غزة: من التنقيب بين أوراق الكتب القديمة الأدبية والفكرية، إلى البحث عن نبات الخبيزة الأخضر بين الأعشاب والحشائش البرية، هكذا حوّلت الحرب حياة الفلسطيني المحب للكتابة، من جباليا شمالي قطاع غزة.
فمنذ ساعات الصباح الباكر، يخرج صالحة متجهاً نحو الأراضي التي تنبت فيها الأعشاب والحشائش البرية باحثاً عن الخبيزة، في ظل عدم توفر الطعام أو الخضراوات أو المعلبات أو اللحوم في المناطق الشمالية بالقطاع، جراء الحصار والحرب المستمرة منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.
رافق مراسل “الأناضول”، صالحة في رحلته التي بدأها من أراضٍ مليئة بالحشائش الخضراء، وصولاً إلى جمع الأخشاب اللازمة لإشعال النيران وطهو الطعام.
ويقول إن هذه المهام توزع على أفراد العائلة، لأنه ليس من السهولة على الفرد الواحد الحصول على ما يبحث عنه بشكل فوري أو تلقائي.
بعد رحلة بحث طويلة جمعَ صالحة نبات الخبيزة ذات اللون الأخضر الداكن، والتي حصل على كميات قليلة منها، حيث تعتبر هذه الأكلة وجهة للعائلات التي لم تنزح من منازلها بعد كونها نبتة برية متاحة للجميع.
مسرعاً، توجّه صالحة إلى ما وصفه ببقايا سوق مخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين كي ينجز بقية أعماله قبل حلول ساعة الغروب.
وقال إن إطلاق صفة “بقايا على هذا السوق، الذي كان يعج بالحيوية والزائرين قبل الحرب، جاء بعد أن تعرض لتدمير واسع بفعل الغارات الجوية والعملية البرية العسكرية في المنطقة”.
حاول البحث في هذا السوق عن الدقيق اللازم لطهو الخبيزة وإعداد الخبز، لكن محاولاته باءت بالفشل، حيث تواجه هذه السلعة “ندرة” في المناطق الشمالية من القطاع، التي لا تدخل إليها المساعدات الإنسانية إلا بشكل شحيح جداً.
وقال الفلسطيني عن الأوضاع: “الوضع لدينا أسوأ بكثير مما تتوقع، لا يتوفر هنا طعام أو أي مقومات للحياة”.
واستكمل قائلاً: “كلّه مفقود، الدقيق والمياه والسكر والمعلبات، وإن وجد بعضها فيكون بأسعار خيالية”.
https://www.facebook.com/watch/?v=1532347477532444
هذه الوجبة التي يصنّفها الفلسطينيون ضمن “الأكلات الشعبية”، لم تكن عائلة الفلسطيني تطهوها إلا في حالات نادرة؛ فهي لم تكن مفضلة لأطفاله.
لكنها تحولت مع الحرب، ووسط شح الطعام، إلى “سيدة المائدة” التي توفر العناصر الغذائية والدفء لأطفاله.
وبعد أن وصل منزله في المخيم، شرع بنزع أوراق الخبيزة عن عيدانها الخضراء، وفصلها عن الشوائب والحشائش تجهيزاً لطهوها.
عملية الطهي تتم داخل الفرن الذي كان يعمل قبل الحرب على الغاز، فيما يتم تشغيله في الوقت الحالي باستعمال الحطب وقطع الأخشاب الصغيرة.
وبينما هو منشغل بالطهي، فاجأه أحد أفراد أسرته بكيس من الدقيق الأسمر، يحتوي على نحو 3 كيلو غرامات.
وبعد أن غمرت وجهه ملامح السعادة بما حظي من الدقيق، قال: “هذا الكيس سيتم توزيعه على أربع عائلات، أعتبر نفسي محظوظاً لأنني حصلت عليه”.
وفي أوقات ما قبل الحرب، كان سعر هذا الكيس يقلّ عن الدولارين، بينما يزيد اليوم 15 دولاراً أمريكياً، وفق قوله.
وفي بعض الأحيان، كان صالحة يحصل على القمح غير المطحون، فيضطر وأفراد عائلته لطحنه من خلال وضع حبات قليلة منه بين حجرين والضغط عليه لإتمام عملية الطحن، كما قال.
عملية الطحن هذه تستغرق ساعات طويلة لاستخراج ذرات من الطحين بالكاد تكفي لإعداد بضعة أرغفة من الخبز لأفراد أسرته.
وبعد مرور فترة وجيزة، انتقل صالحة لشي الخبز داخل الفرن بعد أن تم عجنه وتجهيزه من نساء العائلة.
ويشير إلى أن تجهيز هذه الوجبة الخفيفة كان يستغرق– قبل الحرب- أقلّ من ساعة، لكنها اليوم، بالتزامن مع المجهود الشاق للحصول على مكوناتها، ومن ثم تجهيزها، تستغرق ساعات النهار شبه كاملة.
وبعد الانتهاء من تجهيز كافة المكونات، وضع صالحة طبقاً صغيراً أمام 4 أشخاص، لتكون وجبة الغداء الخاصة بهم؛ في ظل قلة الكمية التي عكف على طهوها.
وأوضح أنه بسبب ندرة توفر الطعام في المخيم والمناطق المحيطة به، يقضي هو وعائلته في بعض الأحيان “3 أيام كاملة دون أن يتناولوا ولو لقمة واحدة من الطعام”.
وأما بشأن مياه الشرب، فيتم تقسيم اللتر الواحد منه ليكفي عائلته المكونة من 6 أفراد لمدة يومين اثنين في ظل انعدام توفرها.
هذا ما فعلته الحرب بالفلسطينيين، فقد حولت اهتماماتهم في الحياة لتوفير أدنى المقومات من الطعام والشراب، فضلاً عن الحفاظ على “الحياة ذاتها” وسط قنابل الموت التي تتساقط في كل لحظة، وذلك بعد أن انشغلوا بتطوير أنفسهم ومهاراتهم وأعمالهم قبل اندلاع الحرب، وفق قول فلسطينيين استطلعت “الأناضول” آراءهم في وقت مسبق حول حياتهم بعد الحرب.
وخلال الحرب المستمرة على القطاع، يواصل الجيش منع دخول شاحنات المساعدات الغذائية والإغاثية والطبية لمحافظتي غزة والشمال، إلا في أوقات قليلة جدًا وبأعداد بسيطة لا تلبي احتياجات منطقة سكنية واحدة، وفق إفادة مصادر محلية.
ومنذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، يشن الجيش الإسرائيلي حرباً مدمرة على غزة خلّفت، حتى الخميس، “24 ألفاً و620 شهيداً و61 ألفاً و830 مصاباً وكارثة إنسانية غير مسبوقة”، وتسبّبت بنزوح أكثر من 85 بالمئة (نحو 1.9 مليون شخص) من سكان القطاع، بحسب السلطات الفلسطينية والأمم المتحدة.
(الأناضول)