بيروت – «القدس العربي»: لم يسبق أن تحوّلت الصورة والكلمة إلى عدو لدود لـ«الديمقراطيات الغربية»، كما هو الحال في زمن العدوان الصهيوني على غزّة وجنوب لبنان. تلك العداوة لم تقتصر فقط على المرحلة التي أفضت إليها عملية طوفان الأقصى، والانتقام الغربي عبر الذراع الصهيونية من فلسطين وناسها، بل شواهد كثيرة سبقتها معلنة أن «الغرب الديمقراطي» بات يخشى كل من ينتقد وديعته الاستعمارية، التي وطنها فلسطيننا. بل هو مجتهد كل الاجتهاد بحثاً وتنقيباً عمن سوّلت له نفسه، حتى في عمر المراهقة، التأشير بـ»لايك» على معلومة تدور في فلك الحق في فلسطين، كي تُلحِق به القصاص المبين.
منذ بدء العدوان على غزّة وعشرات الصحافيين من عرب وغربيين وآسيويين وغيرهم، أبعدوا عن وظائفهم، بسبب تغريدة، أو صورة أو «ريتويت». حتى بلغ الحنق أعلى مستوياته لدى صحافيي الغرب أنفسهم. وهم يتساءلون عن الدرك الذي وصلته حرية التعبير في بلدانهم، وعن الديمقراطية التي طالما تشاوفوا علينا بها. فوسائل إعلامهم لم تعد ملعباً للتعبير وللمعيار المتساوي، بل صارت بوقاً صهيونياً بالتمام. ففي وقت سابق ندد صحافيون يعملون في قناة «بي بي سي» البريطانية بازدواجية المعايير في سياسة القناة. وهي التي تسعى بجهد لإضفاء الطابع الإنساني على الضحايا الصهاينة، بينما تتجاهل معاناة الآلاف من الفلسطينيين والأطفال والشيوخ، بفعل آلة الدمار الصهيونية. ولم ينشر الصحافيون أسماءهم خوفاً على وظائفهم.
ويبدو أن قناة «بي بي سي» البريطانية تجود يومياً بجديد في سياساتها الموالية، التي أدت إلى نقمة في صفوف العاملين لديها. ويبدو أن الإعلام الغربي وخاصة المرئي لديه نموذج مقبول يشبه المذيعة جوليا هارتلي بروير فقط. تلك المرأة التي حطمت كافة بروتوكولات اللياقة المهنية خلال حوارها مع الدكتور مصطفى البرغوتي. لكن نصيبها من التقريع كان عالياً على وسائل التواصل الاجتماعي.
جديد «بي بي سي» ضغط يمارس على لاعب كرة القدم الشهير ومقدم البرامج الرياضية على شاشتها غاري لينكر، ليقدّم استقالته. وكذلك على القناة نفسها لإيقافه عن العمل. والسبب أن الرجل أعاد نشر تويت يطالب بإبعاد إسرائيل عن كافة المباريات الرياضية الدولية، لكونها تنتهك القانون الإنساني الدولي. لاعب الكرة الشهير في مباريات كأس العالم سنة 1986، ومقدّم البرامج المهم أعاد نشر تويت ورد على صفحة الحملة العالمية لمقاطعة اسرائيل «بي دي أس»، وهي حملة تدعو لمقاطعة الكيان أكاديمياً وثقافياً. وفي استفتاء حول اقالة أم عدم اقالة لينكر شارك فيه 41 ألف شخص، كانت النتيجة أن 16 في المئة رفضوا اقالته فقط. لقد سبق لـ»بي بي سي» أن رضخت للضغوط، عندما عمدت الى تعليق مهام رئيسة تحرير لديها هي ندى عبدالصمد، بعد شكوى من موقع إسرائيلي يدعى «كاميرا»، ومن خلال صحيفة «التلغراف» اليمينية البريطانية على خلفية إعادة نشر تغريدة عن غزة.
واتخذت المحطة اجراء فوريا بأن علقت مهام عبدالصمد على الفور واستدعتها للتحقيق بتهمة خرق معايير «بي بي سي».
القضية الآن أمام المحاكم اللبنانية. فقذ ذكرت عبدالصمد على حسابها على وسائل التواصل الاجتماعي أنها ادعت على «بي بي سي» بسبب الإساءة المهنية لها والتشهير، وهي التي تواصل عملها مع «بي بي سي» على مدى 27 عاما. تميزت الإعلامية خلالها بجرأتها في تغطياتها يوم كانت مراسلة في لبنان، ومن ثم في العراق، خلال مكوثها فترة قبل الحرب وأثنائها وبعدها.
وعبدالصمد التي كانت ترأس تحرير البرامج في بيروت، ومن ضمنها برنامج «دنيانا» ما زالت ترفض الحديث للإعلام. لكن اللافت أن برنامج «دنيانا» متوقف ويبدو أنه علق حالياً، وتردد أن ضيوفاً كثرا يرفضون الظهور فيه بسبب انحياز «بي بي سي» لإسرائيل في تغطيتها للعدوان، وتحفظ مقدميه عن مشاركتهم في البرنامج في المرحلة الحالية.
يُذكر أن برنامج «دنيانا» كان يتميز بصيغة مرنة وأليفة من خلال شكل الحوار المتبع بين مقدماته، واللواتي كنّ متساويات في فرص المشاركة. وليس بينهنّ رئيس ولا مرؤوس. بل كنّ في نقاش هادئ غير متكلّف.
إلى هذا، ومن السيل الجارف من منسوب الديمقراطية وحرية التعبير، نالت الزميلة انطوانيت لطوف في أستراليا الطرد من قناة «أي بي سي»، والذنب «ريتويت» نشرته نقلا عن «هيومن رايتس واتش» يتناول تجويع أهل غزّة.
أما مقدم برنامج «مهدي حسن شو» على «أم أس أن بي سي»، فقد توقف عن العمل بعد أن علقت القناة برنامجه بسبب الحوارات، التي كان يجريها والتي كان يحاور فيها إسرائيليين أو مؤيدين لسياسة إسرائيل، ولا يسمح بتمرير وقائع مغلوطة، وكان يحاججهم، فاعتبر مذيعاً معادياً لإسرائيل. في حين كان حسن يقوم بمهمته كصحافي في البحث عن الحقيقة، ومنها الانتهاكات الكبيرة التي ترتكبها إسرائيل في غزة.