رام الله ـ «القدس العربي»: لا يذكر الفلسطينيون عدد الاقتحامات التي نفذتها قوات الاحتلال على مدن فلسطينية رئيسية، لكنهم يرون بأم العين تناميا للعمليات الإسرائيلية الحربية في الضفة الغربية وتحديدا في شمالها، حيث ثالوث المخيمات في جنين وطولكرم ونابلس، إلى جانب تصعيد متدحرج في جنوب الضفة الغربية ومناطق الأغوار الشمالية.
وتتضاعف الهجمات الإسرائيلية، التي لا تبدو وكأنها رد فعل على ممارسات للمقاومة الفلسطينية، إنما حالة من استثمار اللحظة حيث الانشغال في قطاع غزة وخوف من دعوات فلسطينية إلى ضرورة انخراط الضفة بمزيد من القوة لتكون طرفا في معادلة العدوان على القطاع.
وحسب مراقبين فإن الضفة الغربية تعتبر إحدى الثغرات التي ترافق المعركة الفلسطينية مع الاحتلال في قطاع غزة. فبعد مرور ما يزيد على 100 يوم على هذه المعركة، يعتبر عدم انخراطها إلى جانب كافة المكونات الفلسطينية في المعركة ثغرة يجب سدها، (إلى جانب الأراضي المحتلة عام 1948 والشعب الفلسطيني في الشتات).
في ظل ذلك يرى محللون في مساهمة الضفة الغربية في المعركة بالعملية المحدودة، وهي مساهمة لا ترقى إلى المستوى المطلوب الذي يجعلها تساهم مساهمة مباشرة وفاعلة في تحقيق إنجاز وطني فلسطيني نوعي. مع أن طول أمد المعركة ينبغي أن يشكل حافزًا ومبررًا موضوعيًا للانخراط في المعركة، بغضّ النظر عن الآليات والوسائل والأدوات، بما يراعي ويتلاءم مع طبيعة كل منطقة جغرافية وكل مكوّن فلسطيني حسب المحلل السياسي والباحث أحمد العطاونة.
وفي المقابل من ذلك، تضاعفت، خلال الفترة الماضية، الهجمات الإسرائيلية في جنوب الضفة الغربية وتحديدا مناطق الخليل على إيقاع تنامي عمليات مقاومة نفذها شبان، وهو ما يجعل البعض يرى أنها تعيش «انتفاضة محدودة» من دون أن تصل إلى فتح جبهة ثانية، كما طالبتها المقاومة.
40 غارة جوية
وإن كان الفلسطينيون لا يتذكرون عدد العمليات الكبيرة على مخيمات ومدن الضفة الغربية، فإن وسائل الإعلام العبرية «تجود» بإحصاء عدد عمليات القصف الجوي التي أصبحت تتزايد في الفترة الحالية في استهداف جيش الاحتلال لحالة المقاومة المتنامية، وهي عمليات قصف جوي ترافق عمليات الاقتحام أكثر من أي وقت مضى.
لقد كشفت الإذاعة العامة الإسرائيلية، أن جيش الاحتلال نفذ منذ السابع من أكتوبر، بالتزامن مع العدوان على قطاع غزة، 40 غارة جوية في الضفة الغربية، غارتان منها تم تنفيذهما من طائرتين حربيتين، وبقيتها تم تنفيذها من طائرات مسيرة، حيث استهدفت مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس وبلاطة ووادي برقين.
وتشير الأرقام أن 20 غارة استهدفت مخيم جنين ويُتوقع أنها أسفرت عن استشهاد 33 شخصًا، وثماني غارات استهدفت مخيم نور شمس في طولكرم، وأسفرت عن استشهاد 12 شخصًا، بينما استهدفت بقية الغارات مخيم طولكرم، ومخيم بلاطة شرقي نابلس، ووادي برقين.
يأتي ذلك بينما تجاوز مجموع الهجمات في الضفة الغربية منذ السابع من أكتوبر، مجموع الهجمات التي كان قد نفذها الجيش في اجتياح الضفة الغربية عام 2002 الذي يُعرف إسرائيليًا باسم «السور الواقي».
وتخبرنا الأرقام أنه منذ عام 2006 وحتى شهر حزيران/يونيو 2023 لم يتم تنفيذ أي غارات جوية في الضفة الغربية على الإطلاق، ولكن في عملية بيت وحديقة التي شنها جيش الاحتلال على المقاومين في جنين، حدثت أول عملية اغتيال منذ 17 سنة، لكن منذ بداية العدوان على غزة، رفع جيش الاحتلال من وتيرة الغارات الجوية في الضفة الغربية، ليصل عدد هذه الغارات إلى 40 غارة في 103 أيام.
ويأتي الكشف عن هذه المعطيات في ذروة الحديث الإسرائيلي عن تدهور خطير في الوضع الأمني بالضفة الغربية، وأن الوضع على حافة الاشتعال، ولأجل ذلك تم نقل وحدة «دوفدفان» – المستعربين- من قطاع غزة إلى الضفة الغربية.
وهي ذات الوحدة التي منح وزير الأمن القومي الإسرائيلي ايتمار بن غفير تصريحًا جديدًا لعناصرها بإطلاق النار على الفلسطينيين، حتى لو لم يشكّل ذلك خطرًا على حياتهم.
لقد خاطب المتطرف بن غفير عناصر الوحدة بالقول: «إذا كنتم في خطر على الحياة أو رأيتم (إرهابيًا) حتى لو لا يشكِّل خطرًا على حياتكم، أطلقوا النار عليه» وهو ما أدانته وزارة الخارجية والمغتربين، واعتبرته جزءا من التحريض الإسرائيلي المتواصل على قتل المزيد من الفلسطينيين بحجج وذرائع واهية، واستهداف المدنيين أينما كانوا. بدورها وصفت الوزارة ما تمارسه دولة الاحتلال في الضفة الغربية بمثابة «نسخ وحشي لما يتعرض له قطاع غزة من تدمير شامل واستهداف للمدنيين بمن فيهم الأطفال والنساء وسيارات الإسعاف والطواقم الطبية والمراكز الصحية، في استنجاد إسرائيلي محموم ودعوات من اليمين المتطرف الحاكم لتوسيع دوامة العنف وإشعال المزيد من الحرائق في ساحة الصراع».
عمليات تستهدف محيط المقاومة
يقرأ المحلل السياسي ورئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الخليل الدكتور بلال الشوبكي ما يجري في الضفة الغربية مستحضرا حقيقة أن استهداف الضفة الغربية من الاحتلال فعل سبق السابع من أكتوبر الماضي، حيث يقول: «لقد زادت عملية الاجتياحات، وأخذت طابعا مغايرا عما ألفناه سابقا من خلال تدفيع الفلسطينيين ثمنا كبيرا جدا لأي محاولة ظهور فعل مقاوم».
ويضيف الشوبكي: «الفئة المستهدفة من عمليات الاحتلال ليست بالضرورة من المقاومين والمشاركين في عمليات المقاومة والفصائل التي ينتمي إليها المقاومون، وإنما تستهدف العمليات كل المحيط الفلسطيني، وهي محاولة إسرائيلية تعيد للأذهان فكرة قديمة ترتبط بالعقاب الجماعي كي يصبح المجتمع الفلسطيني مثبطا لأي عمل جماعي مقاوم».
ويشدد على أن الاحتلال لا يتعلم من تجربة الماضي ولا يقرأ العبر من التاريخ القريب، «مثلا جنين ونابلس ذاقتا أقسى الاعتداءات الاحتلالية والعقوبات خلال الانتفاضة الثانية، لكن ذلك لم يمنع من ظهور حالات مقاومة مهمة فيها خلال العامين المنصرمين». ويرى الشوبكي أن تفسير سلوك الاحتلال في الضفة الغربية حيث التصعيد سمة الموقف يرتبط بمخاوف من محاولة المقاومين استلهام تجارب مقاومة قطاع غزة وذلك عبر نماذج مصغرة من الفعل المقاوم وهو ما تخشاه إسرائيل.
ويضيف في ذات السياق أن الاحتلال الإسرائيلي في حالة من التسارع الكبير من أجل استثمار الحالة الراهنة على غزة، حيث يستغل الحرب من أجل تصفية المقاومة في الضفة عبر عمليات واقتحامات كبيرة أصبحنا نراها اليوم وننظر إليها، بالمقارنة مع ما تتعرض له غزة، على أنها مسألة عادية، لكنها في الجوهر هي عمليات توازي الاقتحامات الاحتلالية للضفة خلال الانتفاضة الثانية عام 2002.
ويشدد ان هناك تفسيرا آخر للتصعد في ساحة الضفة يرتبط بكون الأخيرة مساحة لمناورة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع قوى اليمين الإسرائيلية المتطرفة، حيث هدد المتطرف بن غفير بالانسحاب من الحكومة إذا ما انسحب من قطاع غزة، وبالتالي ينظر للفعل الاحتلالي في الضفة على أنها أداة مناورة من نتنياهو، «فالضفة بالنسبة لقوى اليمين أهم من قطاع غزة سياسيا ودينيا».
ورغم أن الشوبكي يقر أن التصعيد في الضفة مرتبط بالتصعيد والعدوان على قطاع غزة، وأنه فيما لو توقفت الحرب فإن المتوقع على المدى القصير أن تقل حدة الاقتحامات الاحتلالية والاعتقالات وحالات الاستهداف فيها، لكنه يؤكد أنه «على المدى المتوسط والطويل فإن المتوقع عكس ذلك تماما في ظل انزياح المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين والتطرف، وبذا سينعكس هذا الانزياح على واقع الضفة الغربية والقدس من خلال تزايد اعتداءات المستوطنين، وسياسيا سيكون هناك ميل لاسترضاء اليمين المتطرف عبر توسيع المستوطنات ومحاولة تحجيم دور السلطة ومنعها من ممارسة أدوار سياسية والاقتصار على الأدوار الخدمية، وهي رؤية اليمين والحكومة الحالية لدور السلطة الفلسطينية».
ويختم: «في حال لم تحدث أي تغيرات سياسية بنيوية لصالح أحزاب سياسية مختلفة في التوجهات، فنحن مقبلون على تصعيد آخر في الضفة الغربية على المدى البعيد».
مكاسب الانشغال بغزة
وبذات السياق يرى المحلل السياسي نهاد أبو غوش ممارسات الاحتلال بإنه فعل إسرائيلي يقوم على فكرة أساسها «اجتثاث بؤر المقاومة وكل المواقع التي تعمل على ازعاج الاحتلال من خلال تشكيلات مقاومة حديثة، كما أن الوقت الحالي ملائم لتصفية الحساب مع المخيمات والمناطق التي كانت نشطة وفعالة بالمقاومة».
ويضيف أبو غوش أن نظرة الاحتلال الإسرائيلي إلى الفلسطينيين بعد 7 أكتوبر ارتبطت بتصور أن كل فلسطيني هو هدف للاحتلال، وهو ما يترجم بسياسة الاحتلال عبر الحصار والقتل والاعتقالات والتنكيل والاغتيالات التي وصلت 360 مواطنا خلال أقل من ثلاثة أشهر.
وهو يتفق مع الشوبكي في أن ما يجري في الضفة يمكن ان يقرأ على أنه ترجمة لخطط قوى يمينية تريد تنفيذ أجندات خاصة في ظل انشغال العالم بما يجري في غزة، إلى جانب أن عقلية العصابة هي التي تحكم دولة الاحتلال ويترتب على ذلك أنهم يتصرفون بهدف تصفية الحساب مع المخيمات باعتبارها رموزا للتمسك بحق العودة وكونها منبعا للحراك الثوري والنضالي.
ويختم أن المطلوب فلسطينيا كثير جدا، فالعدوان على غزة يجب أن يكون دفعا للم الشمل الفلسطيني وتحديدا في ظل تيقن أطراف كثيرة ومنها أمريكا وعبر تصريحات وزير الخارجية الأمريكية انتوني بلينكن والتي كانت تفيد باستحالة القضاء على حركة حماس.
ويشدد أن التحرك يجب ان يكون بالانطلاق من فكرة أنه مهما فعلنا فنحن مقصرون تجاه قطاع غزة، وبالتالي يجب مضاعفة الجهد لحماية الشعب ووقف الحرب والاستعداد لمواجهة الحلقات التالية من المواجهة في ظل الرغبة بتصفية القضية وإبعادها عن غزة، فالكل لديه سيناريوهاته ولكن الفلسطينيين وحتى اللحظة غير متفقين على رؤية موحدة لما بعد الحرب.