أحفاد مانديلا يعلنون للعالم أنهم يُعيدون كتابة التاريخ مجددا… وأمريكا تفقد الثقة داخل الحلف الغربي

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: حلت الذكرى الثالثة عشر لثورة الخامس والعشرين المجيدة.. الميادين التي شهدت أهم حدث مصري في العصر الحديث باتت بحوزة قبضة أمنية حديدية، لكن الغضب في الصدور يتضاعف، كما أن الخوف الذي كان يسكن الوجوه في السابق، تلاشى الآن. والأسواق، سواء الموجودة في الأحياء الراقية، أو الشعبية، تشهد انتقادا واسعا للحكومة، بسبب الجنون الذي اجتاح السلع كافة، بينما يحذر عقلاء قوى الحكم من طوفان مقبل بسبب استحالة العيش بالنسبة لملايين المواطنين. وتقدم أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، بخالص التهنئة للمصريين بمناسبة ثورة 25 يناير/كانون الثاني، مؤكدا أنها، كتبت فصلا جديدا في تاريخ النضال المصري، والسعي نحو النهوض بالوطن، سائلا المولى – عزّ وجل- أن يهيئ لمصرنا كل أسباب الرخاء والاستقرار، وأن يرحم شهداءَ مصر الأبرار، وأن يحفظَ وطننا العزيز من كل مكروهٍ وسوء، وأن ينعم عليه بالخير والأمن والازدهار والسلام. كما هنأ الأزهر الشريف الرئيس السيسي ووزارة الداخلية بعيد الشرطة. وهنأ المستشار شعبان رأفت عبد اللطيف أمين الشؤون القانونية المركزية لحزب مستقبل وطن الرئيس السيسي وقيادات الدولة والشعب المصري، بمناسبة الذكرى الـ72 لعيد الشرطة، والذكرى الثالثة عشرة لثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني، مؤكّدا أن الشعب المصري أصبح يعيش في أمن وأمان واستقرار، بفضل جهود رجال الشرطة الأوفياء. واستعرض الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، تقريرا، أعدته الهيئة العامة للرقابة المالية حول إطلاق أول صندوق للاستثمار في الذهب، بعد استحداث تشريعات جديدة منظمة لتلك الصناديق، التي تعد حديثة العهد على الاقتصاد المصري، من أجل تلبية رغبات الكثيرين ممن يبحثون عن فرص استثمارية غير تقليدية، للحفاظ على قيمة أموالهم. وأكد أن صناديق الاستثمار في المعادن، ومنها الذهب، تأتي في ضوء الرغبة في توفير فرص استثمارية وادخارية تلبي احتياجات مختلف فئات المجتمع، بشكل يسهم في التحوط ضد مخاطر تقلبات الأسعار، من خلال المشاركة في استثمار منظم وآمن، مضيفا أن هذه الصناديق تأتي كذلك في إطار جهود الإصلاح الاقتصادي الذي تنتهجه الدولة المصرية في مختلف المجالات والقطاعات.
لو تركناهم

دون مواربة يوجز جميل مطر في “الشروق” ما كان في انتظارنا: لو تركناهم ينفذون الخطط والمشروعات التي أعدوها لنا ولغيرنا، بل ولهم هم أنفسهم، لوجدنا أنفسنا بغير إرادتنا في عالم غير عالمنا، ونحو مصير غير ما كنا نود، وكل بلادنا بحدود غير ما سبق ورسم لنا. أراهم وأرانا على النحو التالي: أولا: دوليا.. أرى نظاما دوليا يخطو متأرجحا بين مكونات وقواعد عصر هيمنة أمريكا على العالم، ومكونات ناشئة لعصر قطبية ثنائية أو تعددية وقواعد لها. هذه القواعد يجري العمل حاليا على صياغتها بدأب، من خلال توترات وعنف وعدم استقرار ومنافسة شرسة وحروب صغيرة عديدة، وصل عددها في الشرق الأوسط وحده عشرة صراعات، كلها وغيرها من طباع المراحل الانتقالية. أرى أمريكا تخرج أكثر ارتباكا وانحدارا من تجربتها الأوكرانية، وتجربة الإبادة الفلسطينية في غزة والضفة الغربية، تخرج منهما فاقدة رصيدا مهما من الثقة المتبادلة والضرورية داخل الحلف الغربي. تخرج مثل ألمانيا مثخنة بجراح ناتجة عن سوء تصرف وانصياع لضغط صهيوني، كلاهما شاركا في خلقه قبل أن يستسلما له. تخرج، كما خرجت بريطانيا العظمى من عصرها الإمبراطوري منهكة وبنظام حزبي ونخبة حاكمة عاجزتين، كلاهما شوهته تجارب الانسحاب العسكري والسياسي من المستعمرات ومواقع النفوذ وصعوبات المواجهة مع أقطاب صاعدة، وثورة شاملة في عالم الجنوب. أرى في كلا البلدين وبلاد أوروبية بوادر عواصف عنصرية جامحة، أرى وبكل الوضوح الممكن أزمات متلاحقة للديمقراطية، كنظام حكم، في العالم بأسره، وفي دول الغرب بصفة خاصة. أراها مثلا في شكل فوز دونالد ترامب في انتخابات هذا العام، وفي الوقت نفسه في شكل فوز جو بايدن ونظامه المستكين. أراها في تضخم حال ونفوذ الشركات العظمى وفي الصعود المتسارع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي. رأيتها جميعا تفوح في جلسات ومناقشات مؤتمر دافوس.

مثيرون للشفقة

واصل جميل مطر قراءة المشهد الذي يعتري العالم: أرى الصين تزداد قوة وتقدما اقتصاديا ونفوذا دوليا وأرى الجنوب بصفة عامة أكثر اقترابا منها. أراها تزداد ثقة في مكانتها الدولية وفي استمرار انحدار مكانة الولايات المتحدة. أراها جاهزة لتفادي الاصطدام بأمريكا ومستعدة بمزيد من الصبر ذي التكلفة الداخلية الباهظة لتأجيل المواجهة الحتمية في موضوع تايوان.. أرى روسيا تستعيد الثقة بنفسها والقوة اللازمة للاحتفاظ بمكانتها، كقطب من أقطاب القمة الدولية. أراها غير غافلة عن إرث ماضيها الإمبراطوري وحريصة على ابتكار أشكال مناسبة للنفوذ، خاصة في وسط وشمال آسيا والقوقاز وشرق أوروبا.. تعرف أن الحال في معظم هذه البلاد العربية والافريقية مرشح لتحولات كبيرة وتعرف أن دورا لها هناك ينتظرها. إقليميا، أرى النظام العربي بسبب أزمته الراهنة وفشله في الخروج منها، وتحت ضربات متعاقبة وضغوط خارجية يقترب من الانفراط. كان مثيرا للاهتمام والتحليل مراقبة ومتابعة مواقف دول النظام العربي من أزمة غزة. رأينا تناقضا لافتا. أثبتت الأزمة أو كشفت عن ضعف شديد لدول النظام منفردة في المواجهة بين الدول أعضاء النظام. اتضح أن هذه الدول منفردة أو مجتمعة لم تعترف أصلا بأنها في وضع مواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة، وفي الوقت الذي أعلنت أمريكا وبريطانيا وألمانيا ودول أخرى أنها متحالفة مع إسرائيل في مواجهة معلنة وصريحة، لم تتمكن دول النظام العربي من التصريح بأن الأزمة بين غزة وإسرائيل تقع ضمن صراع أشمل وأعم وهو الصراع العربي الإسرائيلي. يظهر التناقض واضحا من إجماع دول النظام العربي على التمسك بهذا الموقف من الأزمة. أجمعت هذه الدول على رفض تهجير أهل فلسطين وعلى طلب وقف إطلاق النار وعلى عدم توسيع نطاق الحرب الدائرة. لكنني أظن، وأتفهم لو كان ظني صحيحا، أن إسرائيل وأمريكا معها أفلحتا في ردع الدول العربية مجتمعة أو منفردة بعد نجاحهما في تدمير البنية التحتية لغزة ومحو المدن وقطع الكهرباء والمياه ووسائل الاتصال. أمريكا الحليفة لمعظم الدول العربية كانت طرفا في هذه الأعمال الحربية والسياسية المتوحشة، التي شنتها إسرائيل بإرادتها المستقلة أو بدعم كامل مسبق ومعلن من الحليف المشترك لكل من إسرائيل والدول العربية.

سننتصر عليهم

قال راجي الصوراني رئيس المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، رئيس الفريق القانوني الفلسطيني لدى المحكمة الجنائية الدولية، عضو الفريق الفلسطيني المشارك مع فريق الدفاع القانوني لجنوب افريقيا أمام محكمة العدل الدولية، في حوار في ” المصري اليوم” أجراه معه عبر الهاتف من لاهاي وائل علي، إن محكمة العدل الدولية هي محكمة للدول وليس الأفراد، وهذا ما يفرق بينها وبين الدعوى المرفوعة أمام المحكمة الجنائية الدولية. وأشار الصوراني، إلى أن فلسطين لا تُعتبر دولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة، وبالتالي فإن لجوء جنوب افريقيا إلى المحكمة لرفع دعوى قضائية أمام المحكمة ضد إسرائيل بتهمة ممارسة الإبادة الجماعية يأتي في سياق مواقف جنوب افريقيا التاريخية لدعم قضية فلسطين. وأضاف، أن أحفاد الزعيم نيلسون مانديلا، الذي هزم نظام الفصل العنصري، وقاد مسيرة التحرر لشعبه ووطنه. يمارسون اليوم نهج مانديلا، بالوقوف أمام دولة الاحتلال التي تمارس الإبادة الجماعية في حق الفلسطينيين، ليعلنوا للعالم كله أنهم يُعيدون كتابة التاريخ مجددا، معتبرا أن مواقف مانديلا كانت داعمة لقضية فلسطين، حيث كانت له مقولة شهيرة: «لن تتحرر جنوب افريقيا دون تحرر فلسطين». وحول ردود أفعال الفريق الإسرائيلي قال الصوراني: توقعنا ردا مليئا بالمغالطات وخلق الأعذار ولَيّ الحقائق، وهي عادة إسرائيل أمام حدث جلل مثل هذا يتعرضون له، وهذا ما يفسر حالة الفشل والتوتر، التي بدا عليها فريق الدفاع. وكشف عن ثقته في المحكمة، قائلا: هم قضاة وخبراء في القانون الدولي، وجميعهم مستقلون ورأيهم مستقل، وثقتنا في مهنية واستقلالية القضاء في محكمة العدل الدولية بناء على تجارب سابقة، فهم لم يخذلونا سابقا في قضية وضع الجدار الفاصل في عام 2004 عندما طلبت الأمم المتحدة رأيا استشاريا حول تلك القضية.

احذروا الفخ

على غرار عبارة «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة» يلحظ المتابع للمواقف الغربية، أمريكية أو أوروبية، هذه الأيام أنها تعزف على نغمة أنه لا حل للصراع العربي الإسرائيلي سوى «حل الدولتين». الطرح كما اقتفى أثره الدكتور مصطفى عبد الرازق في “الوفد”، يمتد من أكبر رأس في النظام الأمريكي وهو بايدن، مرورا بوزير الخارجية بلينكن، وليس انتهاء بجوزيب بوريل ممثل الاتحاد الأوروبي للسياسة الخارجية، وفي القلب من هذا الاتحاد يأتي نداء ألمانيا بأنه الحل الوحيد للصراع. ورغم أن هذا الحل من المفترض أنه يمثل أساس التقسيم الدولي لفلسطين في 1948، على أساس قيام دولة فلسطينية وأخرى إسرائيلية، إلا أن الأولى ـ الدولة الفلسطينية ـ ضاعت في زحام المعارك والصراع وأصبحت في عداد الأحلام. أبسط تعريف لفكرة حل الدولتين عبر عنه تقرير صحافي بإشارته إلى أنها فكرة عمرها عقود وبعيدة المنال أحيتها حرب غزة. ونضيف من عندنا أنها تحولت بمرور الوقت إلى ما يشبه حبة مخدرات يقدمها الغرب لحلفائه من العرب لكي يعيشوا حالة من الوهم.. وعبر عن ذلك أفضل تعبير قيادى فلسطيني بتأكيده أن ما يطلقه المسؤولون الأمريكيون حول حل الدولتين عبارة عن بيع الوهم للشعب الفلسطيني وملهاة أمريكية لكسب مزيد من الوقت. إذا وضعت في اعتبارك أن الصراع ممتد من أكثر من ثلاثة أرباع القرن لأدركت بسهولة أنه لو كانت هناك نية لتطبيق ذلك الحل لأصبح حقيقة منذ زمن. قد يرد البعض بأن الفلسطينيين يضعون العقبات أمام الحل، ورغم أن ذلك غير صحيح باعتبار أن تلك العقبات في مفهوم البعض هي إصرارهم على الحصول على حقهم بشكل مناسب، إلا أن اتفاقات أوسلو تدحض تشدد الفلسطينيين، وتشير إلى أنهم قبلوا بالقليل وها هو نتنياهو يتباهى بأنه ينأى بإسرائيل عن أخطاء أوسلو.

وعد زائف

واصل الدكتور مصطفى عبد الرازق تحذيراته: رغم كل الأمنيات بأن يتحقق حل الدولتين، وبما يحفظ الحقوق الفلسطينية، إلا أنه في سياقه الحالي ليس سوى فخ لاصطياد العرب، وجرّ من بقي منهم خارج حظيرة التطبيع، وتوفير الأجواء لنهاية غير محرجة لحرب إسرائيل على غزة، تحفظ ماء وجه القادة الإسرائيليين، لو كانت الولايات المتحدة جادة في صيغة حل الدولتين لسعت إلى تحقيق ذلك باعتبارها شريك تل أبيب في الحرب على غزة، والشريك له حق في أن يؤخذ برؤيته.. أما الحديث عن خلافات أمريكية إسرائيلية حول ذلك الحل، فأمر لا يمثل في التحليل النهائي سوى نوع من الخداع. وعلى ذلك لك أن تستغرب ما يشبه اللغة العنترية لممثل الاتحاد الأوروبي، رغم كل الترحيب بها، والتي يقول فيها إن معارضة الحكومة الإسرائيلية حل الدولتين «غير مقبولة». ماذا يعني غير مقبولة وماذا فعل الاتحاد الأوروبي في مواجهة عدم المقبولية تلك؟ الأكثر من ذلك تأكيده أن حل الدولتين مع دولة فلسطينية مستقلة هو الهدف النهائي للكتلة الأوروبية المكونة من 27 دولة. معقولة 27 دولة لا تستطيع الترتيب مع حليفتها أمريكا، التي تؤيد الحل ذاته، وفق التصريحات الرسمية للسعي لدى قادة إسرائيل لفرضه؟ ولو كان الأمر كذلك أليس من المطلوب ردا على ذلك هو رفع الحماية والدعم عن تلك الدولة العبرية المارقة؟ الخوف كل الخوف، من أن يجد البعض منا في تلك الدعوة الرنانة الفرصة والمبرر للانخراط في المشاريع الإقليمية، التي ترتب لها واشنطن، وعلى رأسها دمج إسرائيل في المنطقة، ثم نكتشف أن وعد حل الدولتين ليس سوى قبضة ماء سرعان ما تتسرب من بين أيدينا.

شجاعة أحفاد مانديلا

سطر أحفاد مانديلا بأحرف من نور صفحة جديدة في تاريخ البشرية دفاعا عن الحرية والإنسانية وقمعا للعنصرية.. تابع مختار محروس في “الوفد”: أثبت أحفاد مانديلا أنهم، على الدرب، سائرون، في أيديهم شعلة الحرية والنصرة للمظلومين المقهورين من الظلم والاستبداد.. استطاع أحفاد مانديلا أن يجرجروا مدعي الديمقراطية والحرية إلى قفص الاتهام بأبشع جريمة على وجه البسيطة، وهي الإبادة الجماعية.. جريمة العار والخذلان والإجرام لكيان عاث في الأرض فسادا وجبروتا وطغيانا على شعب جريمته أنه يريد أرضه المغتصبة ومقدساته الإسلامية المدنسة.. جنوب افريقيا نجحت في اتهام الكيان الصهيوني باتهام كانوا يعيشون عليه باعتبارهم الضحية.. جنوب افريقيا نجحت في تلاشي فرية محرقة الهولوكوست أو فزاعة معاداة السامية، التي عاش عليها الكيان المحتل. استطاع فريق الدفاع الجنوب افريقي أن يقدم لقضاة العالم دفعا ودفوعا مؤيدة لطلباتهم، التي على رأسها وقف أو تعليق الأعمال العسكرية للحيلولة دون وقوع ضرر لا يمكن جبره وهو الإبادة الجماعة لشعب غزة. دفوع قدمها فريق الدفاع ببراعة واقتدار.. سوف يظل العالم يذكر المحامية الشابة الأنيقة عديلة حاسيم أحد أعضاء فريق الدفاع، وهي تصول وتجول في ساحة عدالة محكمة العدل الدولية في وصف جرائم الصهاينة، وتوضح لقضاة العالم أن ما يحدث في غزة هو إبادة جماعية للمدنيين العزل.. ترافعت عديلة حاسيم الشابة الأنيقة بمهنية عالية، وأسلوب رصين وأداء متميز، ودفوع قانونية محكمة، استطاعت أن تجذب أنظار الملايين الذين يتابعون أول محاكمة للكيان المحتل عبر التاريخ.. تحية لك عديلة «وعاش اللي ربى وعلم» ولأعضاء فريق الدفاع برئاسة وزير العدل الجنوب افريقي رونالد لامولا. مهما كانت النتائج وما يصدر من قرارات وقتية فقد ربح الكيل لدولة جنوب افريقيا ولشعب فلسطين وقضيتهم العادلة. فلتحيا جنوب افريقيا.

ثورتنا الجميلة

رغم أن ثورة 18 و19 يناير/كانون الثاني 1977 ظلت منسية، أو يريد المصريون نسيانها، فإنها ظلت حاكمة لتاريخنا في العقود التالية، حتى جاءت ثورة 25 يناير الأخرى في 2011. حتى حصلت كما يقول الدكتور عبد المنعم سعيد في “الأهرام”، على مجد الوجود في الدستور، رغم ما جرى من إعادة النظر في ما قامت به على ضوء الثورة التالية في 30 يونيو/حزيران 2013. كانت المفارقة بين ما أراده الرئيس السادات، وما أرادته الجماهير، هي النقطة الحاكمة التي لم تؤد فقط إلى تراجع شعبية الرئيس السادات التي حصل عليها بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول، وإنما قادت إلى اغتياله بعد أن بات تحرير كامل التراب الوطني على مرمى حجر. كان الرئيس يعلم أن مصر عانت كثيرا حتى تقاتل وتحرر الأرض، ولكنه أيضا كان متطلعا إلى أن ترتقي وتصل إلى مصاف الدول المتقدمة. علينا ألا ننسى أنه في عام 1977 ومن بعده عام 1978 كانت الأعوام التي اتخذت فيها الصين قرارا مصيريا أن تشمر عن ساعديها وتعمل بكل قوة، أكثر مما تتكلم بكل حماسة الكتاب الأحمر، وكانت الأعوام ذاتها التي ولدت فيها «النمور الآسيوية» التي قررت فيها أن تعتمد على نفسها بعد الانسحاب الأمريكي المخزي من فيتنام وجنوب شرق آسيا. ومن عجب أنه بعد كفاح بهر العالم كله، لم تمض عقود كثيرة حتى لحقت فيتنام نفسها بالركب، ولكن هذه رواية أخرى تحكي عمن انتصر في حرب فيتنام في النهاية. مشروع الرئيس السادات الذي جاء في «ورقة أكتوبر» وعنوانه «الانفتاح الاقتصادي» كان يتضمن التحول إلى اقتصاد السوق، وثقافة المنافسة، والعمل الشاق الذي بعد هذه العقود جعل الصين دولة عظمى، وبقية النمور الآسيوية في مقدمة الدول الصناعية في العالم. وجهات النظر التي سادت كان وصف الانفتاح أنه «سداح مداح»، وأنه جعل الفقراء أكثر فقرا، بينما الأغنياء أكثر غني، كان توزيع الثروة من خلال دعم كل شيء وقيام الدولة بتوفير هذا الدعم دون زيادة قاعدة الثروة القومية.

المهم النتائج

تأخرنا كثيرا في دخول عالم المحطات النووية لإنتاج الطاقة النظيفة. كانت هناك محاولات، كما يرى جلال عارف في “الأخبار” تم تعطيلها واتفاقات مبدئية تم قطع الطريق عليها، ومصالح خارجية وداخلية تعرقل دخولنا هذا الميدان، وتطوير برنامجنا السلمي لاستخدام الطاقة النووية. تغيرت الأوضاع بعد توقيع الاتفاق على تنفيذ مشروع «الضبعة» مع الاتحاد الروسى عام 2015، وبالأمس كان الرئيس بوتين يشارك الرئيس السيسي عبر «الفيديو كونفرانس» في الاحتفال ببدء العمل لوضع أساسات المفاعل النووى الرابع والأخير في محطة «الضبعة» التي من المقرر أن تبدأ إنتاج الكهرباء بعد 5 سنوات وأن تصل إلى طاقتها القصوى عام 2030. ولتستمر في الإنتاج، بإذن الله، على مدى ثمانين عاما بطاقة تبلغ 4800 ميغاوات من الطاقة النظيفة. إنجاز كبير يؤكد متانة العلاقات المشتركة بين مصر وروسيا، ويعيد للذاكرة رحلة صداقة وتعاون كان من ثمارها بناء السد العالي العظيم ووقوف «الاتحاد السوفييتي» معنا في كل معاركنا الكبرى.. وصولا إلى فتح أبواب التعاون الآن التي تمتد من «الضبعة» إلى المنطقة الاقتصادية في قناة السويس. والمرشحة للتوسع في كل المجالات بعد انضمام مصر لمنطقة «البريكس» مع بداية هذا العام. مهم جدا أن يتم تنفيذ خطة العمل في «الضبعة» قبل موعدها، رغم الظروف الاستثنائية التي يواجهها الجميع. ومهم جدا أن تكون الصناعة المصرية حاضرة في المشروع بكل جدارة وبالمواصفات العالمية، وأن يكون «الضبعة» فرصة جديدة للاستثمار العلمي في الاستخدام السلمي للطاقة النووية في المجالات المختلفة، بالإضافة إلى إسهامه الاقتصادي والاجتماعي وإنتاجه من الطاقة النظيفة التي تبعد خطر التلوث المناخي، وتقلل الحاجة إلى استيراد البترول. إنجاز مهم يتم في ظروف استثنائية صعبة، ليؤكد قوة التعاون المشترك بين البلدين، وليؤكد أيضا جاهزية مصر للمضي قدما في بناء الدولة القوية الحديثة، وامتلاكها لكل العناصر اللازمة لذلك بشريا وماديا، وامتلاكها أيضا للقرار المستقل الذي يفتح أبواب التعاون المشترك مع الجميع، ويعرف جيدا أن الخير مقبل حين يكون قرارك بيدك والمصلحة الوطنية وحدها هي الهدف. فلننطلق من درس الضبعة لنعبر كل التحديات.

ارحموا شيخوختها

عندما تابعت كريمة كمال في “المصري اليوم” ما جرى هذا الأسبوع أصيبت بالإحباط حقا من الهوة التي تردينا فيها، على حد وصفها، هوة عميقة لا تمت للمصريين بصلة.. أتحدث هنا عن ظهور الفنانة الكبيرة نجاة الصغيرة بعد غياب طويل جدا.. ظهرت الفنانة على مسرح في الرياض، حيث غنت سواء، لايف أو بلاي باك وتم تكريمها.. البعض ممن يتمتعون بأصالة المصريين فرحوا جدا بظهور الفنانة بعد طول غياب، منذ أن اعتزلت ما يقارب الثلاثين عاما.. أما البعض الآخر فقد ساءهم أن تظهر الفنانة وهي بهذا الكبر، وبعد أن تقدم بها العمر ورأوا أنها كان يجب أن تظل ممتنعة عن الظهور، حتى لا يراها الجمهور على هذه الحال، من التقدم في السن وكأن التقدم في السن سبة، وكأن العجز فضيحة يجب أن نداريها حتى لا يراها الآخرون. الأسوأ من هذا أن البعض بحثوا عن السبب الذي دفعها للظهور، هل هي النقود التي دفعت لها أم ماذا؟ بل إن أحد مقدمي البرامج رأى أنه لا يصدق أن الفلوس هي السبب، وأن امرأة في هذا العمر المتقدم ليست بحاجة للفلوس، لكن ربما كان هناك شخص من المحيطين بها هو الذي يريد أن يحصل على النقود.. وتحول الأمر إلى سجال، البعض يحيي ظهور الفنانة الكبيرة والبعض يدين هذا الظهور ويعتبره غلطة وسبة وشيئا ما كان يجب أن يحدث. واصلت كريمة كمال الدفاع عن نجاة الصغيرة بممارسة حياتها: الأمر وصل إلى كتابة بوست يطلب من الناس أن يقرروا ما إذا كانوا مع ظهور الفنانة نجاة الصغيرة في السعودية أم ضده.. لم يسأل سوى قليلين لماذا نسيت الفنانة الكبيرة كل هذه السنوات الطويلة، دون أن يتم تكريمها أو الاحتفاء بها بأي شكل من الأشكال؟ وهل حينما يأتي أحد من الخارج ليقيم لها هذا التكريم نعترض ونرفض؟ أم يجب علينا أن نشعر بالفخر بفنانينا الكبار الذين صنعوا مجدا لن ينسى، وتراثا فنيا ما زال يعيش حتى الآن وننتبه إلى مَن مِن فنانينا تاه وسط حالة اللامبالاة، فلم نلتفت لنكرمه ونحييه ونشعره بقيمته وهو ما زال حيا بيننا.

بعد اتضاح الصورة

هل توافق على سفر محمد صلاح إلى إنكلترا للعلاج؟ كان هذا السؤال الذي طرح على حسن المستكاوي في “الشروق” عقب العاصفة التي واجهته ليجيب: نعم موافق. ولكن أين اتحاد كرة القدم وأين إدارة المنتخب والجهاز الطبى؟ اللطيف أن الجميع تحدث بعد أن اتضحت صورة إصابة صلاح الحقيقية، وعلى وجه الدقة تحدثوا بعد أن هدأت العاصفة. نعم ظهر الجميع من خلف الستار بعد أن هدأت الأمور، وعرف الرأي العام حقيقة الإصابة، وقرأوا ما أعلنه وكيل صلاح رامى عباس، وقرأوا تصريحات طبيب المنتخب دكتور محمد أبو العلا، وما كتبته الصحف الإنكليزية. وقد سألتني الزميلة لميس الحديدي: هل لو كنت رئيسا للاتحاد ستوافق على سفر صلاح؟ كان السؤال على الهواء مباشرة في برنامجها «كلمة أخيرة» على قناة “أون”، وكان توقيت السؤال وسط عاصفة غضب وتيار جارف ضد محمد صلاح.. وكانت الإجابة أيضا هى: نعم. وكنت قد شرحت أن الطب الرياضي في إنكلترا قد يسمح بعلاج أفضل وأسرع لإصابة صلاح، ولم أكن أعلم أن الإصابة أشد مما كان متوقعا، وقلت إن ذلك ليس طعنا في قدرات الجهاز الطبي للمنتخب، فربما هم يعلمون ماذا تحتاج الإصابة، وأنه بلا شك الأمر في إنكلترا أكثر تطورا. كل هذا بعد أن سجلت موقفي أيضا من الهجوم على صلاح بشأن أدائه مع المنتخب، صلاح مع ليفربول معه فريق يملك قدرات تساعده، وليس في ذلك أي انتقاص من منتخب مصر، الذي أشجعه بكل جوارحي، فمن المؤسف أن البعض يخلط الأمور، ويخلط بين الرأي الصادق والواضح، الذي يعرض الحقيقة على المتلقي، دون إضافات «إنشائية وخطابية»، وخلط ساذج بين الوطنية والانتماء، وبين مواقف تحدث في ملاعب كرة القدم وساحات الرياضة.

لم يخن فريقه

اتهم “صلاح” في اليوم الذي نشر فيه خبر سفره بكل الاتهامات، لدرجة أن البعض سحب من سلة الاتهامات بجواره أنه «يخون المنتخب»، أنه «القائد فكيف يرحل، وكيف يهرب؟»، وأنه «أساء لزملائه»، وللأسف كانت الإساءات كما أشار إليها حسن المستكاوي، لأفضل لاعب في تاريخ الكرة المصرية، تدور وتسير خلف التيار الجارف، (هؤلاء الذين ادعوا على صلاح صمتوا حين شاهدوا مصطفى محمد يسجل هدف الإنقاذ ويرفع قميص صلاح، وكذلك كانت مشاعر جميع زملاء صلاح). وهو التيار نفسه الذي دار إلى الخلف بعد أن ظهرت التصريحات والحقائق، وأن الإصابة جسيمة، وأن هناك اتفاقا بين الاتحاد المصري والجهاز الطبي للمنتخب وليفربول على سفر صلاح. وكل ما في الأمر أن يورجين كلوب سبق بالإعلان عن سفره، وحين سئل لماذا فعلت ذلك أجاب: لأنني سئلت عن صلاح فكان واجبا أن أرد على السؤال. وصرح بيباين لايندرز المدرب المساعد في ليفربول بأنه لا يمكن التشكيك في التزام، وهو الشخص الوحيد الذي ينبغي ألا تشكك في التزامه، وأضاف: «لم أقابل شخصا، لاعبا، ولكن أيضا قابلت إنسانا، أكثر منه التزاما في حياة لاعب كرة القدم المحترف». في بعض الأوقات يجب أن تظهر المواقف الموضوعية والصادقة بعيدا عن الشعارات «الحنجورية إياها». تظهر وسط العواصف، فلعل وعسى يكون الأمر أوضح أمام الرأي العام. ومن لا يملك اليقين والمنطق والشجاعة سوف يمضي وراء التيار، ويتوارى خلف الستار في انتظار هدوء العاصفة. في تقرير قبل كأس الأمم الافريقية جاء أن صلاح «ملك دون تاج». على أساس أنه لم يفز بكأس افريقيا. لكن هذا التقرير زين بعنوان جميل، لكنه نسي أن صلاح ملك مصري هتف وغنى له الإنكليز لأنه يملك ما لا يملكه غيره من المهارات والقدرات الإبداعية ويصدر البهجة ويصنعها لجمهوره.

التشويه وإهالة التراب

من بين المتعاطفين مع فخر العرب أميرة خواسك في “الوطن”: نظرا لأننا اعتدنا الكذب والخداع كثيرا في حياتنا اليومية، فمن الصعب علينا تقبل أي شيء دون فرض نظرية المؤامرة، ونظرا لأننا نفترض كل ما هو سيئ ونستبعد كل ما هو طيب، فإننا نتجه فورا إلى التشويه وإهالة التراب، كل هذا وغيره تعرض له محمد صلاح على مدى الأيام القليلة الماضية، عقب خروجه مصابا من مباراة مصر وغانا، وخرج نقاد ورياضيون يكيلون الاتهامات لمحمد صلاح، وكلها تدور حول افتعاله الإصابة حتى يلحق بفريق ليفربول في إنكلترا لاستكمال مباريات الدوري الإنكليزي، حتى إنهم ساقوا ما قاله يورجين كلوب مدرب ليفربول من أنه يتمنى لو خرجت مصر مبكرا من البطولة حتى يلحق صلاح بمباريات فرقته، بل إنهم اتهموا صلاح بأنه لم يكمل مشاهدة المباراة مع بقية زملائه، حتى ظهرت تسجيلات الفيديو التي توضح مدى متابعته وتوتره وحزنه، ثم مؤازرته لفريق مصر خلال مباراة مصر والرأس الأخضر، بكل خلجاته، ونزوله إلى الملعب بعد المباراة ليحتفي مع بقية زملائه بنتيجة صعبة، ما كانت تليق بتاريخ مصر الرياضي، ولم يكتف بكل هذا، بل صافح لاعبي الفريق الآخر وجهازه الفني والتقط معهم الصور بكل ترحاب ورقي. الحقيقة أن هذا الرجل يتحمل في بلده ما لم يتحمله أحد، فهو دائما في موضع اتهام وشك، فهناك من يردد أن أداءه في الخارج يختلف كثيرا عن أدائه مع الفريق المصري، ولا يلتفت أحد هنا إلى أن صلاح حين يشارك في فريق إنكليزي كبير هو يشارك في منظومة متكاملة جادة تجتهد وتعمل، وكل لاعب فيها يقوم بدوره على أكمل وجه.

احترسوا من إهانته

صلاح كما تصر أميرة خواسك شريك في هذا العمل المتكامل، وقد دخل هذه المنظومة كأى مصري ينجح في الخارج ولا يستطيع أن يفعل المثل في منظومة بلده، التي يكتنفها الكثير من الأخطاء، لهذا حين يلعب مع الفريق المصري يجسد لنا الحالة الحقيقية للفريق، الذي تحيطه السلبيات بداية من المدرب، الذي من المؤكد أن مصر تمتلك من هو أمهر وأجدر منه كثيرا، والذي يتحمل مسؤولية الفريق كاملة هو وجهازه الفني، إلى منظومة الرياضة بكاملها، وحتى مستوى اللاعبين ومدى جديتهم، كل هذا يصطدم به محمد صلاح ثم عليه بعد كل هذا أن يمسك بعصا سحرية لينقذ الفريق المصري من كل سلبياته، دون النظر لكل الأخطاء التي تتغلغل فيه، ماذا تفعل لو كنت مكان محمد صلاح، وأنت لم تجد فرصتك الحقيقية في بلدك؟ بل لم يعرفك أحد به، إلا بعد أن انتقلت إلى العالمية وأصبح اسمك ملء السمع والبصر؟ وماذا تفعل لو كنت منذ ذاعت شهرتك والاتهامات تلاحقك بالانتساب إلى جماعة الإخوان حينا، والتعالي حينا، ثم الكذب والهروب أخيرا؟ هل يمكن لهذا الرجل أن يظل وفيا لهذا الشعب الذي ينتمي إليه والذي ظل محافظا على صلته ووفائه له، رغم كل ما لاقاه من ظلم في بداية حياته الكروية حتى يومنا هذا؟ حتى لو كان محمد صلاح يريد الكذب ما كان يستطيع أن يكذب، لأنه يعيش في بلد لا تختبئ فيه الحقيقة إلى الأبد، بل تظهر سريعا مهما كانت شعبيته ومهما كانت مكانته، بل هو يعرف أنه كما أن له معجبين ومحبين، فإن له أعداء يمكن أن يبحثوا وراءه ويثيروا حوله الزوابع ويكشفوا الحقيقة، وهو فوق كل هذا إنسان قوى ذو أخلاق راقية، ويوم يريد ألا يشارك في بطولات الفريق المصري فإنه سيعلنها وسيعلن الأسباب التي دفعته لما فعل. إن تلك الحملة المسعورة التي استهدفت نجم مصر الغالي محمد صلاح هي حلقة في سلسلة التنكيل به وبتمسكه بانتمائه لمصر، وهي حملة حقد أكثر من كونها حرصا على مصلحة مصر وصورتها..

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية