القاهرة ـ «القدس العربي» : بينما باتت جنوب افريقيا تخوض بالنيابة عن العرب أحد أشرف معاركهم على الإطلاق، وتعمل على فضح الوجه الدموي لإسرائيل التي ظلت تخدع بلدان الغرب المتحضر، وتسوق طيلة عقود محض أباطيل، لم تبادر أي دولة عربية بدعم جنوب افريقيا في كفاحها لوقف الإبادة الجماعية التي يتعرض لها مليوني فلسطيني.. وحظيت أولى جلسات محكمة العدل الدولية باهتمام شعبي واسع.
وثمَّن عدد من علماء الأزهر الشريف البيان الذي أصدره الأزهر بشأن تأييده لموقف جنوب إفريقيا الشجاع في دعواها القضائية ضد جرائم الإبادة الجماعية في غزة، داعين دول العالم لاتخاذ مواقف قوية ومماثلة حتى وقف العدوان على غزة. في البداية، قال الشيخ عبدالحميد الأطرش عضو لجنة الفتوى سابقا في الأزهر الشريف في تصريحات لـ«الوطن»، إن الأزهر الشريف دائما ما يساند القضية الفلسطينية على مر التاريخ، ويؤيد مَن يدعمها، سواء كانوا دولا أو أشخاصا بعينهم، مشددا على ضرورة دعم المسلمين بأكملهم لأهالي قطاع غزة، وسط ما يتعرضون له من جرائم حرب من جانب قوات الاحتلال. وفي السياق ذاته، قال الشيخ محمود مهنا، عضو هيئة كبار العلماء، في تصريحات لـ«الوطن»، إن موقف دولة جنوب أفريقيا بشأن دعم القضية الفلسطينية مشرف للغاية، وبيان الأزهر الشريف الذي صدر يؤكد أن الأزهر لا يتخلى أبدا عن القضية الفلسطينية، داعيا دول العالم إلى ضرورة الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني، والتصدي لقتل الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ. وكان مشيخة الأزهر الشريف قد أعلنت تأييدها ودعمها الكامل لموقف حكومة جنوب افريقيا، الذي وصفته بالشجاع، وتضامنها مع القضية التي تقدمت بها جنوب افريقيا لمحكمة العدل الدولية، وأكدت المشيخة أن الموقف الجنوب افريقي يعبر عن عالم حر وضمير إنساني ما زال حيا. ومن مساعي الدولة لدعم الفلسطينيين: أكد المستشار أحمد فهمي المتحدث باسم رئاسة الجمهورية، أن إدخال المساعدات للمواطنين في قطاع غزة، محور جوهري في الجهد المصري، موضحا أن الجميع يعلم أن حوالي 80% من المساعدات الإغاثية التي تدخل غزة هي من مصر شعبا وحكومة، ومنظمات مجتمع مدني، والجميع يساعد ويشارك، سواء أكانت دولا أو منظمات دولية، مشددا على أهمية تسريع إدخال المساعدات بالكميات الكافية التي تخفف عن أهالي غزة وتمكنهم من البقاء في ديارهم..
وفي الوقت نفسه بات الخوف ضيفا ثقيلا على معظم المصريين، وعزز من مشاعر القلق التي سيطرت عليهم نهاية الأسبوع ما واجهه كنز المحروسة الأهم متمثلا في قناة السويس من تراجع ضخم في إيراداتها، حيث قال الفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس، إن إيرادات القناة انخفضت 40 في المئة منذ بداية العام، مقارنة بعام 2023، بعد أن أدت هجمات الحوثيين في اليمن على سفن إلى تحويل مسار إبحارها بعيدا عن هذا الممر، وأضاف في تصريحات تلفزيونية، أن حركة عبور السفن تراجعت 30 في المئة في الفترة من الأول من يناير/كانون الثاني إلى 11 من الشهر ذاته على أساس سنوي، ومنذ بدء الحرب في قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، كثف المتمردون الحوثيون المقربون من إيران، الذين يسيطرون على جزء كبير من اليمن، هجماتهم في البحر الأحمر، من أجل إبطاء حركة الملاحة البحرية الدولية هناك، مؤكدين تضامنهم مع الفلسطينيين في غزة. يذكر أن رئيس الوزراء البريطاني، ريشي سوناك، أجرى اتصالا هاتفيا مع الرئيس السيسي، تزامنا مع تقارير تشير إلى احتمالية شن ضربات ردا على الهجمات الحوثية.
سيقول التاريخ ما يلي
سوف يتوقف التاريخ طويلا أمام صمود غزة ما يقرب من مئة يوم أمام الجبروت الهمجي لإسرائيل، وكل من أيدها قولا وفعلا وصمتا.. إذا كان الحاضر غير منصف والواقع افتقد الإنسانية، فإن التاريخ سيكون صاحب الكلمة كما يرى فاروق جويدة في “الأهرام” حين يضع الأحداث في سياقها، والرجال في أماكنهم والشعوب في مواقفها، سوف يتوقف التاريخ عند جيل جديد من شباب فلسطين الذين خرجوا من لهيب المأساة ليقدموا للعالم صورة شعب لم يفرط ولم يهادن ولم يتاجر في قضيته ويبيع أرضه.. موقف شباب فلسطين في هذه المواجهة، أن الحق فوق القوة، وأن التضحية غير الاستسلام، وأن الدماء أغلى من التطبيع.. لقد استخدم شباب فلسطين كل أساليب الحرب الحديثة في صناعة الأسلحة والصواريخ والتكنولوجيا والأنفاق التي دوخت العدو، واستطاع أن يصمد مئة يوم أمام الجبروت الصهيوني وأدار المعركة وهو لا يملك طيرانا ولا دبابات، ولكنه امتلك الإرادة.. أطفال الحجارة هم الذين خاضوا حرب غزة، وصمدوا مئة يوم وسط النيران.. سوف يقول التاريخ إن غزة لقنت إسرائيل درسا في المعارك، لم تشهده منذ احتلت أرض فلسطين وأقامت دولتها المزعومة.. أن إسرائيل الآن أمام شعب يقاتل ويقدم الشهداء كل دقيقة وهو يعيد أمجاد الجزائر وطن المليون شهيد، وعمر المختار وعبد المنعم رياض والشاذلي والجمسي وهؤلاء الأبطال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.. إن جيش إسرائيل سيعيد الآن حساباته فهو لم يتعود على الحروب الطويلة، ولم يمارس عشق الأرض وكيف تقاتل مع أبنائها.. سوف يقول التاريخ إن أكبر دولة عظمى في العصر الحديث كانت ضحية دولة لقيطة زرعها الغرب في بلاد الأنبياء، فدنست الأرض واستباحت قدسية المكان وحرمة الدماء..
الأخوة ماتت
أمريكا كما يصر فاروق جويدة هي أكبر الخاسرين في حرب غزة، فقد جاءت ببوارجها وحاملات طائراتها وقدمت أحدث ما وصلت إليها ترسانتها العسكرية ولم تحسم المعارك لمصلحة إسرائيل، واشتعلت حولها النيران في البحر الأحمر وباب المندب وجنوب لبنان وسوريا والعراق وجمعت حشود العالم لتواجه اليمن، البلد الفقير المجهد وانتصر ثوار اليمن.. أمريكا وهي على أبواب الانتخابات ستواجه ظروفا صعبة، فهي لم تحسم الحرب في أوكرانيا، ولم تنتصر في غزة، بل إنها خرجت تحمل تهمة تاريخية مع إسرائيل لأنها شاركت في حرب الإبادة ضد أطفال غزة، وسوف يقف الجميع أمام محكمة العدل الدولية في إدانة تاريخية، وتهمة بحرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني وهي جريمة لا تسقط بالتقادم وتبقى عارا على أصحابها.. سوف يقول التاريخ إن حرب غزة تركت جراحا كثيرة بين الأشقاء وإن ما حدث كان شيئا غريبا على علاقات الأخوة التي كان ينبغي أن تكون مصدر حماية وأمان.. هناك كلمة حق لا بد أن تقال، إن الحروب لم تعد الصواريخ والقنابل، ولكن الإعلام أصبح جيشا مشاركا بكل حشوده، وقد استطاع الإعلام العربي أن يشارك في المعارك بجدارة إلى جانب الإعلام الصهيوني الذي احتكر الساحة سنوات طويلة، وكانت غزة حديث الإعلام العالمي بكل ألوانه وجبهاته.. وكان اغتيال أكثر من مئة صحافي فلسطيني حدثا لم تشهده الحروب من قبل، وكان النموذج الفذ في الشهادة ابن الصحافي المقاتل وائل الدحدوح وحفيده وأسرته.. سوف يقول التاريخ إن حرب غزة نجحت في أن تقدم للقضية الفلسطينية وجوها جديدة تقود مسيرة النضال، وإن القيادات القديمة يجب أن تنسحب من الميدان، ابتداء بفرسان أوسلو وكوبنهاغن وانتهاء بمواكب التطبيع، وأن يتركوا الساحة لمن قدموا الدماء.. لقد حان الوقت أن يسدل الستار على أسماء يجب أن تختفي، لأن هناك أجيالا جديدة أكثر وعيا وإصرارا.. سوف يلوم التاريخ كل من بخل على أطفال غزة بالدواء والطعام وربما بقي ذلك ثأرا بين شهداء في رحاب الله وشعوب تخلت عن واجبها.. وأن تتحمل عصابة بايدن ونتنياهو تكاليف الوطن الذي استباحته يد الطغيان قتلا ودمارا، ويكون إعلان القدس عاصمة للدولة الفلسطينية آخر سطر يكتبه التاريخ في حرب غزة..
أحفاد مانديلا
بحفاوة بالغة تابع عبد المحسن سلامة في “الأهرام” المحاكمة التاريخية للسفاح الإسرائيلي المتهم بممارسة الإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي في الجزء الأول من المحاكمة. أحفاد مانديلا حشدوا كل قواهم، واستفادوا من خبراتهم الطويلة، ومعاناتهم الأليمة في مكافحة التفرقة العنصرية على مدى عقود طويلة في جنوب افريقيا. المشهد كان أكثر من رائع من الفريق القانوني لجنوب افريقيا، وهو يضم السود إلى جوار البيض، والسيدات إلى جوار الرجال، والكل متمكن من أدواته، ويقدم الأدلة الموثقة والبراهين، ويشرح الفيديوهات والتسجيلات بالصوت والصورة، التي تؤكد ارتكاب الجيش الإسرائيلي الإبادة الجماعية في غزة. وثق الوفد الجنوب افريقي تصريحات الوزراء، ورئيس الوزراء، ورئيس دولة إسرائيل، ووزير الحرب الإسرائيلي، والمسؤولين وهم يدعون إلى محو غزة، وإبادة السكان، وتشبيههم بالحيوانات البشرية، وتأكيدات الجنود الإسرائيليين بالصوت والصورة ذلك. أدلة عديدة وقوية طرحها الوفد الجنوب افريقي أمام المحكمة، وكان أكثر من رائع حينما أشار إلى الحصار القاتل، وكيف أن هذا الحصار منع الغذاء والدواء، والمياه والكهرباء عن سكان غزة، ما جعل الحياة شبه مستحيلة، ومميتة لكل السكان دون استثناء. دق الوفد الجنوب افريقي القانوني، جرس إنذار التطرف الديني اليهودي بعنف، حينما أكد استخدام القادة، والمسؤولين الإسرائيليين الخطاب الديني لتبرير مجازرهم، وأفعال الفصل العنصري تجاه سكان غزة، ومحاصرتهم برا وبحرا وجوا، رغم أن إسرائيل دولة احتلال، ولا بد من أن تقوم بواجباتها في حماية السكان وليس إبادتهم، والتنكيل بهم، وحصارهم. قارن الوفد الجنوب افريقي بين ما يحدث الآن في غزة وما حدث في ميانمار، الذي أدانته المحكمة واعتبرته جريمة إبادة جماعية قبل ذلك، مشيرا إلى أن ما يحدث في غزة قد تفوق على ما حدث في ميانمار بمراحل، وطالب الوفد بوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية فورا، ومحاسبة كل المسؤولين والمتورطين في جرائم الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين في غزة، والذين تم توثيق جرائمهم بالصوت والصورة، والأدلة الثابتة. للأسف فإن رئيسة محكمة العدل الدولية الآن أمريكية، ما يثير الشكوك في اتخاذ قرارات قوية، لكن في كل الأحوال فإن المحكمة قد نجحت في فضح الهولوكست الإسرائيلي للفلسطينيين، وتلطيخ سمعة إسرائيل وأمريكا، وجعْلها في الوحل.
ضعاف بما يكفي
يعترف عصام كامل رئيس تحرير “فيتو” أن شخصيات مثل بلينكن وكيربي وبايدن وغيرهم من الشخصيات التي ترى أن الصراع في غزة هو صراع وجود بين القيم الحضارية الغربية والقيم الشرقية أو العربية تحديدا، تصيبني بغثيان، كلما تابعت تصريحاتهم حول ما يجري من عدوان ومجازر وإبادة ضد الشعب الفلسطيني. وأتصور أن أمثالي كثر، وأن الإحساس العربي العام يصب في صالح المقاومة، وقد يتطور الأمر إلى أمنيات بزوال مثل هذه الكيانات، سواء كانت شخصيات أو دولا، وهذا يعني أن ما يجري هو صناعة محترفة من خام الكراهية، ليس على مستوى أجيالنا، التي وعت القضية منذ سنوات طويلة، بل يمتد إلى الأجيال الجديدة التي استفاقت على صورة بشعة للحضارة الغربية. وإذا كان الكيان المحتل يقود عدوانه تحت شعار القضاء على حماس، فقد صنع دون أن يدري ألف حماس وحماس في دول كانت شعوبها أقرب إلى التصديق أن العيش معا ممكن، بل إن الدول التي تسابقت على التطبيع مع الكيان المحتل وجدت نفسها فجأة في منطقة الخجل السياسي والقيمي، وأصبح حكامها الآن في مرمى عدم الشرعية من أساسه، وقد يتطور الأمر إلى براكين شعبية لا يحمد عقباها. أقول وبعد ترو ودراسة للمواقف الدولية من الإبادة أن الأزمة الأخلاقية ليست مرضا مستوطنا في دوائر الحكم الغربية وحدها، بل إن هذا الميكروب المروع سكن قصور الحكم العربي وتوطن أكثر من توطنه في قصور الحكم الغربية، وموقف الكثير من العرب أكبر دليل على براءة الغرب من الانفراد والاستفراد بغياب الوازع الأخلاقي في الحكم. إن متابعة ما فعلته جنوب افريقيا وحدها، وهي ليست دولة عربية أو إسلامية، وإنما دولة لا تزال تحظى بقيم أخلاقية في دوائر حكمها، ولم يغب عنها بشاعة الاحتلال والفصل العنصري، فما جرى لهم لا يزال يجري على المواطن الفلسطيني.. يتفق الغربيون مع بعض حكام العرب على المصلحة ذاتها، وهو هزيمة حماس، إذ أن انتصارها يفضي إلى أمور كثيرة وخطيرة تلقي ظلالها على شرعية بعض الأنظمة العربية، وأخرى خطيرة على الغرب وصورته الذهنية بالتفوق والاستعلاء، مقابل الدونية التي يجب أن تترسب في نفوس منطقتنا وغيرها من غير مناطق الغرب الذي لا يقهر. إذن توافقت مصالح سلطات عربية مع مواقف الغرب دعما لكل ما يمكن فعله لهزيمة حماس، وهو ما يفسر لك ما جرى في عواصم تتصارع وتصارع من أجل زعامة الأمة، وعندما جاء الموقف الذي يولي على الأمة زعيما غاب الجميع وتركت الأمة التي لم تجد زعيما لها إلا سيريل رامافوزا رئيس جنوب افريقيا.
تداعيات مرتقبة
منذ بداية الحرب، والدبلوماسية الأمريكية كما راقبها أحمد عادل هاشم في “المشهد” تدور وتلف حول هدف واحد يتمثل في منح إسرائيل أطول وقت ممكن لإنجاز ما يردده نتنياهو حول أهدافه من الحرب، وتحشد في الوقت نفسه ترسانة نووية قبالة شواطئ المتوسط، مستخدمة ورقة الفيتو لتعطيل أي قرار أممي يلزم إسرائيل وقف إطلاق النار (ولو لبضعة أيام لإدخال المساعدات وإسعاف الجرحى) وعلى الخط الموازي، تخشى أمريكا من اتساع نطاق الحرب، ليشمل أطرافا إقليمية، وما يمكن أن “تتدحرج” إليه تداعيات حرب، قد تسفر عن فوضى دولية تؤدي إلى أتساع ميادين القتال من الشرق الأوسط إلى أوروبا وشرق آسيا، فضلا عن تصرفات غير محسوبة من أطراف دولية أخرى مثل كوريا الشمالية التي تعتبر الولايات المتحدة المحرض والشريك الأساسي لإسرائيل في مجازر غزة، كما يصفها زعيمها كيم إيل جونغ. التقدير الاستراتيجي الأمريكي يرى خسائر فادحة قد تطالها، و”تخرب” بيت العرب، وتهدد مصالحهم الوطنية، إذا ما امتدت الحرب في الإقليم كما يلمح بلينكن وزير الخارجية الأمريكي في تصريحاته منذ العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الماضي وإلى الآن.. لذلك يجب الحرص على وأد اتساع الحرب قبل أن تولد، خصوصا وأن الفضاء الاستراتيجي الأمريكي شرق الأطلسي يتقلص كثيرا في ظل “مشاكل” واشنطن في أوكرانيا وبحر الصين الجنوبي.. الظرف الدولي العام غير موائم بالمرة لاتساع الحرب خارج نطاق غزة، وفقا لتقدير الموقف الأمريكي، إلى جانب ضغط الداخل، وانشغال البيت الأبيض بالانتخابات المقبلة نهاية العام.
بضاعة بلينكن
أهداف الجولات الأربع لبلينكن وزير الخارجية الأمريكي، ولقاءاته مع قادة المنطقة، الهدف منها كما يقول أحمد عادل هاشم، عزل أي طرف إقليمي يسعى إلى التدخل في ما يحدث في غزة، تحت تهديد مخاطر التدخل واتساع الحرب، لإفساح المجال أكثر وأكثر لآلة القتل الإسرائيلية لعلها تمضي قدما في مشروعها الصهيوني التوسعي، وابتلاع غزة للانقضاض على الضفة، وتهجير الفلسطينيين إلى الأردن ومصر. الجميع وافق على شراء بضاعة “اتساع الحرب” بما فيهم إيران والصين وتركيا، سواء برضا أو على مضض.. وإلى الآن، تنجح أمريكا في إعادة “تعليب” البضاعة وتسويقها بهدف تربيح إسرائيل أطول وقت ممكن للقضاء على غزة والقضية الفلسطينية برمتها. بضاعة أخرى يحاول بلينكن ترويجها للسعودية.. في الرياض التقى بوزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان قبل أن يتوقف في الإمارات العربية المتحدة، للدفع بعجلة التطبيع مع إسرائيل.. لم تمانع المملكة لكنها اشترطت الوقف الكامل لإطلاق النار وإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، وبدوره لم يمانع بلينكن، وقدم على الفور بضاعة أخرى، تؤكد صدق وجدية النوايا الأمريكية، في اتخاذ إجراءات ملموسة في اتجاه انسحاب إسرائيل من غزة تمهيدا للحلول الدبلوماسية للوصول إلى حل الدولتين، وأعلن إرسال ” بعثة أممية” إلى شمال غزة، لتقييم الأوضاع بشأن عودة النازحين، وأكد عدم ممانعة إسرائيل ذلك.. “بضاعة” غير صالحة للاستهلاك الآدمي، ومحكوم عليها بالعطب خلال رحلتها إلى شمال غزة على طرق يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي. في الإمارات وقطر ومصر والأردن ورام الله، يعيد بلينكن عرض بضاعته القديمة لـ”الزبائن” بالإعلان عن رفض واشنطن التام التهجير القسري للفلسطينيين، وضرورة عودة سكان غزة إلى ديارهم المهدمة، متجاهلا أن ما يعلنه سبق أن أعلنه وكرره من قبل: “لا لإخلاء غزة من السكان ودفعهم إلى اللجوء إلى مصر”.
جوهر الصراع
في محاضرة ضمن سلسلة لقاءات بعنوان: «فلسطين.. جوهر الصراع العربي ـ الإسرائيلي»، تعقدها لجنة الحريات في النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر، قال الدكتور عمار علي حسن في “المصري اليوم” أن البعد الثقافي للقضية الفلسطينية يتم التعامل معه بإهمال شديد، رغم أنه يمثل جوهرها، ويحمل جزءا كبيرا من الحل المنتظر لها. فالثقافة لا تقتصر على الآداب والفنون والعلوم الإنسانية، إنما هي أشمل وأعمق من ذلك، إذ تحضر في الرؤى والتصورات والأفكار العامة، والطقوس وطرائق العيش والخبرات والانتماءات والهويات والمخيلات والأحلام والذكريات وعلاقة الإنسان بالمكان والزمان وإدراكه لذاته ومجتمعه والعالم حوله، وفهمه أيضا للطبيعة. والآداب والفنون الفلسطينية على اختلاف ألوانها، ولاسيما الشعر، طالما دافعت عن القضية وروجت لها، لكنها لا تمثل وحدها الثقافة التي تحمل القضية على كتفها، إنما هناك الحكايات الشفاهية وأساليب الحياة التي علمت الفلسطينيين الصمود والثبات في أرضهم. الثقافة كانت العامل المنسي دوما، الذي لا يحضر إلا إذا عجز الباحثون عن تفسير ظاهرةٍ سياسيةٍ أو اقتصاديةٍ ما، فيرجعونها إلى أسباب ثقافية ترتبط بمعارف الناس والقيم التي تضبط سلوكهم، لكنها صارت عاملا أساسيا في التفسير خلال العقود الأخيرة. رغم ذلك، لا نزال نهمل البعد الثقافي في فهم طبيعة القضية الفلسطينية، أو التفكير في مساراتها ومآلاتها، وهو خطأ شديد، لأن إسرائيل قامت أساسا على ذرائع ثقافية مرتبطة بتأويلات نفعية للنص التوراتي عن أرض الميعاد.. وفي المقابل، يتكئ قطاع من الفلسطينيين على تصورات مناهضة، أو تسهم في تعبئهم خلال الكفاح ضد الاحتلال. وتحاول إسرائيل أن تضفي على القضية الفلسطينية طابعا يجعل منها “صراع هويات دينية”، ويجب عدم الانسياق وراء هذا، بل الرد عليه بإظهار الجانب الإنساني للقضية باعتبارها كفاحا من أجل تحقيق المصير، ونضالا ضد احتلال استيطاني. الحرب الدائرة على غزة أظهرت بوضوح أن قطاعا من اليهود يقفون ضد الاعتداءات الإسرائيلية، بل بينهم مَن يعتبر قيام إسرائيل خطيئة دينية وسياسية من الأساس، وإذا كان هناك مسيحيون إنجيليون يساندون إسرائيل لأسباب تتعلق بإيمانهم ببعض تأويلات العهد القديم، فهناك مسيحيون من الإنجيلية المشيخية لا يؤمنون بهذا، وخرج ملايين الكاثوليك في أوروبا والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية في مظاهرات رافضة الاعتداء على الفلسطينيين. هنا يجب أن يمد الفلسطينيون، ومعهم الشعوب العربية المؤيدة لهم، أيديهم إلى اليهود والمسيحيين وأتباع كافة المعتقدات وحتى اللادينيين والملحدين الذين يتعاطفون مع حقوق الشعب الفلسطيني لأسباب إنسانية. في الوقت نفسه، هناك ضرورة لفتح نوافذ التعامل مع فلسطينيي 48 الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية، وعدم اعتبار ذلك تطبيعا. إن حرب «طوفان الأقصى» تعيد تشكيل صورة إسرائيل، فيعي العالم جيدا أنها تمارس «الاحتلال التقليدي»، الذي قام قرونا في الحقب الاستعمارية، وكانت البشرية تظن أنها فارقت هذا الدرب.
أدرنا لهم ظهورنا
تصريحات مأساوية تلك التي أدلى بها أسامة حمدان – مسؤول العلاقات الدولية في حركة حماس، أصابتنا جميعا بصدمة وجعلتنا، وفق ما أكد بلال الدوي في “الوطن” نبكي على العدالة التي ترنحت والمبادئ الدولية التي انتُهكت والقيم الإنسانية التي دُفنت في التراب بلا عودة، تصريحات مَست قلوبنا وأيقظت مشاعرنا، وكشفت لنا عن حجم الألم الذي ينتاب الأشقاء في غزة. حمدان قال نصا: أهالي قطاع غزة يواجهون كارثة إنسانية بمعنى الكلمة في ظل نقص مقومات الحياة، وهو ما ينذر بارتفاع عدد الضحايا والمصابين بشكل كبير، فمن لم يمُت بالقتل أو القنص أو الحرق، سيموت بالجوع والعطش والمرض، وأُطالب سيجريد كاج – السياسية الهولندية – مُنسقة الأمم المتحدة للإشراف على شحنات الإغاثة الإنسانية إلى غزة، التي تسلَّمت مهامها يوم الاثنين الماضي بتحرُك عاجل وعمل جاد ينهي معاناة كل الفلسطينيين النازحين في قطاع غزة. وألا تخضع لكل ضغوط الاحتلال وإملاءات من يُقدمون الدعم للاحتلال بتعطيل المهام الإنسانية في القطاع، وأن تسعى بشكل عاجل إلى العمل على تدفُق المساعدات المطلوبة للقطاع، خاصة مناطق الشمال التي وصلت إلى حد «المجاعة الفعلية»، وأن تسعى إلى تسهيل دخول الوقود إلى المستشفيات والمخابز ومحطات المياه والصرف الصحي، وأن تعمل على تشغيل مراكز العمل المدني، التي دمرها الاحتلال. قالها أسامة حمدان إنها (مجاعة فِعلية في غزة). يا الله.. لم يعد هناك أي مصداقية للمنظمات الحقوقية الدولية فقد اختفت بياناتهم بعد أن كانوا يقلبون الدنيا ولا يُقعدونها عن تعرض مواطن للتعذيب أو حبس سياسي أو التنكيل بإعلامي، والآن أغمضوا عيونهم عن التنكيل بشعب بأكمله وقتل وتشريد شعب بأكمله، لم يرتجف لهم رِمش بعد انتشار (المجاعة الفِعلية) التي انتشرت في قطاع غزة، انتشرت الخيام في جنوب غزة.
هوان ومجاعة
الآن كما لاحظ بلال الدوي يتسابق الأهالي على الحصول على خيمة ليُقيموا فيها تمنع عنهم البرد الشديد في الطقس القارس البرودة، بعض الرجال اضطر للخروج من الخيمة ليتيح الفرصة للسيدات لكي يتسترن فيها ولو لساعات قليلة، إنها مأساة حقيقية والمسؤول الأول عنها الاحتلال الذي لا يرحم. في الحقيقة، القوى الدولية لم تعُد تهتم بما يحدث في غزة من خراب ودمار وهوان ومجاعة. اعتادوا على رؤية مشاهد الهدم والتشريد وانهيار المنازل، والجميع يعلم – تمام العِلم – بأن قرار وقف الحرب في يد الولايات المتحدة الأمريكية، لكن البيان الصادر عن البيت الأبيض قال نصا: لا إيقاف لإطلاق النار في غزة.. ما كل هذا البطش؟ ما كل هذا الجبروت؟ ما كل هذا الشر؟ هل تريدون استمرار قتل الأطفال؟ الوضع الداخلي في أمريكا يُؤكد حدوث تصدُع في علاقة جو بايدن – الرئيس الأمريكي بالرأي العام الداخلي، في كل الولايات، فالمظاهرات زادت والرأي العام غاضب والمعارضة غير راضية عن كل هذه الجرائم، بالتأكيد فإن أمريكا فَقدت الكثير من مصداقيتها منذ (7 أكتوبر/تشرين الأول) وحتى الآن، فقدت أمريكا عدالتها وأشياء أخرى وسيكون كل هذا عاملا مؤثرا جدا في انتخابات الرئاسة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، الوضع الداخلي في إسرائيل غير مُبشر. فالانقسامات تضرب الكنيست، والمُشاحنات تضرب الحكومة، والشارع الإسرائيلي يغلي من جرَّاء عدم الإفراج عن الرهائن والأسرى، ونسبة نزوح الإسرائيليين للخارج ارتفعت، وانهارت السياحة والبورصة، وأُغلقت المصانع وارتفعت معدلات البطالة بدرجة غير مسبوقة وتزايدت أعداد الشباب الذي يطلبون إعانة البطالة. كل هذا يمثل عبئا كبيرا على الاقتصاد الإسرائيلي الذي على وشك الانهيار، إضافة إلى ارتفاع مُعدلات الإنفاق العسكري ما يهمنا هنا في المقام الأول ضرورة وقف إطلاق النار حتى يتم البدء في إغاثة أهالي غزة الذين يعانون من الجوع والمرض والتشريد ولا يجدون الطعام والشراب والدواء والوقود.
أمريكا تتخبط
من الواضح أن الإدارة الأمريكية تجد نفسها تحت ضغط كبير، فهي من جهة وفق ما يرى محمد علي محمد في “الوفد”، لا تزال تقوم بتقديم الدعم للكيان الصهيوني من خلال الحماية السياسية والدبلوماسية، ويتضح ذلك من خلال المواقف التي تبنتها في محكمة العدل الدولية والدعوة التي رفعتها جنوب افريقيا، التي تلقى دعما من عدة دول أخرى أعلنت ذلك، والذي يأتي بالتزامن مع رغبة أمريكا في إرسال مساعدات عسكرية للكيان الصهيوني، ولكن يقابل بمعارضة من الديمقراطيين في مجلس الشيوخ الأمريكي. وتأتي زيارة وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن للمنطقة لإرسال رسالة مختلفة، وأن أمريكا تريد التوصل إلى بعض التفاهمات، وتقليص الخسائر وأنها لا تريد توسيع دائرة الحرب، ولكنها حتى الآن لا تتبنى الموقف الذي يطالب به الكثيرون في أمريكا والعالم العربي والعالم ككل، وهو وقف الحرب وإطلاق النار. في لقاء بين بلينكن والرئيس الفلسطيني محمود عباس، طالب بإجراء إصلاحات في السلطة الفلسطينية، وأكد تأييد اتخاذ تدابير ملموسة لإقامة دولة فلسطينية، وجاء رد السلطة الفلسطينية بمطالبة الولايات المتحدة بمراجعة مواقفها وإصلاح سياساتها والضغط على حكومة الكيان الصهيوني لوقف الحرب على غزة والإفراج عن أموال الضرائب. وفى الجهة الأخرى، لم يختلف الوضع كثيرا، حيث نقلت وسائل إعلام في الكيان الصهيوني عن مسؤولين حكوميين، أن اجتماعات بلينكن مع حكومة الكيان كانت متوترة بسبب إعلانه في اجتماع مع مجلس وزراء الحرب استحالة القضاء على حركة حماس بشكل كامل وضرورة تقبل طموحات الفلسطينيين.
الموقف الأمريكي
حجم الخلافات والضغوط التي مارسها بلينكن على حكومة الكيان يتضح وفق محمد علي محمد، من وجود اتساع الفجوة في المواقف بين الإدارة الأمريكية وحكومة الكيان الحالية وعلى رأسها نتنياهو، ولكن لم تصل المرحلة لوجود ضغوط على الكيان لوقف إطلاق النار في غزة. وحكومة الكيان لا تريد أن تسمع من الإدارة الأمريكية أي شيء يتعلق ببقاء حماس أو حل الدولتين، فهي تريد فقط الدعم العسكري والسياسي والدولي الأمريكي في المؤسسات الدولية كافة، وهذا ما تحصل عليه حكومة الكيان حتى الآن. ومع وجود التوتر في العلاقة بين الإدارة الأمريكية وحكومة الكيان الصهيوني، فهو لا يرقى إلى مستوى أن تقوم الإدارة الأمريكية بالضغط على حكومة الكيان، فهو مشكوك فيه بشكل كبير. وتقوم الإدارة الأمريكية في محاولة منها أن تأتي بخطط تلغي بها تبريرات الكيان قبل أن يأتي بلينكن للقاء حكومة الكيان، حيث قال خلال زيارته للسعودية، إنه قادم ومعه التزامات تركية وعربية تتعلق بما بعد الحرب على غزة، وأن هناك حديثا عن مسألة حل الدولتين وأن غزة والضفة الغربية وحدة واحدة. وعندما ذهب للكيان الصهيوني تغيرت المسائل بشكل كبير وتحدث بطريقة أخرى ومختلفة في محاولة لإقناع نتنياهو بأن هناك تطبيعا مع السعودية، وأن حل الدولتين لصالح الكيان، وكأنه يريد أن يقنع حكومة الكيان بتبني المواقف الأمريكية لتنفيذ أهداف حكومة الكيان في الحرب على قطاع غزة بالسياسة وليس بالحرب، من خلال حديثه عن قوات تركية وعربية لحفظ الأمن في قطاع غزة، فهو يحاول أن يأتي بمواقف تخدم الكيان الصهيوني، ولكنه يصطدم بـ«حكومة يمينية متطرفة»، وعلى رأسها نتنياهو. فهل تؤشر مواقف بلينكن وتصريحاته على بداية تحول في الموقف الأمريكي؟
ضيوف مصر
تنبهت مصر المضيافة منذ فجر التاريخ وحتى الآن إلى ضخامة عدد اللاجئين الذين يعيشون على أرضها، ويتمتعون بكل خيراتها. وهم من 133 دولة في العالم. أي كما قال يوسف القعيد في “الأخبار” من الدنيا كلها.. وكان هذا قدر مصر ودورها العظيم على مدار التاريخ منذ أن وُجِدت الدُنيا وحتى الآن. وربما كانت المرة الأولى التي تنتبه مصر إلى القضية وتوليها كل هذا الاهتمام ابتداء من رئيس الدولة، وانتهاء عند الوزراء المعنيين. وهكذا وجهت وزارة الداخلية نداء لكل الضيوف الموجودين على أرضنا بالبدء في اتخاذ إجراءات الإقامة الخاصة بهم اعتبارا من أول يناير/كانون الثاني الحالي. ربما كانت وزارة الصحة والسُكَّان من أكثر الوزارات تدقيقا في هذا الأمر. فالدكتور خالد عبد الغفار وزير الصحة والسُكَّان يرى أن في مصر 9 ملايين لاجئ أتوا من 133 دولة.. وأن هؤلاء الضيوف ولا أقول الغُرباء يُركِّزون حياتهم في 5 محافظات: القاهرة، ثم الجيزة باعتبارها جزءا من القاهرة، والإسكندرية والدقهلية ودمياط. والبعض منهم يعيش على أرض بر مصر منذ عشر سنوات. ومن المؤكد أنهم يُعاملون كأبناء مصر تماما من ناحية خدمات التعليم والصحة وكل مناحي الحياة، ما دفع وزارة التربية والتعليم إلى التوسع في إقامة المدارس الجديدة والفصول غير العادية حتى يُسهم ذلك في استيعاب حجم الزيادة في أعداد الطُلاب أبناء ضيوف مصر. ومن المعروف عن مصر على مدى التاريخ كله أنها كانت قِبلة لكل من يقصدها ويلجأ إليها. ومن يقرأ كتاب “فجر التاريخ” لجيمس هنري بريستد، يُدرك أن هذا كان دور المصريين منذ قديم الأزل.. آن الأوان أن تكون لدى مصر معلومات دقيقة حول هذا الموضوع.