في “دولة غزة”… هل جربنا حل الدولتين وفشل؟

حجم الخط
0

 منذ الكارثة في 7 تشرين الأول يدور في أوساط بقايا اليسار الإسرائيلي نقاش حاد حول “مسألة السياق”: لا علاقة سببية ملموسة لهجوم الإبادة الجماعية الذي شنته حماس ضد مواطني إسرائيل، وأي محاولة لتقديم مثل هذا التفسير ستصل في الحقيقة إلى مستوى تبرير المذبحة.

 من يؤيدون فرضية السياق يقولون إنه لا يمكن فصل عنف حماس الجماعي ضد الإسرائيليين الأبرياء عن جرائم الاحتلال الإسرائيلي، خاصة عن التجربة الفريدة التي أجريت على مليوني إنسان – الحصار الإسرائيلي لقطاع غزة. في المقابل، من يرفضون فرضية السياق يقولون إن الأمر يتعلق بمحاولة ظالمة ومرفوضة أخلاقياً لاتهام الضحية، ولا صلة بين اغتصاب النساء وقتل الأطفال وبين النضال من أجل العدالة والحرية للشعب الفلسطيني. من الممتع رؤية إلى أي درجة بات هذا النقاش اليساري الداخلي مقطوعاً عن الروح السائدة عقب 7 تشرين الأول في أوساط الإسرائيليين العاديين. ففي حين تتجادل حفنة من اليساريين حول مسألة علاقة الاحتلال في فهم أسباب المذبحة، فإن معظم الإسرائيليين على قناعة بأن الاحتلال الإسرائيلي لم يكن موجوداً أبداً في يوم السبت اللعين. وكل ذلك ليس بالضرورة لأن “شعب إسرائيل لا يمكن أن يكون محتلاً في أرض إسرائيل” – المفهوم الذي يميز اليمين المتدين – بل لأن إسرائيل كما يرى أغلبية الإسرائيليين، لم تسيطر منذ فترة طويلة على مصير ومستقبل الفلسطينيين، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين في قطاع غزة.

  هذه الرواية التي يمكن سماع صداها في كل محادثة في الشارع الإسرائيلي بعد 7 تشرين الأول، توضح الفرق الجوهري بين تجربة خيبة الأمل بعد الصدمة في أوساط حفنة اليساريين من جهة، وأغلبية الإسرائيليين من جهة أخرى. جزء من اليساريين الذين يعتبرون أنفسهم الآن “خائبي الأمل ومستيقظين” استنتجوا أن التفكير في إمكانية بلورة اتفاق حول دولتين ليس سوى وهم. في المقابل، يعتقد الإسرائيليون العاديون أن حل الدولتين تمت تجربته في السابق على الأرض، في إسرائيل وفي غزة، بل إن إسرائيل وافقت على تخصيص جزء من مواردها للدولة في غزة، وظهرت نتائج هذه التجربة مخيفة: غزو القوات العسكرية لدولة غزة لحدود إسرائيل.

 مع وجود يساريين “استيقظوا” من حلم الدولتين، فإن أغلبية الإسرائيليين في المقابل “استيقظوا” مما يعتبرونه تجسيداً لنموذج الدولتين في الواقع. ولأن مرحلة الدولتين بالنسبة لهم تجربة غير ناجحة، يجب تبني البديل الواقعي الوحيد الذي يخطر ببالهم، وهو احتلال كل قطاع غزة وفرض حكم عسكري مباشر عليه. من الوضع الذي فيه معظم الإسرائيليين على قناعة بأننا نعيش في عهد ما بعد الدولتين بعد 7 تشرين الأول، تظهر نتائج حاسمة، من الأفضل لبقايا اليسار الإسرائيلي أن تعترف بوجودها. الأولى، أن تؤيد أغلبية الشعب الإسرائيلي لفترة طويلة استمرار قتال إسرائيل في القطاع بهدف تدمير “الدولة الفلسطينية” المعادية ومنع العودة إلى نموذج حل الدولتين الفاشل والمدمر. الثانية، الإمكانية الوحيدة لدفع جزء من الإسرائيليين العاديين إلى الاعتراف بصلاحية حل الدولتين هي إقناع بعضهم بأن النموذج الوحيد بين إسرائيل وقطاع غزة، الذي كان قائماً منذ الانفصال وحتى 7 تشرين الأول، كان بعيداً جداً عن الاتفاق بين دولتين. صحيح أن محاولة الإقناع هذه بمثابة عمل “سيزيفي” في الواقع الحالي، ولكن رغم ذلك، لم ولن تكون هناك أي طريقة أخرى تجعل الإسرائيليين يؤمنون بوجود أفق سياسي.

 ديمتري شومسكي

 هآرتس 17/1/2024

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية