الإعلام كمدخل للاستبداد: تونس نموذجا

حجم الخط
0

فتحي العكرمي1- الإعلام الماقبل ثوري والدّعاية المشكل: من سُنّة السُّلط العربية ومن عادات الحاكم العربي تجميع المال وآلام الفقراء وتنهيدة المُستَضعفين الذين هم من صناعته- ومنافع التّابعين ليفعّلها في المواسم الانتخابيّة وأثناء الأزمات. وفي سياق تحكّمه الكامل يجعل أدوات الطّباعة والصّورة والدّعاية وسيلة يتحكّم فيها بعقل حِسابي اذ هي لا تقول إلا ما يكرّس عرشه ويُديم سلطانه، ومن يخرج عن هذا السّرب فهو عدوّ وعميل وكاره لوطنه. بهذه الطريقة تمّ الجمع بين الحاكم والدولة والحرية والقانون والاقتصاد والحزب فأصبحت ضحكة القائد دلالة على سعادة الجميع ومرضه يجعل الوطن عليلا. ففي المناسبات الدينية خاصّة يهتمّ الإعلام لأشْهُر بغزوات القائد في زيارة دور الأيتام والمناطق الفقيرة ويوزّع عليها بعض الهدايا المصحوبة بتصفيق وأعراس وفرح سببه تواضع وأبوّة هذا القائد لتكريس صورته النّاصعة ولاستباق مناسبة انتخابية على الرّغم من علمه المُسبق بأنّه الفائز دائما إذ لا بديل له ولا مثيل لعدله. وفي ذات السّياق تطالعنا وسائل الإعلام بصور تجسّد بلادا بلا فقراء أومظلومين أومُعطّلين ومُشرّدين ومقهورين فهي الجنّة الأرضيّة في مقابل جحيم يعيشه فعلا المغضوب عليهم من القائد ومن إعلامييه ومن حزبه.2- الكذب والنفاق وتشويه الحقائق: يقول ابن خلدون ‘ ما يجعل الكذب متطرّقا للخبر هو التعصّب للآراء والتشيّع للمذاهب’، فمذاهبنا المعاصرة لم تعد تشيّعا لمرجعيّة فكريّة بكل ما يحمله العقل من سعة فهم وتأويل بل أضحى تعصّبا لفردانيّة الحاكم ولأحاديّة الحزب ولقداسة العائلة الحاكمة ولسلطة القائد الذي هو دوما حسب إعلامه وكتبته ومثقفيه لا يأتيه الزّلل ولا يفعل إلاّ ما هو عين الصواب والعدل. ففي تونس يوم 13 جانفي 2011 وبعد أن سقط الشّهداء والجرحى وثارت كل الجهات على النظام النوفمبري ألقى الرّئيس المطرود خطابا حاول فيه سَبْك ما تهشّم من صورته ونظامه اللامنظّم، تلقّفت بعض وسائل الإعلام التونسية وقتئذ هذا الخطاب وأخرجته في حلّة بعيدة تماما عمّا يقع وأقامت حفلا ساهرا وأظهرت صور الابتهاج في الشّارع وتحدّثت طويلا عن منجزاته الماضية والوعود التي قالها في خطابه ذاك، واستضافت بعض المُحللين والصحافيين ليقولوا ما تعلّموه من معجم المدح وتزييف الواقع وقلب الحقائق فأصبح المُطالب بالعدالة وبالحرّيّة مجرما وخائنا بينما السّلطة الحاكمة وقتها هي البريئة والعادلة والمُثلى. لكن كل هذه المحاولات الإعلامية كانت فاشلة بما أنّ المواطن تحرّر من الصّورة المقدّسة التي صنعها الإعلام بميزانية ضخمة تُنْهب من الفقراء أصلا ومن المُعطّلين عن الحياة وعن العمل. 3- تلازم الخطابة والخُطب:

من الظّواهر التي أصبحت تقليدا عربيّا خطيرا هي تلازم الإعلام بمختلف أشكاله مع الخُطب الدّينيّة فيوم الجمعة يكون مُجمل الدّعاء للقائد ولعائلته ولأصدقائه في الداخل والخارج ولثروته لأنّ صلاح البلاد والعباد مرتبط به، فوزارة الشؤون الدينية كانت تبعث للأئمّة خُطبا جاهزة يختلط فيها المقدّسان: الله والحاكم، فنحن أمّة لنا سَبق تاريخي حيث استطعنا صناعة مقدّس دنيوي هو الحاكم لذلك نجد لقداسته تبريرا فحتّى لو لم يكن سليل الأنبياء فهو نبيّ عصره ومفكّر الأمّة وحامي حِمى الدّنيا والدّين، ففي عيد الفطر لايقبل الله صيام وصلاة مواطنيه إلا إذا انتهت صلاة العيد بأدعية تُقال للحاكم وليس لخالقه وفي ذات الوقت تُخصص وسائل الإعلام وقتها لنقل مباشر لأدعية هذا القائد الخاشع والذي يبكي أحيانا من فرط تعبّده وعدالته التي تتجسد في حضوره الدائم فصُوره في كل مكان وأقواله المأثورة في مداخل مبنى وسائل الإعلام وفي ساحات المعاهد قرب العَلم وقبله، فهو موجود دائما ليذكّرنا بأنّه لا وطن ولا دولة ولاغذاء ولا استقرار ولا حرّيّة إلاّ به ليصبح رضاء الله مرتبطا به وليس بالوالدين، فليس غريبا لدى الحاكم أن يكون البِرّ هو طاعته العمياء في قوله وفعله لذلك يُعلّمون الصّغار وهم يلعبون أنّ الأبوّة الحقيقية موجودة عند القائد والحاكم لذلك لم يكن مُفاجئا هذا القتل الرّمزي للأب والتمرّد عليه وطرده من وطن حوّل متساكنيه إلى يتامى.3- عرس الانتخابات: ما كان يميّز الانتخابات في تونس هو التّرسانة الإعلامية والأمنيّة التي يجهّزها الحاكم الأوحد لأنه الوحيد الذي يترشّح ويفوز، في هذه المناسبة يكون الإعلام كلّه مادحا ومُذكِّرا بالانجازات ومُردّدا للوعود التي ستُنجز لاحقا فتصبح الشّوارع والإدارات غارقة في صور القائد التي تُظهر عطفه ورعايته وحبّه للجميع وخاصّة للفقراء والمُهمّشين وكأنّهم جاءوا من بلاد أخرى ولم يصنعهم هو. وليس مفاجئا أن هذا العرس الانتخابي كما تسمّيه وسائل الإعلام- لتبيّن أنّ بلاد القائد تعيش عرسا دائما وفرحا مستمرّا، فيه مترشّح أوحد لكنّ مهمّة التلفزة والإذاعة والصحف أن تمدح وتعدّد صفاته الايجابية المطلقة ليكون المواطن مقتنعا طوعا أو كرها بأنّه لا بديل عن سيّده وحتّى حين يموت هذا الحاكم فلا أفضل من سلالته التي تبدأ من خليفته فزوجته وأصهاره وبِطانته. وفي الإعلان عن نتائج الانتخابات يُعاد العرس ثانية ليس لأنّ القائد انتصر فهذا من تحصيل الحاصل بل لأنّه لا يوجد مواطن واحد لايريد لحاكمه أن يستمرّ في قيادة الوطن والنسبة الضئيلة التي لم تُصوّت له هم الأموات بينما الأحياء يُسبّحون بحمده بما أنّه أصبح قريبا من اللّه وموجودا في الأدعية ويُقال اسمه في المنابر، وقرب صوره توجد آيات قرآنية تبرّر منجزاته وأفعاله كلّها على اختلافها وتُكفّر الخارجين عن طاعته بما أنّه وضع نفسه في مرتبة أولي الأمر ومنزلة الصّالحين والمنقذ من الهموم.4- دروس التاريخ: شهدت تونس منذ أشهر تجاذبا بين الإعلام وخاصة مؤسسة التلفزة والسّلطة الحاكمة، فالأوّل يريد دخول تجربة جديدة يستقل بها من تبعيّته للنظام والثانية تتهمه بأنّه يغطّى على انجازاتها ولا يُظهر ما تقدّمه للبلاد من إضافات، فهذه العلاقة المتوترة بينهما تكشف عن مخزون لاشعوري أسّسه اللاّنظام السّابق ويتمثّل في أنّ الإعلام هو شرط إمكان نجاح من يحكم واستمراريته وتكريس منطق واحد ومنهج وحيد. فهذه العلاقة تكون سلبية مهلكة للبلاد وللعباد إذا تحددت كصراع بين متناقضين بينما كل الوسائل وُجدت بعد الثّورة من إعلام وحكّام وأحزاب ودستور ليس للعودة لنقطة الصّفر بل لبناء وطن جديد ومواطنة مغايرة لسابقاتها ونمط حُكم يختلف جذريّا عمّا عهدناه من تسلّط واستبداد وتشريد ومدح للحاكم حتّى ارتقى إلى مرتبة القداسة والواحديّة. يشترط هذا البناء الجديد الذي يشارك فيه الجميع ليس كأعداء بل بما هم من يصنع حاضرا ومستقبلا -تكليفا وليس تشريفا- الاتفاق على جملة من الأسس: – اعتبار كل مواطن فرد أساسا لهذه البلاد وما يتطلّبه ذلك من توفير حقوق مرتبطة بواجبات – الوعي بتحوّل المجتمع من تبعيّة سلبية للحاكم ولإعلامه إلى فضاء يقوم على معرفة كل ما يُقال وما يُنجز، فالشّعب لم يعد خاضعا بل مُنتجا بحرّيّة – عدم اعتماد المناهج السابقة ونفس الإعلام وذات التّلفيق لأنّنا سنصل إلى نفس النتائج والعودة الى نقطة البداية فتموت الثّورة لتُبعث من جديد – إدراك أنّ الوطن يصنعه أويهدمه أبناءه وذلك يتطلّب توافقا وتجميعا للجهود – الانتقال من سياسة الواحديّة إلى الاختلاف لأنّ التاريخ كشف وما زال أنّ الواحديّة هي شرك بالله بالمعنى الدّيني وتجسيد للتعصّب ورفض للآخر واستهتار بالوطن وبالمواطن وبالثّورة و أي هي إعادة إنتاج الاستبداد يمرّ بالضّرورة عبر حيازة الإعلام.’ كاتب تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية