأمين الانتخابات التي يهددها المتمردون، وقال مواطنون وتجار لـ»القدس العربي» ان قوات الدعم السريع – مليشيات- تتبع للحكومة السودانية، انتشرت بشكل واسع على تخوم المناطق الحدودية مع دولة الجنوب في ولايات جنوب كردفان وشرق وجنوب دارفور، وأغلقت الطرق المؤدية إلى الجنوب تماماً. فيما شهد اليوم الأول والثاني للإنتخابات بجنوب كردفان قصفا من قبل قوات الجيش الشعبي لعاصمة الولاية كادقلي ومدينة الدلنج. وقال والي جنوب كردفان آدم الفكي في تصريحات صحافية «ان القصف أدى لوفأة امرأتين وجرح طفلين» وسقطت نحو ثلاثة قذائف هاون على مدينة الدلنج اثناء زيارته لها. وقال المواطن ادريس محمد علي من قاطني مدينة كادقلي «ان الاقبال ضعيف على الانتخابات وان المواطنين غير مهتمين والمراكز خالية» وأضاف «عشية اليوم الثاني للانتخابات سقطت دانة هاون على مدرسة (تلو) شرقي مدينة كادقلي وبالقرب من مركز انتخابات».
وذكر مواطنون ان هناك تبادل قصف في مناطق دلامي ودابري شرقي كادقلي.. والطيران الحربي يحلق في المدينة التي تعيش توجسا من تكرار أزمة انتخابات 2010. في المقابل اتهم وزير الداخلية السوداني، عصمت عبدالرحمن، الحركة الشعبية- شمال، بقصف مركز للانتخابات في ولاية جنوب كردفان في اليوم الأول لعملية الاقتراع لكنها لم تسجل خسائر.
وقال مواطنون ان مفوضية الأنتخابات في جنوب كردفان نقلت صناديق الاقتراع من قرية الفرشاية بجنوب كردفان إلى مدينة الدبيبات، فيما قال آخرون لـ»القدس العربي» ان الدائرة(7) ولائية والدائرة(23) قومية بمحلية القوز قرية أم جناح لم يصوت فيها أحد، وقد تدخل مسؤول حكومي رفيع بالمنطقة في مشادة كلامية مع المواطنين الذين تجمهروا خارج المركز لمراقبة من يقدم على التصويت.
وفي ولاية النيل الأزرق أعلنت قوات الجيش الشعبي لتحرير السودان ـ شمال، قيامها بهجوم على مدينة الكرمك في نهاية اليوم الثاني للانتخابات، وقال مواطنون من عاصمة الولاية الدمازين ان الأنباء تؤكد وقوع اشتباكات بين القوات المسلحة الحكومية ومتمردي الجيش الشعبي، ولم يتسن الحصول على معلومات إضافية، وتعد الكرمك ثالث أكبر مدينة في النيل الأزرق، ويشير مراقبون إلى ان الغرض من الهجوم لفت الانتباه إلى المجتمع الدولي والاقليمي، وتعتبر الكرمك مسرحا للقتال طوال 22 عاما. عملية الاقتراع بدأت في 13 ابريل/نيسان، وفتحت المراكز كافة أبوابها في انحاء البلاد، إلا ان وقائع الانتخابات في مناطق النزاع شهدت استقطاباً حاداً بين منسوبي الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة، فيما اتسم موقف النازحين وقاطني المعسكرات بعدم المبالاة من الانتخابات.
وتعد الانتخابات الحالية الأولى بعد انفصال الجنوب، وتأتي عقب مرور 12 عاماً على اندلاع الصراع بين الحكومة ومتمردي دارفور، وبعد مرور أربعة أعوام على تجدد النزاع بجنوب كردفان عقب انهيار اتفاق اديس ابابا 29 حزيران/يونيو 2011 بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية – شمال، وقد حضر مراقبون من منظمات وطنية وإقليمية (الاتحاد الافريقي والجامعة العربية) ووسط استعدادات أمنية مكثفة، حيث سيستمر الاقتراع لمدة ثلاثة أيام. وقد أعلنت مفوضية الانتخابات في اليوم الثاني عن تمديدها ليوم إضافي، وسيصوت الناخبون على سبع بطاقات، الأولى خاصة بمنصب الرئاسة الذي يتنافس عليه 16 مرشحاً أبرزهم الرئيس الحالي عمر البشير وبينهم أمراة (فاطمة عبدالمحمود) من الحزب الاشتراكي المايوي الذي يعود تأسيسه إلى الرئيس الأسبق جعفر نميري.
وتشمل عملية التصويت ثلاث بطاقات للبرلمان الأولى للدوائر الجغرافية، والثانية للقوائم الحزبية النسبية، والثالثة لقوائم المرأة التي خصصت لها 25٪ من مقاعد البرلمان بنص الدستور، كما توجد ثلاث بطاقات مماثلة لانتخاب المجالس التشريعية للولايات الـ 18.
دارفور..انتخابات تحت الحرب
وفي غربي السودان كان الاقبال ضعيفا على مراكز الانتخابات بولايات دارفور الخمس التي تشهد حرباً منذ شباط/فبراير 2003، واتهم الرئيس البشير من قبل المحكمة الجنائية الدولة بارتكاب جرائم حرب وأصدرت مذكرة باعتقاله، وفتحت مراكز الانتخابات في دارفور أبوابها لكنها شهدت اقبالاً ضعيفاً لاسيما في معسكرات النازحين. ففي الوقت الذي شهدت فيه بعض مراكز المدن اقبالاً محدوداً لمراكز الاقتراع، اعتصم مواطنون في منازلهم، وقال المواطن محمد ابكر لـ»القدس العربي» ان الانتخابات الآنية ماهي إلا تكرار للفشل الذريع طوال 25 عاماً مضت، وأضاف «لا نتوقع ان تحدث تغييراً جذرياً في أوضاع دارفور فالحرب مستمرة وسكان المعسكرات موجودون بمخيماتهم والأوضاع المعيشية صعبة».
لم تفلح المفوضية القومية ورصيفتها بولاية جنوب دارفور نيالا، في وضع مركز للاقتراع بمعسكر «كلمة» أحد أكبر المعسكرات بأقليم دارفور الذي يضم أكثر (160) ألف نازح، وقال رئيس مكتب تنسيق النازحين بجنوب دارفور صلاح الدين عبدالله لـ»القدس العربي» ان مواطني المعسكر تباينت مواقفهم بشأن الانتخابات، فبعضهم تم ترحيلهم إلى التصويت بمركز اقتراع محلية (بليل) التي تجاور معسكر كلمة، بينما الغالبية العظمى قاطعت الانتخابات، واضاف «خرج مئات النازحين في مظاهرات ومسيرات في اليوم الأول والثاني على التوالي معلنين مقاطعتهم للإنتخابات، وردد المتظاهرون شعارات حملة «أرحل» التي تقودها المعارضة السودانية لمقاطعة الانتخابات، بجانب شعارات من قبيل «ثورة ثورة حتى النصر لن نتراجع حتى القصر» وقال ناشطون من داخل معسكر كلمة انهم يقفون مع حملة «يسقط» التي أطلقها مؤسس ورئيس حركة جيش تحرير السودان عبدالواحد محمد نور. ويقول محمد نور لـ»القدس العربي» «أن الأزمة تكمن في البشير وأن اعادة انتخابة ماهي إلا تمديد للأزمة ونحن نقف مع اسقاط حكم البشير».
غير ان وقائع مجريات الانتخابات في معسكر عطاش للنازحين تختلف عن معسكر كلمة، ففي مركز معسكر عطاش للنازحين شمال شرقي نيالا اشتكى رئيس المركز سليمان أدم هري بمركز سنتر (6) من اهمال مفوضية الانتخابات بالولاية وعدم توفيرها مقاعد اجلاس لموظفيها فيما وضعت صناديق الاقتراع على الأرض بجانب معاناة الناخبين في البحث عن إسمائهم لحوالي (3) ساعات في الشمس، وقال هري فى تصريحات صحافية في ثاني أيام الاقتراع. ان إجراءات الاقتراع تمضي ببطء وقد بلغ عدد المقترعين لليوم الأول (257) ناخبا ولم يختلف الأمر كثيراً في معسكر دريج – (يتخذ من اسم حاكم دارفور الاسبق ابراهيم دريج اسماً له)- وقد أشار مدير مركز دريج للنازحين هاشم فضل التوم، إلى ان الدائرة (3) بلغ فيها جملة المقترعين في اليوم الأول (377) ناخبا من جملة (10) ألف ناخب مسجل، في وقت إشتكي عدد من وكلاء الأحزاب من تواجد وكلاء المؤتمر الوطني بشعاراتهم وتشويشهم على الناخبين. ولفت رئيس اللجنة العليا لمفوضية الإنتخابات بولاية جنوب دارفور العميد سليمان عبدالرحيم إلى تصويت (44660) ناخبا في اليوم الأول للانتخابات بولاية جنوب دارفور على حد قوله، مشيراً إلى تحسن الاقبال في اليوم الثاني، وقد أدى رفض وكلاء الأحزاب إعتماد شهادات اللجان الشعبية بدلاً عن الأوراق الثبوتية إلى توقف العمل في مركزي السلام والتضامن بنيالا، حيث تقول المفوضية ان شهادة اللجان الشعبية صادرة وفقا لنص المادة (22ب ) من قانون الانتخابات للعام 2010 بينما يعتبر وكلاء الأحزاب ان اللجان الشعبية غير محادية لسيطرة الحزب الحاكم عليها.
وفي مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، خلت مراكز الاقتراع من الناخبين، إذ ظل مركز الاقتراع بمدرسة الشرقية الثانوية بنات خالياً سوى من موظفي مفوضية الانتخابات، في وقت اندلعت فيه مظاهرات عارمة في جامعة الفاشر ثاني أيام الاقتراع تنديداً بقيام الانتخابات وقد استخدمت الأجهزة الأمنية الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع لتفرق المتظاهرين واصيبت طالبتان بجراح واعتقل 12 طالباً.
ووقعت اشتباكات دامية بسجن مدينة زالنجي بولاية وسط دارفور في اليوم الثاني للانتخابات، فقد تصدت السلطات الأمنية لمحاولة تمرد سجناء ونجحت في منعهم من الوصول إلى مخزن للسلاح، وقد تمكن 40 سجيناً بينهم 5 محكومين بالإعدام من كسر بوابة السجن والفرار قبل ان تلاحقهم السلطات وتتمكن من القبض على 27 منهم، وقتل مدبر العملية من السجناء فيما جرح ثلاثة أفراد من الشرطة وضابط برتبة النقيب، وقال نائب الوالي ووزير المالية محمد موسى احمد ان حكومته سيطرت على الأوضاع داخل السجن عقب الأحداث، فيما يقول ناشط ان غالبية المحكومين والقابعين داخل السجن لهم علاقة بالأحداث الجارية في دارفور.
وقبيل قبل بدء الانتخابات بيوم تحرك مئات من النازحين بمعسكر الحميدية بزالنجي عاصمة وسط دارفور للخروج في مظاهرات مناهضة لقيام الانتخابات، إلا ان الأجهزة الأمنية تصدت لهم ومنعتهم من الخروج، ولم تفلح مفوضية الانتخابات الولائية في اقامة مركز اقتراع بالمعسكر، وقد تسيد ضعف الاقبال جميع المراكز في الولاية عدا دائرة (مكجر) بوادي صالح شهدت حراكاً محدوداً وهي الدائرة التي ترشح فيها رئيس السلطة الاقليمية لدارفور حالياً د.التجانى سيسى محمد اتيم.
يذكر أنّ عدد الذين يحق لهم التصويت في انتخابات 2015، حوالي 13 مليونا و300 ألف ناخب، ويبلغ عدد المرشحين للدوائر القومية، أحزاب ومستقلين، (1072) مرشحاً بينما تم الإعلان عن (2235) مرشحا للمجالس الولائية.
دوائر معطلة
ووفقاً لموقع المفوضية القومية للانتخابات السودانية ان الدوائر الجغرافية لاقليم دارفور تبلغ 120 موزعة بواقع 24 دائرة جغرافية لكل ولاية من الولايات الخمس، فيما تتفاوت الدوائر القومية حسب نسبة عدد السكان مابين سبع إلى عشر دوائر فى بعض الولايات.
وتبلغ اعداد الدوائر في ولاية جنوب كردفان (7) دوائر قومية وقد أعلنت مفوضية الانتخابات عن تعطيل عملية الاقتراع فى 7 دوائر من أصل 24 دائرة جغرافية بولاية جنوب كردفان.
محمد حمدان