راديكالية التَموّل: مَنْ يدفع ضريبة الأخلاق المفرطة؟

بلغت معاناة الفلسطينيين، نتيجة الحرب الإسرائيلية على غزة، حداً غير مسبوق في تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي بأكمله، لدرجة بات من الضروري معها الحديث عن جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان. يستمر هذا وسط تراجع الاهتمام بالحرب، على مستوى الرأي العام العربي والدولي، الذي عاد، بعد حماسه الأول، إلى الانشغال بـ»تريندات» أخرى، من الأزمات الاقتصادية وحتى كرة القدم.
لا يوجد في هذا الظرف ما قد يساعد الفلسطينيين، إلا عدد من المبادرات السياسية والحقوقية والإغاثية، التي تقوم بها بعض الدول، لكن من الملاحظ أن جهات عديدة، متداخلة في الصراع، لا تبدي المرونة الكافية في التعامل مع تلك المبادرات، خاصة السياسية منها. إذ تصر حكومة الاحتلال الإسرائيلي على مشاريعها، التي لا ترضى بأقل من إلغاء الوجود الفلسطيني بأكمله؛ فيما تتمسّك المقاومة بتحقيق النصر الموعود، الذي يصعب تحديد معالمه، وسط الدمار والتهجير وانتشار الجوع والأوبئة بين أهالي غزة. لا يبدو إذن أن أي محاولة حل، سواء كانت أمريكية أو خليجية أو مصرية، تحقق الحد الأدنى من طموحات أطراف الحرب.
يمكن التأكيد بالطبع أن جميع الحلول التي يطرحها عالمنا المعاصر، ظالمة للحق الفلسطيني، لكن المحيّر أن أنصار هذا الحق لا يطرحون بدائلهم عن كل ذلك الظلم، عبر مطالب وأهداف ملموسة، وإنما يكتفون بعبارات وطروحات، لا تبدو صالحة إلا لتحشيد الرأي العام، وهو أمر لا يمكن التعويل عليه كثيراً، مع طول أمد الحرب. ما هو حقاً البرنامج السياسي للخروج من الكارثة السياسية والإنسانية التي يعيشها الشعب الفلسطيني؟ يصعب إيجاد أي إجابة، وهذا يدفع لطرح سؤال آخر عمّا يمكن تسميته «الراديكالية التي لا تحدد ماذا تريد» وهي ظاهرة قد تكون قديمة في تاريخ القضية الفلسطينية، فعندما طرحت منظمة التحرير الفلسطينية أول برنامج سياسي فعلي لها (برنامج النقاط العشر) عام 1974، الذي دعا لتأسيس دولة فلسطينية، على أي رقعة أرض يمكن تحريرها، بعمل عسكري أو تفاوض، تكتّل عدد من الفصائل في «جبهة رفض» واتهم أنصار البرنامج بالخيانة، أما بديله السياسي فلم يكن إلا تكرار عبارات غامضة عن «تحرير فلسطين من البحر للنهر». إلا أن ظاهرة «الراديكالية» غير المحددة تلك ليست حكراً على الفلسطينيين، أو العرب، إذ نجد نظائر لها بين ناشطين متعددي الثقافات والجنسيات، لا يبدو أنهم يتبنّون الأيديولوجيات الإسلامية والقومية، التي ترفعها حركات المقاومة المعاصرة. لماذا يرفض راديكاليو عصرنا تقديم أي طرح واضح؟ وهل من طريقة لفهم ما يريدونه حقاً؟

ضد السياسة

ظاهرة الاستقالة السياسية، أي أن يجد الناشط نفسه في حِلٍّ من تقديم مطالب وبرامج محددة في الحيز العام، لم تكن يوماً منتمية للسياسة الراديكالية، بمختلف مشاربها، بل ربما كان العكس صحيحاً، بالغ المسيّسون، حتى ستينيات القرن الماضي، في صياغة البيانات والبرامج السياسية، لدرجة عرّضتهم لكثير من التهكّم. الأمر اختلف في ما بعد، لأسباب يمكن وصفها بالموضوعية، إذ بدا، في أواخر الستينيات، أن قنوات السياسة التقليدية في الدول الغربية قد تجمّدت وتصلّبت، لدرجة أنها لم تعد تفيد سوى بفرض هيمنة أجهزة الدولة على البشر المتنوّعين. كان تحطيم تلك القنوات ضرورة لـ»تحرير» السياسة من البقرطة العامة للحيز العام، وإطلاق حيوية الناس، الذين لم يجدوا تصنيفاً مناسباً لهم ضمن «الفئات المعترف بها» آنذاك، فهم ليسوا بورجوازيين، أو عمالاً ذكوراً بيض مسيحيين. ومع فقدان الأمل بالتغيير من داخل المجتمع المدني البورجوازي القائم، أو عبر الحركة العمالية التقليدية، التي ظهرت وكأنها ارتكبت «خيانة تاريخية» بالتواطؤ مع مؤسسات دولة الرفاه في الغرب، كان «الحل» إجراء انقلاب على المجتمع القائم نفسه، بدوله وأحزابه ونقاباته، وبالاستعانة بأساليب، تراوحت من الإرهاب المسلّح،؛ إلى الاحتفاء بـ»الفصام» في وجه المنظومة، عبر الأدب والفن والفلسفة.
بروز «اليسار الجديد» آنذاك لم يكن مجرّد ظاهرة غربيّة، انتشرت في فرنسا أو إيطاليا أو الولايات المتحدة، بل شاركت به حركات سياسية عربية، ومنها فصائل مقاومة فلسطينية، مثل «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» التي كانت حليفاً، بل وملهماً، لكثير من الحركات السياسية والمسلّحة حول العالم. إلا أن كل هذا يبقى مجرّد تاريخ مضى، فـ»اليسار الجديد» الذي كان على هامش الحركة العمالية ودول المنظومة الاشتراكية في الغرب؛ وأنظمة التحرر الوطني في العالم الثالث، انتهى بانتهاء تلك المنظومات. ما بقي اليوم هو نمط غريب من الراديكالية، خاصة بعد امتزاجه بكثير من الدعوات الدينية والأصولية، وارتباطه بنوع آخر من الداعمين والحلفاء. توجد اليوم جماعات، تتطرّف أكثر وأكثر في رفض «المنظومة الظالمة» إلا أنها لم تعد مكوّنة من بعض الطلاب والمثقفين والمغامرين والعمال غير النقابيين، الذين لم يجدوا لأنفسهم مكاناً في المجتمع القائم، وإنما تنظيمات تبدو أقوى من المجتمع نفسه، وقادرة على فرض إيقاعها عليه. ما يثير الاستغراب حقاً أن تلك التنظيمات «فصامية» بالفعل، ليس بالمعنى الفلسفي الذي قد نجده لدى مفكرين مثل جيل دولوز، وإنما بمعنى «واقعي» للغاية، إذ أن قوتها وحضورها، ونقاءها الراديكالي، ليسا إلا بفضل دعم من أطراف في «المنظومة» لا يمكن وصفها أبداً بالنقاء، بل مساهمة عضوياً في كل ظاهرة ظلم واستغلال يمكن رصدها في عالمنا؛ كما ليس من الصعب تتبّع علاقاتها، مع كل ما يرفضه ناشطو ومقاتلو تلك التنظيمات.

يمكن اعتبار بعض جماعات المتدينين والمستوطنين الإسرائيليين نموذجاً جيداً على النمط المذكور من الراديكالية، التي باتت عابرة لليمين واليسار، إذ يرى كثير منهم الدولة العبرية نوعاً من الهرطقة العلمانية، و»الديكتاتورية الليبرالية» المخالفة للعقيدة القويمة، إلا أنهم يستفيدون دائماً من دعمها، سواء كان مادياً، عبر نظام الرعاية الاجتماعية؛ أو عينياً، عبر توزيع السلاح عليهم وحمايتهم من قبل جيش الاحتلال.

الحل المستحيل

يمكن اعتبار بعض جماعات المتدينين والمستوطنين الإسرائيليين نموذجاً جيداً على النمط المذكور من الراديكالية، التي باتت عابرة لليمين واليسار، إذ يرى كثير منهم الدولة العبرية نوعاً من الهرطقة العلمانية، و»الديكتاتورية الليبرالية» المخالفة للعقيدة القويمة، إلا أنهم يستفيدون دائماً من دعمها، سواء كان مادياً، عبر نظام الرعاية الاجتماعية؛ أو عينياً، عبر توزيع السلاح عليهم وحمايتهم من قبل جيش الاحتلال. الراديكالية هنا مدعومة مما ترفضه وتدينه تحديداً، بل تبدو ظاهرة طفيلية ضمنه، وتلعب في الوقت نفسه دوراً محورياً فيه. قد يكون أولئك المستوطنون من أكثر الجهات وضوحاً وصراحة في عالمنا، فهم يرون أن الصراع مستمر إلى يوم القيامة، ولذلك فإن رفض وعرقلة أي حل أو اتفاق، يمكن أن يتوصّل له السياسيون العلمانيون، هو أفضل طريقة لتحقيق إرادة الرب. وهكذا فإن الحالة التي يعيشونها، من عدم الوضوح السياسي والقانوني، تتيح لهم استيطان مزيد من الأراضي في الضفة الغربية المحتلة؛ كذلك فإن بقاء العنف والكراهية والتوتر العرقي، هو الوضع الروحي الأفضل، وكأننا في واحدة من حكايات العهد القديم، إلا أن أولئك المستوطنين لا يكسبون رزقهم من التبشير بالتوراة مثلاً، وإنما يعتمدون في كثير من الأحيان على ضرائب يدفعها من يعتبرونهم أغياراً، أي اليهود العلمانيين والمحافظين، وكذلك العرب من مواطني دولة الاحتلال. لا يمكن تفسير العدوانية الإسرائيلية بممارسات وتفكير أولئك المستوطنين بالطبع، فالتطرّف، ورفض الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، مشترك بين اليمين واليسار الإسرائيلي، إلا أن منظورهم هذا يبدو النسخة الدينية الأصليّة للراديكالية المعاصرة، المتسمة بالأخلاقية المفرطة، إذ تعتاش جماعات كثيرة على استمرار الصراع، والتذكير بالمظالم التاريخية، وإدانة السياسة التقليدية، و»تستوطن» مواقع جديدة في المؤسسات القائمة بفضل ذلك؛ وسيكون التوصّل إلى حل، أو طرح مطالب وبرامج في هذا السبيل، نهاية فعلية لمكاسبها، و»هويتها» القائمة على التظلّم.

دافعو الضرائب

بعيداً عن دولة الاحتلال، التي كاد الصراع فيها بين المتدينين والعلمانيين يصل إلى حرب أهلية، فإن الراديكالية المعاصرة باتت تضطهد المجتمعات فعلاً، في الشرق والغرب، فوسط الإفقار المتزايد، نتيجة الأزمات الاقتصادية، والحروب المستجدة التي لا تنتهي، لا يجد المتن الاجتماعي أي نخب أو تنظيمات تطرح له برامج سياسية واضحة للخروج من الأزمات، أو حتى تخفيفها، هنالك فقط متحدثون وناشطون، يكررون رطانة أخلاقية مفرطة، كثيراً ما تدين معظم أفراد المجتمع، على أساس العرق، أو الجنس، أو نمط الحياة، أو تاريخ الآباء والأجداد؛ وغالباً ما تستسهل اتهام الآخرين بالتخاذل والخيانة.
لا يكمن الضرر في أن أولئك الناشطين «منفصلون عن الواقع» بل على العكس، ربما كانوا الواقع المعاصر بحد ذاته، أو أسوأ ما فيه، فالصراعات والمظالم التي يعتاشون على استمراريتها، ويجدون مصادر التموّل على أساسها، مسبّب أساسي للأزمات العالمية الحالية، ما يجعلهم بالفعل «طليعة» النظام العالمي القائم.
ربما كانت السياسة، القائمة على البرامج والمطالب، ومحاولة ابتكار الحلول، تعني البشر المتضررين بالفعل، و»دافعي الضرائب» الحقيقيين، سواء كانوا من ضحايا الحروب ومشرّديها، كما في حالة الشعب الفلسطيني؛ أو عموم العاملين في المجتمع، الذين يأتي منهم كل دعم أو تمويل أو تمكين حقيقي في هذا العالم، وربما عليهم فقط يمكن التعويل.

كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية