تمثل حرب غزة لحظة فاصلة في تاريخ الفلسطينيين والشرق الأوسط والعالم، لا تخطئوا التقدير؛ فتاريخ العالم بعدها لن يكون مثلما كان قبلها، لأنها جاءت في لحظة تاريخية فاصلة بين عصرين، واحد ينقضي، هو عصر الهيمنة الواحدية الأمريكية، وآخر يبزغ من بين ركام الدمار الذي خلفته الوحشية النازية الجديدة في إسرائيل، يطل على أفق جديد لنظام وُلِد بالفعل لكنه لم يكتمل بعد. ويعترف نتنياهو أنه ينتمي إلى النظام القديم، وأنه كما يدعي يحارب «محور الشر» نيابة عن الولايات المتحدة وحلفائها. لكن حرب غزة أسقطت إثنتين من المسلمات الزائفة التي كانت تتخفى وراءها إسرائيل، واحدة تقول انها دولة تمتلك استراتيجية للردع العسكري، تجعلها لا تقبل الهزيمة العسكرية، فانهزمت وسقطت استراتيجية الردع. والثانية تقول إنها «واحة الديمقراطية» الوحيدة في الشرق الأوسط، فانكشفت وبانت على حقيقتها كدولة «أبارتهايد» عنصرية، تقوم على أساس التمييز الديني ضد غير اليهود، والتمييز السياسي ضد اليهود غير المؤمنين بالصهيونية.
كذلك فإن حرب غزة كشفت انقسامات حادة داخل المجتمع الإسرائيلي، ونخبته السياسية والعسكرية. ولا يتعلق هذا الانقسام بين من يريدون الديكتاتورية ومن يريدون الديمقراطية لمواطنيهم اليهود، كما شهدناه في احتجاجات المجتمع المدني ضد خطة التعديلات القانونية منذ أوائل العام الماضي، لكنه أيضا انقسام بين من ذهبوا إلى غزة حاملين السلاح إلى فريقين، واحد ذهب لمحاولة إنقاذ استراتيجية الردع وإعادة تثبيتها، والثاني ذهب سعيا إلى احتلال قطاع غزة، وتحويله إلى منطقة أمنية تتكون من مستوطنات جديدة، تمثل كل واحدة منها قلعة اقتصادية/عسكرية قادرة على البقاء وحماية نفسها وتغيير الطبيعة الديموغرافية والجيوسياسية لغزة.
المجتمع الإسرائيلي منقسم على نفسه، والنخبة السياسية منقسمة على نفسها، والجيش الإسرائيلي منقسم على نفسه. هذا الانقسام داخل إسرائيل أفقيا ورأسيا يصادف في الوقت نفسه حربا عالمية باردة تحاول فيها الولايات المتحدة إعادة تثبيت نظام عالمي أحادي القطبية، ضد قوى الجنوب الصاعدة التي تحاول إقامة نظام عالمي عادل متعدد الأطراف. كما يصادف الانقسام الإسرائيلي وجود حالة سياسية هشة تماما في العالم العربي كله، تمثل العامل المساعد الرئيسي إقليميا لإسرائيل في حربها على الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة.
التحضير لحرب غزة
وقد بدأ التحضير لحرب غزة، التي كانت آتية لا محالة، سواء بحدوث عملية «طوفان الأقصى» أو بدونها، مع تشكيل حكومة تحالف اليمين السياسي الصهيوني مع اليمين الديني الصهيوني المتطرف في كانون الاول/ديسمبر 2022. ويعلم من يتابع تطورات السياسة الداخلية في إسرائيل أن حكومة نتنياهو الأخيرة تشكلت على أساس ثلاثة مبادئ رئيسية تم التوافق عليها بين حزب ليكود بقيادة نتنياهو وحزب الصهيونية الدينية بقيادة بتسلئيل سموتريتش، وحزب العزيمة اليهودية بقيادة إيتمار بن غفير.
المبدأ الأول، من المبادئ الثلاثة التي تم التوافق عليها، وتوزيع المناصب الوزارية طبقا لها هو إجراء تعديلات جوهرية على النظام القضائي في إسرائيل، تقضي بسيادة الكنيست والسلطة التنفيذية على المحكمة العليا والنظام القضائي. المبررات الرئيسية لقبول هذه التعديلات لا تتعلق بالرغبة في إفساد محاكمة رئيس الوزراء الحالي نتنياهو في قضايا رشوة واستغلال نفوذ، وإنما هي تتعلق أساسا بوقف سلطات المحكمة الدستورية العليا في شأن قضايا مصيرية أخطرها ما يتعلق بدعاوى الطعن في قانونية الاستيطان، بعد الحكم الصادر في 9 حزيران/يونيو 2020 بعدم دستورية قانون المستوطنات رقم 5777/2017 لأنه يمنح الإسرائيليين أولوية الحق في الولاية على الأرض قبل الفلسطينيين. ويقرر حكم المحكمة العليا الإسرائيلية أن المستوطنات المقامة على أرض فلسطينية غير قانونية ويجب تفكيكها.
المبدأ الثاني، هو العمل على إطلاق عمليات الاستيطان في الضفة الغربية، سواء في شمال القدس أو في الجنوب، تأسيسا على فكرة «الوعد الإلهي» التي تقول إن الرب منح إسرائيل هذه الأرض، وأن من حق اليهود الاستيطان فيها، واعتبار غير اليهود مجرد ضيوف يتعين عليهم طاعة أصحاب الأرض، فإن لم يطيعوا يرحلوا، أو يسجنوا، أو يقتلوا. وهناك العشرات من النصوص الصريحة التي تؤكد ذلك، جاءت في كتابات وتصريحات قيادة التيار الصهيوني الديني المتطرف، الذي يتبنى العنف ضد الفلسطينيين، ويدعوا إلى ترحيلهم أو قتلهم ليس فقط في الأرض المحتلة بعد 1967 ولكن في الأرض المحتلة منذ عام 1948. وبناء على ذلك فقد تم فعلا تعديل قانون خطة الانسحاب «فك الارتباط» رقم 5775/2005 بقانون وافق عليه الكنيست بتاريخ 22 اذار/مارس 2023 يقضي بإطلاق حرية الحركة والدخول للإسرائيليين إلى ومن شمال الضفة الغربية. وكان قانون فك الارتباط والانسحاب من غزة قد أمر بتفكيك وإزالة المستوطنات الإسرائيلية في هذه المناطق وحظر دخولها على الإسرائيليين، ومنها مستوطنة «حومش» التي أعاد المستوطنون إقامتها بدعم من حكومة اليمين الديني الصهيوني المتطرف الحالية. ومع إقرار ما تم إقراره من خطة التعديلات القضائية فإن التعديل الذي أدخله الكنيست أصبح محصنا ضد تدخل المحكمة العليا لإلغائه.
المبدأ الثالث، هو إزالة الوضع السياسي والقانوني الذي أقامه رئيس الوزراء الأسبق أرييل شارون بتفكيك المستوطنات الإسرائيلية في شمال وشرق قطاع غزة، وسحب قوات الجيش الإسرائيلي من جانب واحد، في إطار اتفاق مع محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية، وترتيبات بخصوص الحدود مع كل من ملك الأردن عبد الله بن الحسين والرئيس المصري الراحل حسني مبارك عام 2005. ولإزالة هذا الوضع اقترح إيتمار بن غفير إصدار تشريع جديد بواسطة الكنيست، ينهي إجراءات شارون ويعتبرها منعدمة الأثر، ما يفتح باب عودة القوات الإسرائيلية إلى غزة، وإرسال مستوطنين مسلحين لإعادة بناء المستوطنات الإسرائيلية التي كانت قائمة هناك حتى صيف 2005 والتوسع في بناء المستوطنات خصوصا في شمال غزة وإلى الشرق من الجدار العازل، كمرحلة أولى. وطبقا للتعديل الذي أجرته الحكومة الحالية بوقف سريان قانون فك الارتباط، ووافق عليه الكنيست في اذار/مارس الماضي فإن القيادات السياسية لليمين الديني الصهيوني، ومن يميل ميلهم من القيادات العسكرية يؤمنون بأنهم لم يدخلوا غزة بوصفهم قوة احتلال، إنما يدخلونها باعتبار أنها حق لهم، تركوه بسبب خطأ ارتكبه أرييل شارون عام 2005 وهم يقومون بتصحيحه.
وطبقا لرصد تطور عملية بناء الحقائق على الأرض، إنطلاقا من هذه المبادئ الثلاثة، فقد كانت الأولوية هي للتعديلات القضائية وتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية، بينما كان قطاع غزة مؤجلا إلى حين. هذا التأجيل كان يأخذ في اعتباره أن احتياج إسرائيل إلى الضفة الغربية والقدس الشرقية هو الأكثر إلحاحا، وأن تأجيل تغيير الحقائق في غزة مفيد تكتيكيا في الرد على المطالبين بحل الدولتين بحجة منطوقها أنه «توجد فعلا دولة فلسطينية، وهي قائمة في غزة». هذه كانت الحجة التي صعد بها نفتالي بينيت رئيس الوزراء بالتناوب في الحكومة السابقة إلى رأس السلطة التنفيذية. وطبقا لترتيب الأولويات، فإن حكومة اليمين الصهيوني الديني دفعت أولا بمشروع التعديلات القضائية إلى الكنيست، وسلمت سلطات الأمن الداخلي بأكملها تقريبا إلى إيتمار بن غفير زعيم حزب «العزيمة اليهودية» المتحالف مع حزب الصهيونية الدينية بزعامة بتسلئيل سموتريش الذي يتولى وزارة المالية، وأيضا منصب وزير في وزارة الدفاع، مسؤولا عن الضفة الغربية. وكانت أولى ضربات بن غفير هي وضع خطة لتسليح المستوطنين، خصوصا في المستوطنات غير القانونية مثل «حومش» والقريبة من القرى العربية مثل «عيلي» المجاورة لعدد من القرى العربية ومنها قرية حوارة. ونلاحظ أن تركيز بن غفير إنصرف إلى شمال الضفة الغربية (نابلس) والقدس الشرقية، وجنوب غرب القدس. ثم أدى تداخل سلطات بن غفير مع صلاحيات وزارة الداخلية وأجهزة البوليس والأمن الداخلي، إلى احتكاكات ونزاعات بينه وبين قيادات الشرطة والأمن الداخلي والسجون. أما سموتريتش، فإن تداخل سلطاته مع صلاحيات وزير الدفاع قد خلق احتكاكات ونزاعات كثيرة داخل الوزارة، خصوصا فيما يتعلق بمسؤولياتها تجاه حماية المستوطنات وتنظيم الاستيطان في الضفة الغربية، بما في ذلك واجب تفكيك المستوطنات غير القانونية. وبواسطة سلطاته كوزير للمالية فقد خصص لأنشطة المستوطنين كل ما يلزم من تمويل لشراء الأسلحة والمعدات وتوفير كافة إمكانيات بناء المستوطنات والتوسع فيها.
انقسام
الحكومة والمجتمع
في مواجهة هذا الصعود السريع لنفوذ اليمين الديني الصهيوني سياسيا وعسكريا، تحركت قوى كثيرة مدنية داخل المجتمع الإسرائيلي لتحاول وقف تهديد اليمين الديني الصهيوني لما يطلق عليه «الطابع الديمقراطي» للنظام السياسي في إسرائيل. هذا الوهم بشأن «واحة الديمقراطية» في الشرق الأوسط يتجاهل ثلاث حقائق رئيسية تصطدم به وتعريه وتكشف زيفه، وهي حقيقة احتلال إسرائيل للأرض الفلسطينية حيث يتناقض الاحتلال مع السلام والديمقراطية، وحقيقة التفرقة السياسية والمدنية ضد غير اليهود، وهو ما يتناقض مع الحق في المساواة بين جميع الأفراد بصرف النظر عن الديانة وغيرها من الاعتبارات، وحقيقة استخدام القوة الوحشية ضد الفلسطينيين الذين يقاومون الاحتلال للحصول على حقهم في إقامة دولة مستقلة قادرة على الحياة والبقاء مثلهم مثل كل شعوب الأرض، وهو ما يتناقض مع حق الشعوب في الحرية والاستقلال داخل وطن آمن. هذه الحقائق الثلاث تنفي تماما عن إسرائيل أي ادعاء بأنها «دولة ديمقراطية». المعضلة التي يواجهها صعود اليمين الصهيوني المتطرف حاليا هي أنه يحاول فرض ما يمكن أن نسميه «رؤية داعشية يهودية» على المجتمع الإسرائيلي بأكمله، وهو ما يرفضه المجتمع المدني الإسرائيلي اليهودي. كما أن هذه الرؤية والسلوك المرتبط بها أدت إلى صدام مع سياسة الإدارة الأمريكية الحالية في الشرق الأوسط.
وقد أشار تحقيق سياسي نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» يوم 16 كانون الثاني/يناير الحالي إلى وجود انقسامات سياسية داخل حكومة الحرب الإسرائيلية حول قضيتين أساسيتين، الأولى تتعلق بمصير المحتجزين لدى حماس في غزة، والثانية تتعلق بمسألة من يحكم غزة بعد الحرب. أبطال هذه الخلافات، كما قالت الصحيفة هم ثلاثة من أقطاب حكومة الحرب الإسرائيلية رئيس الوزراء نتنياهو، ووزير الدفاع يؤاف غالانت، والوزير بلا حقيبة زعيم حزب «الوحدة الوطنية» بيني غانتس. الحقيقة أن الخلافات أكثر وأعمق مما ذكرت الصحيفة الأمريكية، وتضم أطرافا وقضايا أخرى، كشف عنها بيني غانتس في خطاب إلى نتنياهو في اليوم الذي نشرت فيه الصحيفة التحقيق بشأن تلك الخلافات. ومن الضروري فهم العلاقة بين الخلافات السياسية في حكومة الحرب، وبين التحولات السريعة في المجتمع الإسرائيلي في العقود الأخيرة إلى أقصى اليمين. هذه التحولات أدت إلى زعزعة الأرضية التاريخية لليسار الصهيوني الذي تصدر المشهد السياسي منذ إقامة الدولة حتى منتصف السبعينات من القرن الماضي. ولكن مع بداية سطوع نجم زعيم اليمين الصهيوني المتطرف مناحم بيغن، حتى الآن يتحرك المجتمع الإسرائيلي إلى اليمين عاما بعد آخر. وقد أدى هذا التحول إلى زيادة القدرات السياسية لأحزاب اليمين الصهيوني واليمين الديني المتطرف، وهي الأحزاب التي تشكل الحكومة الإسرائيلية الحالية، والتي تعبر منذ بداية العام الماضي عن طفرة جديدة لليمين الديني الصهيوني الإرهابي. ومع أن الخلافات الحالية داخل الحكومة تتعلق بحرب غزة، ما قبلها وما بعدها، إلا أن محركاتها المباشرة تتعلق كذلك بطموحات انتخابية داخلية في المرحلة التالية للحرب. فكل رمز من رموز تلك الخلافات يطمح إلى حكم إسرائيل بعد حرب غزة، من سموتريتش، إلى غانتس، إلى غالانت، حتى نتنياهو. المسألة إذن ليست فقط الخلافات بشأن المحتجزين ومن يحكم غزة، ولكنها أيضا من يحكم إسرائيل بعد الحرب.