«حوار بالنيران» بين إيران وأمريكا وإعادة تظهير لوحدة الساحات و«الفعالية» تحت الاختبار

رلى موفّق
حجم الخط
0

أضحت حرب ما بعد المئة يوم على جبهة لبنان الجنوبية مع إسرائيل حرب استنزاف على ضفتَيْ الحدود. تُصعِّد إسرائيل من وتيرة عملياتها وترفع من غزارة النيران وتزيد من غاراتها الجوية مستخدمة طائراتها الحربية أكثر من مسيَّراتها. يترافق تصعيدها الميداني مع حركة وفود دبلوماسية أجنبية إلى لبنان تَحْمِلُ رسائل تهديد حول نفاد صبر قادة إسرائيل عند جبهتها الشمالية، وتُحذِّر «حزب الله» في آن، من الانجرار إلى توسيع الحرب.
يعمل «حزب الله» على إدارة المعركة بحسابات دقيقة، بحيث يُحافظ على وتيرة عملياته ضمن السقوف التي رسمتها قواعد الاشتباك السابقة، متكئاً على حركة الميدان التي تضبط ذاتها بعد أي تصعيد نظراً لعدم رغبة الطرفين بانفلات الأمور وتمدُّد الحرب. ويقرأ «حزب الله» التهديد المنقول إليه إسرائيلياً على أنّه نتاج الضغوطات التي تتعرَّض لها حكومة بنيامين نتنياهو و«مجلس الحرب» من سكان المستوطنات في المنطقة الشمالية الذين تركوا منازلهم ولن يعودوا إليها قبل إنهاء التهديد الذي يُشكّله «الحزب» على حياتهم وأرزاقهم وممتلكاتهم.
ما يريده الموفدون الذين ينقلون إلى «حزب الله» الرسائل عبر رئيسَيْ الحكومة نجيب ميقاتي ومجلس النواب نبيه بري، وأحياناً بالمباشر، هو الذهاب إلى تهدئة تُلاقي التهدئة المزمع أن ينفّذها الجيش الإسرائيلي في غزة ضمن المرحلة الثالثة من حربه. تقول أوساط قريبة من «الحزب» إنّ الأخير غير معني برسائل التهويل، وبالتالي، فإن أي كلام عن مراحل ومُهل وتواريخ لن يكون له مكان للبحث إلا ضمن مسار أوسع وهو وقف الحرب في غزة، ذلك أنّ هدف تل أبيب هو إعطاء أهمية للحظة التي تسعى إلى فرضها على جبهة لبنان لتسبق جبهة غزة على طريقة مرحلة انتقالية أو قواعد اشتباك جديدة. ويضيف هؤلاء أنّ الأمريكيين معنيون بالحفاظ على مستوى الاشتباك بحدوده الحالية، وأنهم حملوا طروحات تقضي بالتراجع خطوتين إلى الوراء وليس إلى حدود نهر الليطاني أو ما وراء خط الليطاني كما ينص عليه القرار 1701 ولكنها لم تلقَ قبولاً.

إسرائيل خرقت قواعد الاشتباك

يضبط «حزب الله» إدارته للمعركة، وهي مسألة يتولاها أمينه العام السيد حسن نصرالله. ورغم أنّ إسرائيل خرقت الخطوط الحمر لقواعد الاشتباك المفترَضة بين الطرفين، سواء من خلال اغتيال القيادي في حركة «حماس» صالح العاروري في قلب الضاحية الجنوبية ـ معقل «الحزب»، أو إسقاط 16 مقاتلاً له في سوريا متجاوزة القواعد المعتمدة هناك، وقتل القيادي الميداني وسام الطويل في عملية أمنية معقدة، وتُغير بشكل جنوني على مواقع محددة في الجنوب، فإن «الحزب» يحرص على أن يأتي ردّه مدروساً وفق ما تقتضي ضرورات حسابات الصورة الأشمل لمعركة المحور برمّته.
يتعامل «الحزب» مع الطروحات على أنه يُمسك بيده ورقة مهمة تُوجع القيادة الإسرائيلية، وهي ترحيل المستوطنين من الشمال وتأكيد الترحيل عبر خلق منطقة عازلة بالنيران داخل إسرائيل للمرة الأولى. وهو يردُّ على ما يأتيه من رسائل للتهدئة بأنه سبق أنْ طُـبِّـقتْ هدنة في غزة فتبعتها، بشكل تلقائي، هدنة في جنوب لبنان، وكانت فعَّالة. ويمكن اليوم وقف الحرب في غزة، والذهاب إلى ترتيبات معيّنة في الجبهة الشمالية من بوابة الـ1701.
في قراءة مُنظِّريه، أنّ التمديد تلو التمديد للعمليات العسكرية في غزة لم يعد مُجدياً، وأنّ القتال بات على كل الجبهات، بهدف القتال فقط، من دون القدرة على إحداث تغيير ما في النتائج باستثناء الجبهة اليمنية، وأنّ الجميع وصل إلى حالة استنزاف، وأنّ المراوحة باتت مُكلفة، لكن العقدة تكمن في وجود نتنياهو الرافض لأي حلول خارج السياقات التي يرسمها الرجل تأميناً لبقائه حياً على المسرح السياسي الإسرائيلي. فحبكة البداية لـ«نزول الجميع عن الشجرة» غير واضحة الأفق والمعالم، ولا أحد يملك تصوراً كيف ستكون عليه طبيعة «لململة» الحرب.
ما يطمح إليه «محور إيران» ومن خلفه «حزب الله» هو الوصول إلى هدنة في غزة شبيهة بالهدنة التي أُرسيت في اليمن، والتي تحوَّلت رويداً رويداً إلى وقف للأعمال الحربية من دون إعلان رسمي. ويعتبرُ لصيقون بـ«المحور» أنّ النموذج الذي سترسو عليه غزة سيتم على أساسه التعامل على جبهة لبنان. فما بين الهُـدَن الممددة أو وقف الأعمال الحربية أو وقف إطلاق النار، يمكن تحديد الوضع الذي سيحكم طرفَيْ الحدود، وكيفية تكريس وقائع تُمثِّـل ضمانة لسكان الشمال الإسرائيلي.

فكّ الربط بين جبهتي غزة ولبنان مستحيل

الأكيد بالنسبة للعالِمين في كواليس «المحور» أنّ فكّ الربط بين جبهتَيْ غزة ولبنان مستحيل، فهو المكسب الاستراتيجي، لا بل إن «المحور» طوَّر انخراطه تدريجياً من جنوب لبنان إلى استهداف المقاومة العراقية للقواعد الأمريكية، إلى انخراط جماعة «الحوثي» في البحر الأحمر، وأخيراً إطلاق الصواريخ الإيرانية على أربيل وإدلب وباكستان. وهذا ما أعاد تظهير شخصية «المحور» وترابط الساحات ما أعطى تلك الشخصية وهجها وبريقها وفعاليتها.
ما يجري في البحر الأحمر سرق الأضواء من الساحات الأخرى كأولوية، نظراً إلى الضرر الذي أحدثه على مستوى حرية الملاحة الدولية وتأثيره على التجارة الدولية وعلى الاقتصاد العالميّ، ونظراً إلى تداعياته الاستراتيجية. تُدرك إيران وأذرعها أنّ مشكلة البحر الأحمر يكبر إطارها العالميّ، وأنها أضحت ككرة الثلج. وإذ يؤكدون أن الغارات الأمريكية والبريطانية على الحوثي لن تثنيه عن استهداف السفن التي ترتبط بإسرائيل، فإنهم يُقِرُّونَ بأنّ الجميع في مأزق والكل عالق فيه، وإنْ كانت المعضلة الأولى هي عند أمريكا، وعليها أن تجدَ المعالجات.
حلفاء إيران، من روسيا إلى الصين، أَبديا تململاً لما يطالهما من ضرر اقتصادي، ولكنهما لن يقفا في صف واشنطن، بحسب تقديرات منظّري المحور الذين يَروْنَ أن على بكين وموسكو الاستثمار في ما يجري عند رؤيتهما أن أمريكا موجودة في قلب المأزق.
وعلى الرغم من تسارع التطورات في البحر الأحمر وباب المندب، ما آل إلى تدفق البوارج والسفن الحربية من كل حدب وصوب، من دول «حارس الازدهار» إلى أسطول للاتحاد الأوروبي وسفن حربية لدول أوروبية تتحرَّك بمفردها إلى إيران، فإن الاعتقاد السائد لدى كثير من المراقبين على ضفتَيْ المواجهة أنّ ما نشهده هو قيام كل طرف، في إطار لعبة المصالح الكبرى، بعرض أوراق القوّة لديه. ومن شأن هذا «الحوار بالنيران» أن ينقل الجميع إلى منحى من اثنين: إما الى حرب واسعة وهذا مُستبعد، أو إلى طاولة المفاوضات بطريقه ما في الأشهر المتبقية من ولاية الرئيس الأمريكي جو بايدن.
لكن القلق الذي يعتري المراقبين يكمن في أنّ حالة المراوحة والاستنزاف قد تستمر إلى لحظة استحقاق الانتخابات الرئاسية الأمريكية في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 لمعرفة هوية الرئيس الآتي إلى «البيت الأبيض» ولأي حزب ستكون الإدارة المقبلة. ستحاول إيران أن تقول إنها موجودة على الساحة الإقليمية بكل الوسائل المتاحة لها، والتي ستكون دون الحرب المباشرة والشاملة، بانتظار تبلور الاتجاهات التي يمكن أن تسير عليها المنطقة على وقعْ الرئيس الأمريكي المقبل.
لا أوهام بأنّ هناك صفقات كبرى أو هدناً طويلة في المرحلة الفاصلة عن الاستحقاق الأمريكي. الرهان على تعب الجيش الإسرائيلي، وعلى احتمال اتّساع الشرخ في قلب المجتمع الإسرائيلي، بما يُعيد التوازن الذي كان قائماً في المنطقة قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر، قد يكون رهاناً يحمل الكثير من الآمال المضخمة. ما هو متوقع أن تستمر العملية العسكرية في غزة بما يسمح لنتنياهو بالمزيد من تمرير الوقت. والمتوقع كذلك أن تستمر المناوشات من البحر الأحمر إلى جنوب لبنان وضد القواعد الأمريكية في العراق وسوريا. قد تكون تفاهمات صغرى هنا وهناك، ذلك أنّ لا قدرة لإدارة بايدن وإيران على أن تذهبا إلى اتفاقٍ كبير، فالطرف الأول يحتاج إلى الكونغرس لتمرير اتفاق على غرار الاتفاق النووي، والطرف الثاني لا مصلحة له في توقيع اتفاق مع إدارة غير مضمونة عودتها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية