يحمل تمثيل دور المنتصر أكثر من وجه. من تلك الأوجه محاولة إخفاء مشهد الهزيمة، عن طريق خلق مشهد آخر يلفت انتباه المشاهدين، وإشاعة صورة ذهنية جديدة محل صورة مشهد الهزيمة. وهناك من يعتقد أن الصورة الذهنية هي أقوى من الحقيقة في عصر طغيان الصور الذهنية التي يصنعها الإعلام بوسائطه المتعددة، وأن الباطل يمكن ترويجه على أنه حق، وأن الهزيمة يمكن ترويجها على أنها انتصار. وإذا كان قياس النصر يتم بإحصاء عدد الضحايا المدنيين، وعدد المساكن التي تم تدميرها، وعدد الأسر التي زالت تماما، والأطفال الذين قتلوا وجرحوا وتيتموا، فإن إسرائيل قد حققت الكثير من ذلك وما يفيض. لكن هذه المقاييس نفسها هي قرائن ارتكاب مذبحة ضد البشرية، مذبحة ضد شعب يقاتل من أجل وطن آمن كغيره من شعوب العالم. وهذا هو موضوع الدعوى التي رفعتها حكومة جنوب أفريقيا، وهي حكومة دولة غير عربية، أمام محكمة العدل الدولية. وقد بدأت المحكمة في نظر الدعوى يومي الخميس والجمعة الماضيين، لتقرر أولا في شأن ضرورة وقف المذبحة وحماية الضحية والمحافظة على الأدلة، كخطوات أولية قبل الشروع في التحقيق وإصدار حكم نهائي. وهناك قدر كبير من الإجماع ببن فقهاء القانون في العالم على أن ما يحدث في غزة هو حرب إبادة ضد الفلسطينيين ترتكبها إسرائيل عمدا وجهرا أمام العالم كله، وأن الدلائل على ذلك قائمة وموثقة. ومع أن إسرائيل تحاول صرف الأنظار عن جرائمها في غزة، بارتكاب جرائم أخرى في الضفة الغربية وجنوب لبنان وسوريا، إلى جانب الضغط على حلفائها لشن حرب على اليمن، فإن صحوة الضمير العالمي التي صنعها صمود غزة العزة، أقوى من كل محاولات التضليل. إن قبول دعوى اتهام إسرائيل بارتكاب جريمة إبادة بشرية ليس إلا واحدا من تجليات صحوة الرأي العام العالمي، وهو ما يمثل انتصارا صريحا للصمود الفلسطيني، وهزيمة مخزية للوحشية الإسرائيلية.
لقد فشلت إسرائيل في تحمل أعباء الحرب بعد ثلاثة أشهر من العمليات القتالية في غزة الصامدة وعجزت عن تحقيق أهدافها. فشلت سياسيا في الداخل وأمام العالم كله، وفشلت عسكريا إلى الحد الذي اضطرها إلى سحب لواء غولاني في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي، بعد أن أصيب بخسائر فادحة بشرية ومادية ومعنوية، كما اضطرت إلى سحب خمسة ألوية احتياط في الأسبوع الأول من الشهر الحالي، بعد أن ثبت أن جنود وضباط الاحتياط أقل كفاءة وأقل انضباطا، كما أن احتياجات تشغيل الاقتصاد المترنح ضغطت إلى التعجيل بذلك. وأصدرت قيادة الجيش أوامر إلى جنودها بعدم الاشتباك مع رجال المقاومة الفلسطينية، ولكن الإبلاغ عنهم إلى مراكز القيادة لطلب إسناد جوي يتولى قصفهم من الجو، وذلك بعد أن ارتفعت الخسائر البشرية وزاد عدد جثث العسكريين التي ترجع لهم في أكياس الموتى من غزة كل يوم. كذلك فإن حكومة إسرائيل تخبطت في الأسابيع الأخيرة بين محاولة استعادة بقية المحتجزين بالقوة وبين الرغبة في التفاوض غير المباشر مع حماس لإطلاق سراحهم، وهو ما يغذي أزمة سياسية هناك داخل الحكومة، وبين الحكومة والمجتمع.
إعادة ترتيب الأوضاع في غزة
لن تستطيع أي قوة إعادة ترتيب الأوضاع في قطاع غزة من دون مشاركة حماس. ومن يحاول أن يفعل من العرب سيقع عليه حكم الخائن الذي جاء على ظهر دبابة إسرائيلية، ليبني لنفسه دورا لصالح إسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني. وإذا كانت إسرائيل تريد أن تصنع لنفسها قناعا دوليا وعربيا تخفي وراءه هزيمتها، فإنها لن تجده، لأنه لا إعادة لترتيب الأوضاع في غزة من دون إنهاء الاحتلال والحصار، وإطلاق سراح الأسرى والمحتجزين من الجانبين على أساس مبدأ «الكل مقابل الكل» وعودة الفلسطينيين إلى بيوتهم في كل أنحاء غزة لكي يعيدوا بناءها بسواعدهم، بمساعدة من يريد تقديم مساعدة خالصة لوجه الله، من دون مآرب خاصة أو شروط، والبدء في وضع قواعد إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وبناء مؤسساتها السياسية والإدارية الموحدة. إسرائيل لا تستطيع إدارة قطاع غزة لأنها قوة احتلال تصطدم بالمقاومة، ولا يتوافق بقاء الاحتلال مع الإرادة الوطنية المستقلة. وإذا أرادت إسرائيل أن تدير غزة باعتبارها قوة احتلال فإنها فشلت قبل أن تبدأ، لأنها لا تستطيع البقاء عسكريا بعد أن تحولت أرض غزة إلى صاعقة، وأصبحت فوهات الأنفاق فوهات براكين تقذف الاحتلال باللظى. وغدا سيكبر الصغار الذين رضعوا شقاء ومعاناة هذه الحرب، وسيعرفون كيف يكون الانتقام من عدوهم، أينما كان وفي أي زمان. لا بقاء للقوات الإسرائيلية في غزة، ولن يستطيع حلفاؤها والمتواطئون معها نزع ثوب الذئب عنها، كما لن يستطيعوا تصوير المقاومة الفلسطينية على أنها سبب مأساة الشعب الفلسطيني، أو تزييف التاريخ بخلق صور كاذبة عنها من خلال أبواق الإعلام الصدئة والبيانات السياسية الصفراء. لن يستطيع أحد تزييف التاريخ، لأن وحشية حرب الإبادة ضد الفلسطينيين موثقة بالصور والكلمات والبكاء والصرخات، ولأن تاريخ المأساة الفلسطينية لم يبدأ في 7 أكتوبر 2023 وإنما بدأ قبل ذلك بأكثر من قرن من الزمان فاضت فيه أرواح مئات الآلاف، وسالت فيه شلالات الدماء الزكية دفاعا عن الحق الفلسطيني الذي لا يموت.
غزة ستبقى فلسطينية
في كل ما طرحته مراكز البحوث وصناعة الفكر في العالم، قد تختلف الآراء حول دور حماس، أو دور السلطة الوطنية في مستقبل غزة بعد انتهاء الحرب، لكنها لا تختلف على أنه لا دور لإسرائيل في غزة، وأن غزة جزء من الأرض الفلسطينية المحتلة، ويجب أن تحكمها سلطة معبرة عن الفلسطينيين حتى يعيشوا فيها بسلام. لكن الانتقال من الحرب إلى السلام لا يتم بين يوم وليلة، وهو ما يعني ضرورة المرور بمرحلة انتقالية تتوافق مع حقائق نهاية الحرب. وعلى رأس تلك الحقائق أن القوات الإسرائيلية تخرج الآن من غزة وهي تجر أذيال الخزي والعار، وما تبقى منها ينزف كل يوم. وفي محاولة لحل معضلة ترتيبات ما بعد الحرب تذهب معظم الاقتراحات إلى ضرورة تشكيل ائتلاف فلسطيني – عربي – دولي، لا تشارك فيه إسرائيل، وذلك للقيام بإنجاز أربع مهام رئيسية هي: الإدارة المدنية، وتحقيق الأمن وسيادة القانون، والبدء في إجراءات الإعمار، وتمهيد الأرض السياسية لإجراء انتخابات عامة في دولة فلسطين المستقلة على أرض فلسطين المحتلة منذ 5 يونيو 1967. وفي مواجهة ذلك تحاول إسرائيل تشكيل ائتلاف إسرائيلي – عربي لإدارة غزة كليا أو جزئيا، وهي محاولة مكشوفة لتقديم غطاء تتستر به إسرائيل لإخفاء هزيمتها في غزة. ولا أظن أن دولا عربية لها علاقة بتاريخ القضية الفلسطينية من قريب أو من بعيد مثل مصر والمغرب والسعودية وقطر، تقبل بإرسال قوات من عندها إلى غزة لتوفير غطاء للاحتلال الإسرائيلي، أو حكم قطاع غزة لصالح إسرائيل، أو تمكين إسرائيل من فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية والقدس الشرقية. ومن يفعل سيكون خائنا مكشوفا، ولا أظن أن جنديا تجري في شرايينه دماء عربية سيقبل أن يكون عصا على الفلسطينيين تضرب بها إسرائيل.
ما بعد الحرب:
أزمة سياسية في إسرائيل
إن إسرائيل لم تنتصر حتى يكون لها حق أن تفرض شروطها بشأن مرحلة ما بعد الحرب في غزة، ومن الدلائل القوية على ذلك أن قيادتها انقسمت على نفسها في اللحظة التي أدركت فيها أغلبية القوى السياسية والجيش أن البقاء في غزة خسارة صافية، وأن القوات الإسرائيلية يجب أن تهرب بسرعة من مستنقع حرب العصابات الذي وقعت فيه، لأنها لن تستطيع تحمل الخسائر في الأجل الطويل. ومع بداية الهروب من المستنقع بدأت تتناثر شظايا الحرب الداخلية في إسرائيل، بين فريق المؤسسة الأمنية الذي يضم قيادات الجيش والمخابرات والأمن الداخلي، وفريق آخر يمثل جزءا من المؤسسة الحكومية يضم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي يعلم أن مصيره هو الزوال السياسي بعد الحرب، ومعه اليمين الديني الصهيوني المتطرف بقيادة كل من إيتمار بن غفير وزير الأمن القومي، وبتسلئيل سموتريتش وزير المالية، وهو أيضا الوزير المسؤول في وزارة الدفاع عن الضفة الغربية. كل من الفريقين يريد تحميل الآخر مسؤولية الفشل في الحرب، والنجاة بنفسه من حبل الإعدام السياسي الذي أنهى الحياة السياسية من قبل لقيادات المؤسستين العسكرية والسياسية بعد حرب أكتوبر 1973. ولن تفلح محاولات إسرائيل في تصوير الفشل في حرب غزة على أنه انتصار، لأن الحرب لم تحقق أيا من الأهداف الثلاثة التي أعلنها نتنياهو، فما تزال المقاومة الفلسطينية تقاتل وتطلق الصواريخ، وما تزال أسر المحتجزين الإسرائيليين تنتظر عودتهم التي وعد بها نتنياهو. ولن تفلح إسرائيل في احتلال غزة أو جعلها قاعدة أمنية تعمل لحسابها.
مبررات الحاجة
إلى مشروع عربي
إن غياب مشروع عربي متكامل لإعادة ترتيب الوضع في غزة يترك فراغا سياسيا واسعا، يساعد إسرائيل على استخدامه في أغراض المناورة والتزييف. في الوقت الحالي تعبر معظم المشروعات المطروحة لما بعد الحرب في غزة عن وجهة نظر إسرائيل والولايات المتحدة. ومن الضروري صياغة وتطوير مشروع عربي لترتيبات ما بعد الحرب بما يضع هذه الترتيبات داخل إطار رؤية إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على أرض فلسطين المحتلة، ويضع نهاية لقرن من الصراع الذي لن يهدأ إلا بحصول الشعب الفلسطيني على حقوقه الوطنية الأساسية. وفي إطار هذه الرؤية فإن أهم أولويات إعادة ترتيب الأوضاع في غزة من وجهة النظر الفلسطينية – العربية تشمل ما يلي:
أولا: أن يكون الإنسحاب وإنهاء الاحتلال والحصار على رأس الأولويات، وهو ما يتطلب توافقا فلسطينيا وعربيا على تجنب الإنزلاق إلى مواقف مبنية على مساومات أو تنازلات تنتهي إلى تبرير استمرار الاحتلال بأي صيغة من الصيغ، مقنّعة كانت أو صريحة. ثانيا: دعم إرادة الصمود للفلسطينيين في غزة حتى يتحول هذا الصمود إلى انتصار سياسي، مع التسليم بدور حماس في إعادة الروح السياسية للقضية الفلسطينية وحمايتها من الإنزلاق إلى سلة القضايا الإنسانية المجردة من السياسة. وفي هذا السياق يتقدم حق عودة كل الفلسطينيين إلى مساكنهم، ومواجهة سعي إسرائيل إلى التلاعب بهذا الحق تحت أي مبرر، حتى لو كان ذلك هو التحجج بعدم وجود مساكن صالحة للإيواء.
ثالثا: ضمان عدم تجزئة القضية الفلسطينية أو فصل غزة عن الضفة والقدس الشرقية، وهي ما يجب أن يترافق مع رفض إقامة سلطتين منفصلتين رسميا أو فعليا، واحدة في الضفة والأخرى في غزة.
رابعا: أن يكون إعادة ترتيب الأوضاع في غزة مدخلا وجزءا لا يتجزأ من العملية السياسية الهادفة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة على الأرض الفلسطينية المحتلة في عام 1967 يعيش فيها الشعب الفلسطيني في سلام مع نفسه ومع جيرانه ومع العالم. هذه الأولويات يجب أن تتوازى مع برنامج عمل تنفيذي، ومساندة للمقاومة ماديا ومعنويا، ونشاط دبلوماسي فعال لوضعها موضع التنفيذ بنجاح.
خامسا: ضرورة وجود ضمانات كافية لأمن الفلسطينيين داخل وطنهم وحمايتهم من الاعتداءات الإسرائيلية، وأن تشارك في تلك الضمانات القوى الرئيسية في العالم. وقد ثبت من حرب غزة، والاعتداءات اليومية الوحشية على الفلسطينيين في الضفة الغربية، ومنها القدس الشرقية أنهم محرومون من أي شكل من أشكال الحماية الدولية والضمانات الأمنية، في حين أن إسرائيل المعتدية الغاصبة تتمتع بحماية مطلقة من أكبر قوة عسكرية على ظهر الأرض، وأنها رغم ذلك تصرخ مطالبة بضمانات أمنية لحمايتها من أصحاب الحق.
إن وجود مشروع وطني فلسطيني بدعم عربي ودولي لمرحلة ما بعد حرب غزة من شأنه أن يضع حاجزا قويا أمام محاولات إسرائيل وحلفائها تحقيق نصر سياسي من هزيمة عسكرية، أو السعي لتبرير استمرار الاحتلال واخضاع قطاع غزة للقبضة الأمنية الإسرائيلية، والسعي لبناء إدارة عميلة لإسرائيل في غزة، واستمرار احتجاز الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، وفصل قطاع غزة عن بقية الأرض الفلسطينية المحتلة، وتطبيق برنامج لتهجير الفلسطينيين قهرا من غزة ومن الضفة الغربية والقدس الشرقية، تحت لافتة كاذبة عن «الهجرة الطوعية» و العمل ليلا ونهارا على تصفية القضية الفلسطينية واغتيال هدف إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.