جهاد العقبي من خلال متابعتي لكثير من التحليلات العسكرية والإستراتيجية لمست أن غالبية الآراء ترجح استبعاد شن تركيا الحرب على سورية بسبب ما يعرف بـ ‘حادثة الطائرة’. ولكن مع هذا أرى أن الأتراك أتيحت لهم فرصة ذهبية لن يضيعوها بهذه السهولة كما يتوقع البعض.. فدخول الجيش التركي حتى مسافة خمسين كيلو مترا داخل الحدود السورية وتأمين هذه المناطق لكي تكون آمنة للنازحين والمنشقين العسكريين، هو الخيار الأقرب للواقع حيث أن الأتراك طالما طالبوا بمثل هذه المنطقة لتأمين النازحين وكل من يريد الفرار من قبضة النظام السوري الحديدية.
يدرك الأتراك جيداً أن تحقيق هذا الأمر اليوم وفي الظروف الحالية ممكن أكثر من أي وقت مضى، ويكاد أن يكون غير مكلف، فالجيش النظامي السوري لا يسيطر فعلياً على غالبية المناطق المحاذية للحدود مع تركيا، وهو يعتمد في الأصل على قصفها بالراجمات والمدفعية الثقيلة والمروحيات، لأنه يعجز عن إدخال قوات برية للسيطرة عليها بسبب شدة مقاومة الجيش الحر المدعوم من تركيا وبعض الدول العربية والأجنبية، والذي بسط سيطرته هناك بشكل شبه كلي.
يعلم الأتراك أن دخول الجيش التركي حتى مسافة خمسين كيلو مترا تحت أي ذريعة داخل الحدود السورية وتأمينها من الطائرات والدبابات من خلال نصب صواريخ مضادة للطائرات، وبعض وحدات المشاة التي ستحد من تحرك الدبابات السورية، لن يلقى مقاومة حقيقية من القوات السورية المنهكة أصلاً، وسيكون بمثابة أمر واقع بعد أيام قليلة. وجود مثل هذه المنطقة سيعجل في سقوط النظام السوري بشكل سريع جداً، حيث أن الانشقاقات في الجيش السوري ستكون بأعداد كبيرة لن يتحملها النظام الذي بدأ يظهر ضعفه يوما بعد يوم أمام الضربات التكتيكية الموجعة للجيش الحر.
وجود مثل هذه المنطقة لن يستدعي من تركيا أن تعلن حرباً شاملة على سورية لأن ذلك من شأنه أن يجلب ردود فعل قد لا تتحملها أنقرة وخاصة من روسيا والصين وإيران، وهذا ما لا تريده أنقرة على الإطلاق، فهذا قد يأتي بنتائج عكسية ووخيمة على الثورة السورية وعلى مكانة تركيا في المنطقة والعالم. فلو أجبرت القوات التركية على الخروج من الأراضي السورية تحت التهديد والوعيد، فسوف يعزز هذا من معنويات النظام السوري، وسيمنع كثير من الوحدات العسكرية من الانشقاق عنه في حال خططت لذلك. وسيهز من مكانة تركيا وحكومة أردوغان داخليا وخارجياً.
السيناريو الأفضل لتركيا هو خلق الحجج والتبريرات لدخول هذه المنطقة وتأمينها من أية وجود للقوات النظامية السورية والمجموعات المحسوبة عليها. فمطاردة هذه المجموعات التابعة للنظام والغير منضبطة والتي تقوم بمجازر داخل بعض القرى القريبة من الحدود السورية التركية، والتي كثيراً ما تقوم باختراق الحدود التركية وإطلاق النار على مخيمات النازحين داخل الأراضي التركية، سيعطيها نوعاً من الشرعية على المستوى الدولي وسيحد من الضغط الروسي والصيني والإيراني في آن واحد. سيما وأنها لن تعلن حربا على سورية، بل ستدعي أن النظام السوري فقط سيطرته على بعض المجموعات التابعة له والتي تقوم باختراق السيادة التركية من خلال إطلاقها النار على أهداف داخل الأراضي التركية.
التصريحات التي تصدر عن أنقرة ضبابية وغير واضحة المعالم، فمن جهة تتوعد بالرد على حادثة إسقاط طائرتها في المياه الإقليمية على يد القوات السورية، ومن جهة أخرى تقول أنها غير معنية بدخول حرب مع النظام السوري. وهو رد جاء ليخفف من الضغط عليها من قبل الدول التي تدعم النظام السوري. ولكنها في الوقت نفسه تعلم أن مساهمتها في تعجيل إسقاط النظام السوري من شانه أن يعود عليها بالفوائد الكبيرة، ليس أقلها من التأثير المباشر على المشهد السوري ما بعد الأسد والذي ترى أنقرة اليوم أنه بات قريب جداً.’ كاتب سوري