اكتسب تعبير «النصر الإلهي» حمولة دلالية ملغومة للغاية، انطلاقاً من لبنان، عقب حرب تموز/يوليو 2006، عندما استخدمه أنصار حزب الله لوصف نتيجة الأعمال العسكرية، التي شنّها جيش الاحتلال الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية. بالنسبة لخصوم الحزب السياسيين، وكثير من المواطنين العاديين، بدا التعبير أشبه بتعليق ساخر وعبثي على كارثة، حلّت بحياة الناس والبنية التحتية، ولم يشف منها لبنان حتى اليوم، ما دفع لجدل كبير حول معايير النصر والهزيمة، في تفكير وعقيدة حركات مقاومة الاحتلال المعاصرة. وكان الانطباع السائد بين المعارضين أن «النصر الإلهي» ليس إلا طريقة بلاغية ودينية، للتغطية على مغامرات عسكرية لا معنى لها، ولا تؤدي سوى للدمار، دون تحقيق مكاسب فعليّة على الأرض؛ فيما أصرّ مؤيدو «النصر» على أن استمرار المقاومة، وعدم الاستسلام للعدو، وتكبيده خسائر فادحة، هو بحد ذاته إنجاز، لطالما عجزت عنه أكبر الدول العربية، بجيوشها المتضخّمة.
إلا أن هذا السجال، الذي خيض على منابر الإعلام الجماهيري، لم يركّز بما فيه الكفاية على دلالة «الإلهي» في «النصر» التي قد يمكن شرحها كما يلي: ما حدث يخالف سير الأمور الاعتيادي، وما نتوقّعه من دراسة موازين القوى، والمصالح الصغيرة والضيقة لهذا الطرف أو ذاك، فجيش دولة نووية، مدعومة من الدول المسيطرة على النظام العالمي، فشل في تدمير مجموعة من المقاتلين، الذين يجاهدون بأساليب بدائية، لدى مقارنتها في إمكانات العدو. هذا يبدو خرقاً لـ»القانون الطبيعي» نفسه، ويكتسب سمات المعجزة. والمعجزة لا تعني بالضرورة الحكاية الخرافية، التي تظهر فيها كائنات ما ورائية، وإنما قدرة الناس على تجاوز عجز ما، يوقعهم في عبودية ظروفهم القاهرة، عبر الإيمان، وبذل الجهد الأخلاقي، واحتمال الأذى في سبيل المعتقد، والالتزام بتعاليم روحية، لها جانبها الطقوسي المادي، المفيد بمجاهدة النفس، واكتساب القوة.
بهذا المعنى فإن نتائج صراعات كثير من حركات المقاومة المعاصرة تحمل بالفعل بعض خصائص «النصر الإلهي» بالنسبة لمن يودّون مجاهدة أنفسهم والعدو. لكن ماذا عن الآخرين؟ أو الذين لم تبلغ تجربتهم العقائدية والروحية هذا المبلغ؟ لا تتعلّق الإجابة هنا بتعدد المعتقدات والرؤى والخيارات في المجتمع فحسب، بل أيضاً بعمق مفاهيمنا عن السياسة، وثقافتنا السائدة، وفهمنا لذواتنا. هل علينا بالفعل أن نضحّي في سبيل انتصارات إلهية، يصعب على كثير منّا فهمها؟ أم لعل الجهد السياسي والثقافي الأبرز هو رفع وعي الناس، ليساهموا في مشروع مقاوم، أخلاقي وإيماني، فرضته علينا عنجهية العدو؟ وهل بحث البعض عن نتائج ومكاسب واضحة في أي فعل عسكري أو سياسي هو نمط من الانهزامية، وربما الخيانة؟
شبكات الإيمان
يصعب رصد دراسات فعليّة عن الشبكات التنظيميّة لحركات المقاومة المعاصرة، توجد فقط تقارير إعلامية متعددة، وشهادات شخصية، تشير إلى كثير من الوقائع المتضاربة، إلا أنها تفيد، بعيداً عن اتهامات الفساد والعلاقات الزبائنية، بأنه يوجد بالفعل تعليم ديني، وإعداد عقائدي وأيديولوجي شديد الفعالية، إلى جانب التدريب العسكري والتقني للمقاتلين، ما يمكن اعتباره تأسيساً راسخاً للمفاهيم الروحية عن المعركة، ومعنى النصر أو الهزيمة فيها. كما أن تلك الشبكات ليست منفصلة تماماً عن المجتمع خارجها، فهي قادرة على تعميم مفاهيمها، بناءً على المشتركات الطائفية أو الدينية، وتكوين قاعدة واسعة من المتعاطفين؛ والأهم أنها تستطيع الوصول إلى أفراد ومجموعات من مذاهب وأيديولوجيات أخرى، عبر التركيز على قضايا مترسّخة في النماذج الوطنية والقومية في الدول العربية، مثل مواجهة الاستعمار، القضية الفلسطينية، العداء للغرب. يحيط هذا المقاومة بناشطين سياسيين كثر، من مشارب مختلفة، يسارية وقومية ووطنية؛ وبهيئات وأنماط حياة لا تبدو «إسلامية». يستطيع هؤلاء الناشطون أن يتفهمّوا، أو على الأقل يحترموا، المنظور الروحي لتلك الجماعات، وأيضاً «ترجمته» بلغة معلمنة لأوساط واسعة من الرأي العام.
لا يمكن بالطبع اختزال حياة أي مجتمع بمجموعة من المصالح والمكتسبات، إذ أن مفهوم «المصلحة» نفسه قد يختلف بين فرد وآخر، وتحديدها قد يتضارب بين المجموعات المتعددة في المجتمع، فما يراه البعض «حياة آمنة» قد يعتبره البعض الآخر مذلّة، لا مصلحة لأحد بتقبّلها.
لا نتحدّث هنا إذن عن مجموعات مسلّحة عقائدية مغلقة، لا قاعدة اجتماعية فعلية لها، وبالتأكيد لا يمكن تشبيه تنظيمات مثل حماس وحزب الله بـ»جماعة الجيش الأحمر» الألماني، أو «طائفة الحقيقة المطلقة» اليابانية مثلاً. إلا أن هذه «الشبكات الإيمانية» إن صح التعبير، المنتشرة في المجتمع والثقافة الجماهيرية، تتعرّض لهزّة كبيرة وقت الحرب بالتحديد، إذ تبرز أصوات عديدة، داخل المجتمعات المدمّرة نتيجة المعارك، تتساءل عن الجدوى والمعنى، وتُحمّل الجماعات المسلّحة مسؤولية الخراب؛ فيما يعاني كثير من الناس، لدى مقارنتهم بين واقعهم الصعب، من موت ونزوح وجوع؛ وحديث القادة والناشطين عن النصر الإلهي. يبدو هنا أن البشر غير قادرين على العيش في المعجزة، وهذا تناقض كبير في بنية خطاب المقاومة، إذ أنها تبني كامل وجودها على فكرة محاربة العدو والاستعداد لها، والقدرة على تحقيق النصر؛ إلا أنه مع بدء الحرب المنتظرة، وانتهائها، يتصاعد التشكيك بمفهوم «النصر» بل التهكّم منه، وهذا يعني أن «الشبكات الإيمانية» المذكورة أعلاه ليست فعّالة أيديولوجياً، بالقياس إلى الغاية التي أُنشئت لأجلها، أو على الأقل غير فعّالة كثيراً بين الجمهور الذي يضطر لعيش وقائع الحرب. يمكن هنا ملاحظة أن نسب تأييد المقاومة تظل مرتفعة في أماكن بعيدة نسبياً عن ميادين القتال، وهذا ما بيّنه استطلاع فلسطيني للرأي، أظهر أن تأييد حركة حماس أعلى بكثير في الضفة الغربية من قطاع غزة؛ كما يبدو أن الانجذاب للمقاومة يزيد في مصر وشمال افريقيا عن منطقة المشرق العربي، التي عرف أهلها كثيراً من الانتصارات الإلهية.
يصعب إذن تأسيس شرعية قرارات، شديدة التأثير على حياة المجتمع، مثل الدخول بحرب مدمّرة، على أساس محاولة نقل التقوى الخاصة بتنظيم ما إلى جماعات أوسع من المتعاطفين. بمنطق بسيط، يمكن القول إن المجتمع يدفع ثمن المعارك، وبالتالي يجب أن يمتلك الحد الأدنى من السيطرة على قرار الحرب والسلم، وإذا لم يشعر بذلك، عبر آليات سياسية واجتماعية، يمكن قياسها والتعاطي معها، فربما سيظن أن معجزة النصر الإلهي اعتداء مباشر عليه.
ترجمة الإيمان
لا يمكن بالطبع اختزال حياة أي مجتمع بمجموعة من المصالح والمكتسبات، إذ أن مفهوم «المصلحة» نفسه قد يختلف بين فرد وآخر، وتحديدها قد يتضارب بين المجموعات المتعددة في المجتمع، فما يراه البعض «حياة آمنة» قد يعتبره البعض الآخر مذلّة، لا مصلحة لأحد بتقبّلها. فضلاً عن عوامل المعتقد والعاطفة والرغبة والخيال. ولذلك فإن مناقشة أي حركة مقاومة بناء على المعطيات، التي تصنّف بوصفها «براغماتية» بحتة، لا معنى كبيراً له، ويبدو «خارجياً» للغاية عن السياق.
لا بدّ إذن من وجود آلية ما، تمكّن الأفراد والمجموعات من «ترجمة» تطلعاتها ومعتقداتها، وما ترى أنه مصالحها، للآخرين، وهذا يختلف عن «ترجمة» الناشطين، الموصوفين بالعلمانية واليسار، لأفعال المقاومة بعد حدوثها. فقد سبق لحركات مقاومة كثيرة، ومنها منظمة التحرير الفلسطينية نفسها، إنشاء نوع من الهيئات والمجالس الوطنية، لإكساب قراراتها الشكل الشرعي. ورغم أن تلك الهيئات والمجالس لم تكن شديدة الفعالية، إلا أنها ساهمت، في حالة المنظمة، ببناء ما نسميه اليوم «الشعب الفلسطيني» فيما اعتُبرت كل الوقائع، الخارجة عن تلك الشرعية الشعبية، «انفلاتاً فصائلياً» حتى لو كان ذلك «الانفلات» هو القاعدة في كثير من الأحيان. المهم هنا أن هيئات الشرعية كانت قادرة على فرز الفعل الوطني عن غير الوطني، أي أنها نجحت ببناء آلية مرنة، لترجمة تعددية معتقدات ومواقع ومصالح الشعب الفلسطيني، إلى لغة عمومية، وأشعرت البشر أنهم يمتلكون «قراراً وطنياً» حول تقلّبات الحرب والسلام.
النصر الدنيوي
في غياب ذلك النوع من «القرار» ستتحول المقاومة إلى مجرد ميليشيا عقائدية، تجترح معجزات لا تعني أحداً سواها؛ فيما سيبدو مبررو أفعالها وشارحو انتصاراتها، سواء كانوا إسلاميين أو علمانيين، أقرب لكهنة عقيدة غير مفهومة، مليئة بالطلاسم والتعاويذ، قد يمكن هنا اقتراح تعريف للنصر، وهو تعريف دنيوي بالضرورة، وليس إلهياً أو مستمداً من وحي إلهي، ما دمنا لا نتشارك جميعاً الإيمان نفسه بالضبط: تحقيق أهداف، حددتها شرعية وطنية أو شعبية ما، مع إمكانية محاسبة القائمين على تحقيقها، والبحث في مدى جدوى كل تصرّف عسكري أو سياسي بالقياس إلى تلك الأهداف، وكذلك رأي البشر الذين دفعوا ثمنها. وإذا لم تتوفر تلك الشرعية، فإن الفعل المقاوم الأساسي هو السعي لبنائها أولاً. ربما كان لكل طرف، في فلسطين أو لبنان أو اليمن، أو أي بلد آخر، مفهومه الخاص عن المعجزة، وكذلك النصر والهزيمة، وهذا يضع كثيرين في أزمة كبرى مع «معجزة» المسلحين وكهنتهم، فهي ليست إلا فرضاً لرؤيا طرف واحد، بحجة أننا أمة أحادية التطلعات والأفكار والمصالح، وربما يكون هذا نوعاً من الظلامية القاتلة، قتلاً جماعياً.
كاتب سوري