أنا … وإمام

حجم الخط
0

أحمد محمد امينهو ينتظرني أسفل المبني ويُنادي عليّ، وأنا مع آخرينَ نحملُ طوس السمنت نُفرغها أمام الاُسطة الذي يقوم بتسوية أرضية الشرفة الطويلة في الطبقة الخامسة. رأيته، رأيتُ صلعته، ثمّ وجهَه الذي رفعه نحوي وناداني: إنزلْ سآخذُك في رحلة عجائبية الى أحد الكوخوزات. تذكرتُ ما يُشبهُ هذا الإسم (الكولخوز) يومَ كان متداولاً في الأدبيات الماركسية قبل نصف قرن. كنتُ مُتعباً وثيابي مُلطّخة بالسمنت. ظلّ يُلحّ عليّ في النزول. لا أتذكّرُ كيف صعدنا الى هنا وكيف ننزل. صحتُ: لا أعرف كيف أنزلُ، ولا أعرف أين السلالم ُ. ضحك من سخف كلامي، ضرب الهواء بقبضته وصاح: إرم ِ بنفسك. أجبتُه بهزء: سأموتُ، كيف ارمي بنفسي من هذا العلو؟

؛ ردّ بحماسة: لا عليك، أنت تحلمُ، ولا أحدَ يموتُ في الحلم، جرّبْ، أنا في حاجة الى صحبتك. لقد طلبونا هناك، وافضّلُ أن تكون معنا.

هيّا تسلقِ السياج واقفز وكان هذا الحوارُ لا يسمعه الّا سوانا. استغرب الاُسطة من تماهلي، بينما باقي العمال يأتون محمّلين بطوس السمنت ويعودون وأنا واقف وراءه. حين أحسّ بتأخري التفت نحوي ونهض وضربني على قفاي بالفأس. وهويتُ من فوق السياج، وسط ذهول الجميع، على الأرض أمام صديقي إمام… وهذا اسمه.. وقفتُ غبّ سقوطي على رجليّ. لكنّ ألم َالفأس ما زال يصلّ في ظهري. رشقتُ الاُسطة بسيل من الشتائم، ولا أدري أسمعني أم لا؟ عندئذ همس إمام: ألمْ أقل لك إنّ الحالم لا يموتُ في سوح أحلامه رفع رأسه وارسل رشقة من الشتيمة نحو الاُسطة، ومضينا بعذ أن ساعدني على نفض بقايا السمنت من ثيابي. لكنْ الى أين؟ الى الكوخوز أجاب. وكنتُ في شوق لرؤيته. شيء سمعتُ مثله أيامَ فتوتي واقترن بثقافتنا. في نهاية الشارع كانت زوجته بانتظارنا. فرحّبت بي ومضينا، توغلنا في أزقة مُتربة، وعلى جانبينا بيوتٌ طينية ذات أبواب خشبية مُغلقة ومفتوحة. وترامت الى أسماعنا صيحاتُ العراك واللغط والحوارات الساخنة، بل الكركراتُ والضحكاتُ والاُغنيات المُنبعثة من أجهزة الراديو. وما أن ينتهي زقاقٌ حتى يتلقفنا آخرُ وآخرُ بعدَ أن نلتفّ يميناً أو يساراً. كان الوقتُ سديماً لا نعلم أكنا في أول النهار أم في آخره؛ ثمّ أخذنا زقاقٌ الى نهايته وقبالتنا نهرٌ وراءه صفٌّ من البيوت تُشرفُ أبوابها ونوافذها عليه. مضينا يميناً مع مجراه الأعمق من الطريق. كان ضحلاً سريع الجريان، ووصلنا الى جسر خشبي متداع على ميسرتنا، عبرناه بحذر الى الضفة الثانية. وجرينا عكس التيار الى مكان يحتشد بجمع من الناس. كنتُ انتظر بشغف رؤية الكوخوز. استقبلَ إمامُ وزوجتُه بترحاب حميم، ولا احدَ احتفل بي. تقدّم نحوهما رجلٌ يحملُ عصوين طويلتين مرنتين تنتهيان بخيطين في نهايتيهما سنارتان. طلب اليهما أن ينزلا الى النهر ويتوغّلا فيه. آنئذ ٍ يرميان بالسنارتين وسط الماء الجاري. نظرتُ اليهما من عل ٍ وهما يخوضان فيه حتى الركبتين. كان الماءُ صافياً وسريعاً يُصدر غمغمة عالية حين يصده حجر ٌعال، وعلى طول المجرى اُناسٌ يُطلون على النهر وعلى الصيّادين المُصطفين أمامهم عند حاشيته، مُمسكين بعصوات الصيد. نسيني إمام تماماً كما لم أكن بصُحبته. ونسي أن يُريني الكوخوز الذي من أجله جاء بي وما زال لُغزاً يقضّ مضجعي. وبتُ اتساءلُ: حتام يظلون في الماء وسناراتهم تنامُ طيّ الحصوات اللامعة؟ أحياناً تمرّ سمكة ٌ أو إثنتان بحذر بعيدتين عن سنارات الصيادين. كنتُ أرى من مكاني النهر وكائناته أفضل من الخائضين فيه، المُمسكين بعصيّهم، ويُحرّكونها بين آن وآن حسب تعليمات تصدر اليهم من فوق. مضى وقتٌ، عراني فيه المللُ، غبئذ ٍ علا صراخٌ: لقد اصطدتُ واحدة ً. رفع الرجلُ عصاه وسحب َالخيط وتشبثت ِ السنارة بسمكة ظلت تتخبط وسط زغردة وهلاهل الواقفين على الضفة. قبض الصيّادُ باصابعه على صيده الطريّ. كانت كبيرة تزن بضعة أرطال. لم يُحرّك أحدٌ من الصيادين الآخرين ساكناً ولا نبسوا بكلام. التفتوا اليه مبتسمين ثمّ عادوا الى صمتهم. وعدتُ أنا صاعداً الجسر عابراً الى الضفة التي جئنا منها. كان إمام وزوجتُه يقفان على أرجلهما مثل بقية الصيّادين بانتظار الصيد الثمين. حين صرتُ قبالتهما بدوا لي مثل صنمين داخل الماء ناظرين في قاعه. استغربتُ تجاهلهما إياي من دون وداع. اذاً هذا المشهد هو الكوخوز الذي وعدني بمشاهدته حيثُ يستحيلُ فيه الآدمي الى حجر أو تمثال، وينسى أعزّ أصدقائه. كنتُ أتمنّى لو أنّ أحدَهم أفهمني معناه الذي أجاء بي من أجله إمام الى هنا. وسبّب لي ضربة الفأس التي لم تزل توجعُ ظهري، وقطعني عن عملي. عدتُ، لكنْ الى أين؟ فأنا لا مكانَ لديّ أذهبُ اليه سوى اليقظة. وقد يظلّ إمامُ وزوجته مع بقية المُغفلين في الماء طوال زمن الحلم أوبعده. فأنا هنا غريبٌ جاءت بي مصادفة ٌ عشوائية الى فضاء حلمي تتشظي فيه مبان ٍ تُبنى، وأزقة فقيرة ذات بيوت طينية واطئة متهافتة، وهذا النهر الجميل المشقشق ماؤه، المزدحمة احدى ضفّتيه بعديد من المغفلين، يلعبون مع المستحيل. والمُحيط بشارعين وراءهما صفوف من البيوت ذات ابواب خشب عتيقة تشم خلالها رائحة الزمن العابر. وتسمعُ وراءها عياطُ النسوة وزعيق الأطفال، كان بوسعي أن أرى سيقان النسوة خللَ فتحات الأبواب وهنّ جالساتٍ جوار الطشوت المليئة بالثياب ووغف الصابون الذي يُغطي أيديهن حتى الساعدين. بل حطّت عيناي على عينين عاشقتين مستغرقتين في حلم أسيان. تراقبانني من فتحة الباب مذ ولجتُ الزقاق حتى خروجي منه. فما أبهى هذا الوجه المليء بالشغف والاُمنيات المستحيلة. وما أوردَ هذه البسمة التي رماني بها. كنتُ انظر الى عنقها الطويل وقلادة الذهب التي تُطوّقُه. سأظلّ أتوكأ على هذا الوجه البغدادي ما حييت، واراها لدن كل فتاة تُشبهها. لكنْ أتتذكّرني هي كما أتذكّرها؟ كنتُ أجري ضدّ مجرى النهر، عينٌ في الماء النضر يخلبُ اللبّ وعينٌ على الأبواب الناغمة تبثّ اصواتاً مختلفة وتعلوها شناشيل ُ ذات زجاج ملوّن مختلف الاشكال، وأكادُ أرى أسيجة السطوح الخشبية، واسلاك الكهرباء والأريلات. بعد مسافة تركتُ هذا الطريق فدخلت زقاقاً على يميني تاركاً النهر ورائي. تُرى من أينَ يجيءُ واين سيُلقي عصا الترحال؟ كنتُ إبانئذ اجري بعشوائية بين الأزقة.

عارفاً أنْ لا ملاذ لي. ثمّ وجدتثني في مكاني الأول على شرفة الطبقة الخامسة بعد أن فتحتُ يديّ مثل جناحين وطرتُ نحوها. كنتُ لم أزل أحملُ طاس السمنت واُفرغه أمام الاُسطة فيبسم لي كأنّ شيئاً لم يحدثْ قطُ. أمّا (إمام ) فما زال في الأسفل يُناديني: انزلْ سآخذُك الى الكوخوز، عندئذ ٍ تجاهلته.

ظلّ يُناديني حتى تعب، ثمّ انصرفَ، ربّما ذهب وحدَه الى بُغيته، ليتكلّسَ ثمة مع المخدوعين مثله. وكنتُ أجيءُ واعود بين ماكنة السمنت والشرفة، ولا أدري الى متى أظل هكذا اراوحُ في المكان ذاته؟ ومتى سينتهي هذا الحلم؟ وحين قفل أبوابه ورماني خارجه كنتُ لم أزلْ في فراشي وانتهيتُ من نوم القيلولة، أحسستُ ألماً في ظهري وخيوطاً من العرق تجري على صدري وظهري. في المغاسل مسحت جسمي بالمشنفة، وفي المطبخ كرعتُ قدحاً من الماء البارد وارتحتُ. كنتُ افكر في إمام وزوجته هناك، ترى أظلا على حالهما، أم تمرّدا وفرّا الى جهة مجهولة؟ …..’ كاتب من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية