«هيومن رايتس ووتش» تحذّر من عودة «الإعدام الجماعي» في العراق

حجم الخط
0

  بغداد ـ «القدس العربي»: كشفت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية، أمس الأربعاء، عن أن 150 سجيناً على الأقل في سجن الناصرية في العراق يواجهون الإعدام الوشيك بدون إنذار في حال موافقة الرئيس عبد اللطيف رشيد على الأحكام بحقهم. وفيما أشارت إلى إعدام 13 رجلاً في السجن ذاته في 25 ديسمبر/كانون الأول 2023، وهو «الإعدام الجماعي الأول» منذ إعدام 21 رجلاً في 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2020، دعت العراق للإعلان فوراً عن وقف تنفيذ جميع الإعدامات تمهيداً لإلغاء هذه العقوبة.
وقالت سارة صنبر، الباحثة في شؤون العراق في المنظمة: «تجدد عمليات الإعدام الجماعية في العراق تطور مروع، وينبغي للحكومة العراقية أن تعلن فوراً وقفاً اختيارياً لتنفيذ أحكام الإعدام»، مستدركةً بالقول: «تتفاقم هذه المظالم الهائلة بسبب العيوب الموثقة جيداً في النظام القضائي العراقي والتي تحرم المتهمين من محاكمة عادلة».
وذكر تقرير المنظمة المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان أن «عمليات الإعدام التي جرت في 25 ديسمبر/كانون الأول نُفذت دون مراعاة للحقوق الأساسية لأولئك الذين يواجهون عقوبة الإعدام».
ونقلت عن أحد نزلاء سجن الناصرية قوله لمحاميه إنه «في مساء يوم 24 ديسمبر/كانون الأول، تم النداء بأسماء الرجال الثلاثة عشر المقرر إعدامهم عبر مكبر الصوت في السجن»، مبيناً أن «السلطات جمعتهم من زنازينهم ثم أعدمتهم في الصباح، ولم يُسمح لهم بالاتصال بأسرهم أو محاميهم قبل إعدامهم».

دعت إلى إصلاح النظام القضائي: تحرم المتهمين من محاكمة عادلة

وأفاد محامٍ عراقي آخر بأنه «من المستحيل بالنسبة لي أن أمنع إعدام الضحايا الذين أمثلهم»، مضيفاً: «لا نعرف من سيتم استهدافه، ولأي حالة، ولأي سبب، ومتى. ليس لدي حتى إمكانية الوصول إلى ملفات قضايا موكلي، لقد كنت أبحث منذ أشهر واتصلت بكل محكمة في العراق، لكنهم جميعًا قالوا إنهم لا يستطيعون إعطائي هذه الأشياء».
وقد نُفذت عدة عمليات إعدام جماعية في سجن الناصرية «سجن الحوت كما يُطلق عليه محلّياً»، وهو السجن الوحيد في العراق الذي ينفذ عمليات الإعدام. وتشمل هذه عمليتي إعدام جماعيتين، لـ41 و38 شخصًا على التوالي، بفارق أقل من ثلاثة أشهر في عام 2017.
وقد انخفضت عمليات الإعدام وأحكام الإعدام بشكل مطرد منذ عام 2020، وهو الاتجاه الذي انعكس الآن، ويعتقد أن نحو 8000 سجين، معظمهم متهمون بجرائم «إرهابية»، ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام في العراق.
ويتم تنفيذ «عمليات الإعدام السرية» هذه، كما وصفت في إحدى وسائل الإعلام العراقية، دون شفافية أو إشعار مسبق، إذ ترى المنظمة الحقوقية أنه «يبدو أنها محاولة من جانب السلطات العراقية لاستئناف عمليات الإعدام بطريقة تتجنب الدعاية السلبية والإدانة الدولية التي جاءت مع الجولة الأخيرة من عمليات الإعدام».
ويتحمل الرئيس العراقي مسؤولية التصديق على مراسيم عقوبة الإعدام التي يتلقاها من مجلس القضاء الأعلى، وبعد ذلك يتم تنفيذ أحكام الإعدام.
وقال رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، في بيان صدر في سبتمبر/أيلول 2023، إن على الرئيس رشيد التصديق على جميع أحكام الإعدام الصادرة بتهم المخدرات، وقد عارض الرئيس السابق برهم صالح، عقوبة الإعدام وقاوم التصديق على أحكام الإعدام، لكن الضغوط السياسية والغضب الشعبي من الهجمات «الإرهابية» دفعته إلى التصديق عليها، بحسب تقرير المنظمة.
وقال المحامي: «بدون شفافية، لا يعرف المعتقلون وعائلاتهم ما إذا كانت الأحكام الصادرة بحقهم قد تمت المصادقة عليها أم لا. يعرف بعض المعتقلين أن الأحكام الصادرة بحقهم قد تم التصديق عليها منذ سنوات، ويخشون أن يتم ذكر أسمائهم في أي يوم عبر مكبر الصوت».
ويشير التقرير إلى أن التطبيق الشامل لعقوبة الإعدام يثير «قلقاً خاصاً نظراً للعيوب الخطيرة في النظام القضائي العراقي، لا سيما في محاكمات الإرهاب، التي تحرم المتهمين من الحق في محاكمة عادلة».
وتعارض «هيومن رايتس ووتش» عقوبة الإعدام في جميع الظروف بسبب قسوتها المتأصلة وعدم إمكانية الرجوع عنها.
وبينت المنظمة أنه «لقد تم التعجيل بمحاكمات الإرهاب في العراق عموماً، استناداً إلى اعترافات المتهمين – التي غالباً ما يتم الحصول عليها تحت التعذيب – ولم تتضمن مشاركة الضحايا»، معتبرة أنه «لقد انتهكت السلطات بشكل منهجي حقوق المشتبه بهم في الإجراءات القانونية الواجبة، مثل الضمانات التي ينص عليها القانون العراقي بأن المعتقلين سيمثلون أمام قاض في غضون 24 ساعة، وسيتاح لهم الاتصال بمحام طوال فترة الاستجواب، وسيتم إخطار عائلاتهم ويجب أن يتمكنوا من التواصل معهم أثناء الاحتجاز».
وإذا انتُهكت ضمانات المحاكمة العادلة للمتهم، فإن فرض عقوبة الإعدام سيجعل الحكم تعسفياً، بحسب تقرير المنظمة التي لفتت إلى اعتماد «المحاكم في العراق بانتظام على اعترافات غير موثقة وتتجاهل الادعاءات القائلة بأن هذه الاعترافات تم الحصول عليها تحت التعذيب. وتماشياً مع المعايير القانونية الدولية والإجراءات الجنائية العراقية، يجب على القضاة العراقيين التحقيق في جميع مزاعم التعذيب الموثوقة وقوات الأمن المسؤولة، ونقل المحتجزين إلى مرافق مختلفة فور زعمهم تعرضهم للتعذيب أو سوء المعاملة لحمايتهم من الانتقام».
وأكدت أنه «يجب على الحكومة أن تكرر للقضاة أنهم ملزمون برفض أي دليل يتم الحصول عليه عن طريق التعذيب. ينبغي للسلطات القضائية التحقيق وتحديد المسؤول عن أي تعذيب، ومعاقبة الضباط المسيئين، وتعويض الضحية».
وأشارت إلى أنه «حكم قضاة عراقيون على متهمين بالإعدام بتهمة فضفاضة وهي مجرد (العضوية في منظمة إرهابية)، دون الإشارة إلى أي أعمال عنف، بموجب القانون الدولي. يقتصر تطبيق عقوبة الإعدام على (أشد الجرائم خطورة)، أي القتل العمد أو القتل العمد».
وقال رجل لقبه الدليمي لـ»هيومن رايتس ووتش»، إن إخوته الثلاثة حُكم عليهم بالإعدام بموجب قانون مكافحة «الإرهاب» العراقي، وهم مسجونون في سجن الناصرية منذ 2015، موضحاً أن إخوته «اتُهموا ظلماً بالإرهاب بعد أن رفضت عائلته طلب إحدى الميليشيات. يحاول الابتزاز تزويده بالشراكة في شركة البناء التابعة لعائلته».
ووفق الدليمي، فإن إخوته تعرضوا للتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة. ولا يُسمح لوالدته وزوجات إخوته بالزيارة إلا كل ستة أشهر، ويواجهون وحشية حراس السجن في كل زيارة.
وزاد: «خلال الزيارة الأخيرة، قام أحد حراس السجن بضرب ابن أخي البالغ من العمر 10 سنوات. أخبر إخوتي والدتي أنهم تعرضوا للتعذيب، وأجبروا على التوقيع على اعترافات، وعذبوا نفسياً، وأطعموا طعاماً سيئاً وأجبرهم الحراس على الوقوف عراة في الهواء الطلق كشكل من أشكال العقاب».
وذكر الدليمي أن عائلته أمضت سنوات تحاول الحصول على تقرير طبي لإثبات روايات إخوته عن التعذيب دون جدوى»، مستدركاً بقوله: «لم يقدموا لنا التقرير. لقد نقلونا من محكمة إلى أخرى».
وفي ظل تزايد عمليات الإعدام، يخشى الدليمي على حياة إخوته. ويضيف: «يمكن أن يحدث ذلك في أي وقت. نحن لا نعرف. إنهم لا يشاركوننا المعلومات».
ويشتهر سجن الناصرية أيضاً بظروفه القاسية، حسب «هيومن رايتس ووتش» التي أفادت بأنه «بما لا يقل عن 96 حالة وفاة لنزلاء الناصرية منذ عام 2021، 18 منهم خلال فترة أربعة أسابيع في عام 2021. وتحدث العديد من هذه الوفيات في ظروف مشبوهة، وتظهر على الجثث أدلة على التعذيب، كما مُنعت العائلات من الاطلاع على تقارير التشريح».
قالت صنبر: «لسنوات، كان لدى العراق أحد أعلى معدلات الإعدام في العالم. من المقلق للغاية أن نرى عودة العراق إلى هذه العقوبة بدل إجراء إصلاحات قضائية فعلية تضمن المحاكمات العادلة».
وأول أمس، كشف المركز الحقوقي العراقي «جرائم الحرب»، عن ارتفاع أحكام الإعدام بحق معتقلين في السجون.
وقال المركز في بيان صحافي، إنه «أُصدِرَت أوامر بتنفيذ حكم الإعدام بحق أكثر من 150 معتقلاً أُدينوا خلال الأعوام المنصرمة»، معتبراً أن الخطوة «تدل على أن المحاكمات ناقصة الشرعية والثبوتية، نظراً إلى الإجراءات التي سبقت القرار النهائي بحكم الإعدام من تعذيب وإجراءات انتقامية، فضلاً عن أن إجراءات التحقيق لم تسلك الطرق الصحيحة في الاستئناف ولا غيره من الطرق القانونية التي يمكن من خلالها أن تثبت الجرم أو عدمه، ومن ثم سيكون الإعدام من أول جلسة حكم على المدان، سواء أكان مجرماً أم بريئاً».
وبيّن أن «للأمم المتحدة أكثر من قرار غير ملزم يطالب بوقف عقوبة الإعدام، كما يمثل الإعدام في العراق تجاوزاً على حق الإنسان في الحياة، لأن ما يحصل في هذا البلد هو إزهاق روح الإنسان بناءً على الشبهة والاعتراف المنتزع بالتعذيب، وهي حقيقة سائدة ومؤكدة في العراق اليوم، إضافة إلى أن الإعدام يتناقض مع البروتوكول الثاني الملحق بالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية المعتمد من الجمعية العامة للأمم المتحدة والذي يهدف إلى إلغاء عقوبة».
وطالب المركز مكتب الأمم المتحدة في العراق بالعمل على «وقف عقوبة الإعدام في العراق، لأنها تجري بشكل تعسفي وعلى أساس اعترافات يجري انتزاعها من المتهمين بالتعذيب والإكراه، كما أن النظام القضائي العراقي لا يكفل إجراء محاكمة نزيهة كافية بما يتفق مع العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية».
ومطلع هذا الأسبوع، دعا رئيس تحالف «العزم» السنّي في محافظة ديالى النائب رعد الدهلكي، رئاسة الجمهورية إلى التريث في المصادقة على قوائم الإعدامات المرسلة إليهم لحين حسم جميع الملفات المتعلقة بالأبرياء، وفقاً للاتفاق السياسي.
وذكر في بيان صحافي حينها أن «هنالك معلومات يتم تناقلها بشأن إرسال قوائم إلى رئاسة الجمهورية تضم أسماء 500 معتقل في السجون، أغلبهم من مقاومي الاحتلال للمصادقة على إعدامهم»، مبيناً أن «توقيت هذه الخطوة للأسف، لم يكن موفقاً لعدة اعتبارات، أولها عدم حسم مراجعة جميع ملفات المعتقلين، إضافة إلى أن تلك الخطوة لا تنسجم مع تفاهمات الاتفاق السياسي الذي تشكلت من خلاله الحكومة».
وأوضح أن «الوضع السياسي وحتى الأمني في العراق والمنطقة، يجعلنا بحاجة إلى التريث في أي خطوات من شأنها خلق نوع من التوتر، على اعتبار أن حجم التحديات بحاجة الى احتواء الأزمة وعدم البحث عن قرارات أو مواقف تعقد المشهد بدل تلطيف الأجواء»، مشدداً على أن «هنالك العديد من القابعين خلف قضبان السجون هم ضحية للمخبر السري والوشاية الكاذبة أو الإدلاء باعترافات تحت التهديد والتعذيب وهنالك لجان مشكلة لتدقيق ومراجعة جميع الطعون في الأحكام الجنائية المتعلقة بتلك الملفات».
وأشار إلى أن «هنالك جهوداً تبذل كجزء من الاتفاق السياسي لتشريع قانون العفو العام ينصف الموجودين ظلماً خلف القضبان، ويستثني من تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء، لذا فإن رئاسة الجمهورية مطالبة بالتريث في عملية المصادقة على تلك القوائم إلى حين حسم مراجعة جميع الملفات وتشريع قانون العفو العام».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية