أمريكا شريكة إسرائيل في حربها.. وملاحقة بايدن وبلينكن بتهمة ارتكاب جرائم إبادة جماعية

حسام عبد البصير
حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: للأغلبية الممتدة بطول البلاد كثير من العتب على المؤسسة الدينية، سواء الإسلامية أو المسيحية، إذ ترى الجماهير أن المذابح التي لم تعرف البشرية مثيلا لها منذ فجر التاريخ، لم يعد يتناسب معها مجرد الشجب والإدانة، خاصة بعد أن تكالبت القوى العظمى في غيبة من المسلمين والعرب للإجهاز على القضية وشعبها، في صمت مخز يسيطر على العواصم العربية والإسلامية، يشجع برابرة العصر للمضي في مذابحهم، التي لم تتوقف يوما منذ بدء الحرب الصهيوأمريكية.
وبعد أن اقترب عدد الضحايا من قتلى ومصابين من المئة ألف ضحية، باتت البيانات التي تصدر من رموز المؤسسات الدينية تبعث على الغضب، أكثر من كونه مدعاة للقبول، وعاد التساؤل بين رواد مواقع التواصل من جديد حول أسباب تعثر المبادرة، التي سبق وأعلن عنها بمشاركة قيادات دينية، لفك الحصار عن معبر رفح، والتوجه في موكب نحو الحدود الفلسطينية للمطالبة بوقف الحرب، ووقف الإبادة التي يتعرض لها ثلاثة ملايين فلسطيني، وهو الاقتراح الذي طواه النسيان، على الرغم من أهميته. وعززت أزمة الغلاء من شعور جماعي بالمستقبل شديد الخطورة، الذي يواجه الملايين، في ما بات الشعور بالمجاعة التي تعيشها غزة يجد له مزيدا من الآذان الصاغية، خاصة بين ملايين البسطاء الذين يواجهون معاناة في الحصول على لقمة العيش، ويشهد البرلمان برئاسة المستشار حنفي الجبالي حالة من الحراك شملت تنديد عدد من الأعضاء بالاتهامات الإسرائيلية الموجهة لمصر، بشأن مسؤوليتها عن إغلاق معبر رفح، وهو ما نفته القاهرة، كما يناقش مجلس النواب تقرير اللجنة المشتركة من لجنة الدفاع والأمن القومي، ومكتب لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، عن مشروع القانون المقدم من الحكومة بشأن تأمين وحماية المنشآت والمرافق العامة والحيوية في الدولة. ويهدف مشروع القانون إلى حماية المقومات الأساسية للدولة وأمنها وسلامة أراضيها، من خلال تأمين وحماية المنشآت والمرافق العامة والحيوية، ومواجهة التعديات التي تخل بسير عمل المرافق العامة والحيوية في الدولة، أو الخدمات التي تؤديها بأنواعها كافة، من خلال دمج القوانين التي تنظم الموضوع في قانون واحد وإعادة صياغتها بما يتماشى مع مهام القوات المسلحة المنصوص عليها في الدستور.
خطفوا الثورة

رفعت شعار «عيش حرية عدالة اجتماعية»، ولم يكن الشعار وحده الأكثر إغراء في ثورة 25 يناير/كانون الثاني، فقد بات واضحا في هذا التاريخ كما يرى عصام كامل رئيس تحرير “فيتو”، أن النظام تكلس وتجمد، ولم يعد قادرا على الإيفاء بمتطلبات شباب واعد يرغب في التغيير، ويدعو له بطرق سلمية أذهلت العالم. وبعد مرور ثلاثة عشر عاما على تحرك شعبي مسالم أراد التغيير، فكان له تغييرا على غير ما يريد، وسط عملية اختطاف ممنهجة قامت بها جماعة الإخوان المسلمين، وأرادت أن تنفرد وحدها بثمار النصر وبحركة الجماهير، التي أرادت تغييرا حقيقيا يليق بمصر. ومرت الأحداث في متوالية من الهزائم التي منيت بها التيارات المدنية، فلم يكن أمام هذه الجماهير العريضة إلا أن تتحرك مرة أخرى لمواجهة شبح اختطاف مصر إلى منحى يبتعد كثيرا عن هويتها وإمكانياتها وجغرافيتها السياسية، فسقط الإخوان في الاختبار وانزاحت الغمة. ويبقى السؤال: هل تحققت شعارات ثورة يناير/كانون الثاني المجيدة؟ بالطبع لم يتحقق العيش ولا الحرية ولا العدالة الاجتماعية، وسط ظروف داخلية وأخرى في المحيط الإقليمي وثالثة على المستوى الدولي، فبات الناس كافرين بثورتهم أو هكذا أريد لهم أن يكفروا بالدعوة إلى التغيير، التي كانت شعارا مصريا راقيا لو صدقت النوايا. والمثير أن الذين وصفوا يناير بأنها كانت مؤامرة هم الذين استفادوا من يناير، بل إنهم انفردوا بالمشهد، فهناك من الإعلاميين من كانوا مجرد مندوبين صغار في القدر وفي الوضع وفي المهنة صاروا نجوما مفروضة بقوة الإجبار والقهر والاستفراد بالمشهد.

أحلام مؤجلة

هناك ممن يهاجمون ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني ممن وصلوا إلى مراتب لم يكن الواحد منهم يحلم بها، وفق ما أكد عصام كامل بعشرة في المئة مما وصلوا إليه، بعد أن أفرغت الساحة وانفردوا بجني المحصول النهائي لحركة شباب يناير، ومع ذلك فإن الواحد منهم يصرخ فينا ليل نهار مهاجما المتآمرين على الوطن في 25 يناير. والأغرب أن الدولة التي يعترف دستورها بثورة الشباب في 25 يناير لا يحتفلون بالثورة، بل يعتبرون مناسبتها واحدة من فرص الهجوم عليها، والنيل منها، دون النظر إلى ما كانوا عليه وما أصبحوا فيه الآن بعد مرور ثلاثة عشر عاما على سقوط نظام مبارك. ومن المفارقات الأكثر إثارة، أن هناك من امتطوا ثورة يناير وأقحموا أنفسهم على الميدان وعندما وجدوا الفرصة سانحة كانوا أول الطاعنين فيها وفي شبابها، باعتبارها مؤامرة أرادت النيل من الوطن واستقراره، وهناك من اختفوا في ظروف غامضة، وما أن لاحت لهم الفرصة قفزوا إلى أول الصفوف. قد لا يكون من المنطقي الحديث عن مكتسبات يناير أو عن نجاحها أو فشلها بعد هذه السنوات القليلة، إذ يرى البعض أن يناير لم تنطفئ نيرانها، وأن شعلة 30 يونيو/حزيران في إسقاط الإخوان ليست نهاية المطاف.. أعتقد ومثلي كثيرون يرون أن تحقيق أهداف يناير بالحوار يجنب مصر وأهلها ويلات الفوضى والفتنة.

أداة العدالة

يوم 25 يناير/كانون الثاني تذكره اسامه سرايا في “الأهرام” بسعادة بالغة لكن ليس بسبب الذكرى الثالثة عشرة للثورة: عيد مصري خالص، تصدت فيه شرطة مصر في الخمسينيات في الإسماعيلية (قنال السويس) لقوات الاحتلال الإنكليزي ببسالة احترمتها القوات المحتلة نفسها، وضربت لهم، ولشهدائهم مدافع التحية والاحترام. لقد احترمت الشرطة الوطنية المصرية الوطن، فكان قرارا حكيما من قياداتها أن يكون هذا اليوم (25 يناير) عيدا للشرطة لا يزاحمهم فيه أحد، فهو يوم حقيقي في حياة مؤسسة لا تستقيم أمورنا إلا بها، ولا تتقدم إلى الأمام إلا بالأمن، والاستقرار الذي تضفيه، ومن دونها أي دولة تكون هشة، لأنها أداة العدالة، ويدها القوية والفاعلة في إنفاذ القوانين بين الناس لتستقيم الحياة، ويُقام العدل. إن يوم الشرطة المستحق هو عيد لكل الوطن، وكل جندي، وصف، وضابط، وقائد يتحمل المسؤولية يوميا، بل كل دقيقة، خاصة إذا حدث، لا قدر الله، حريق، أو فوضى، أو انفجار، أو إرهاب داخل المجتمع، فلهم، ولشهدائهم في عيدهم كل محبة، وتقدير. كما أن 25 يناير/كانون الثاني 2011 من الأيام المهمة، والتاريخية، لأنه عرَّف المصريين قيمة الدولة، ومعنى قوة المؤسسات، وإعادة بنائها للمستقبل، وفي مقدمتها مؤسسة الشرطة، ولعلنا نشعر جميعا بالمتغيرات الهائلة في هذه المؤسسة التليدة، والواضحة في التحديث الشامل، والحوكمة، وإعادة بناء الشرطي الناضج القادر على استيعاب المتغيرات، والمتحمل أعباء وظيفته، والمتسلح بكل الأدوات، والعلم، والقيم، والعدالة، والحق، والبعد عن كل أشكال الفساد. تحية للشرطة المصرية في عيدها، وتمنياتي أن تحذو كل مؤسسات الوطن في إعادة بناء نفسها حذو هذه المؤسسة السامقة في تحديث المضمون، والشكل، والتنظيم داخل كل إداراتها، وأجهزتها، وصولا إلى السجون التي أصبحت أفضل مؤسسات التأهيل، وإعادة بناء الإنسان، وحفظ حقوقه كاملة، حتى المحكوم عليهم، والمجرمين، والحقيقة أننا أمام مؤسسة شرطية جديدة في مصر من بعد عام 2013 حتى الآن، فتحية لكم أيها الأبطال، والاحترام لشهدائكم الذين جعلونا نعيش في أمان، ويوم عيدكم كله لكم لا ينافسكم فيه أحد، حيث تشعرون فيه بحب الناس، وتقديرهم، واحترام الوطن، ومؤسساته لكم.

غضب مصري

أذاعت قناة القاهرة الإخبارية أن الرئيس عبدالفتاح السيسي رفض استقبال اتصال تليفوني من بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل.. والخبر مؤكد لا شك فيه، كما يقول سليمان جودة في “المصري اليوم”، لأن وسائل إعلام إسرائيلية راحت بعد القاهرة الإخبارية تنشره وتؤكده. ولا شك أيضا في أن الرئيس وهو يرفض استقبال الاتصال، كان يفعل ذلك عن موقف رآه موقفا لا بد منه، وكان يتحدث بلسان كل مصري، وأكاد أقول كل عربي، يرى ما تمارسه إسرائيل في قطاع غزة، ثم يتمنى لو يستطيع فعل شيء. وإذا كان رفض استقبال الاتصال تعبيرا عن غضب مصري، فلهذا الغضب في الحقيقة أسباب كثيرة، ليس أولها التوحش الإسرائيلي على الأطفال والنساء والمدنيين في القطاع، ولا آخرها مطاردتهم من شمال القطاع إلى جنوبه ليكونوا وجها لوجه مع الحدود المصرية، فيصبح العدو من خلفهم والحدود من أمامهم.. هذا تصرف إسرائيلي أحمق، مع دولة بينها وبينهم معاهدة سلام جرى توقيعها في مارس/آذار 1979، ولا بديل عن احترام كل حرف في كل بند من بنودها. وفي مرحلة من مراحل الحرب على القطاع، قال نتنياهو إن السيطرة الأمنية الإسرائيلية على محور فلادليفيا الممتد بين غزة ومصر مسألة لا بد منها.. ولا يمكن وصف مثل هذا الكلام إلا بأنه كلام غير مسؤول، مع أنه صادر ليس عن مواطن إسرائيلي عادي، ولا حتى عن مسؤول عادي كذلك هناك، وإنما عن رئيس الوزراء الذي يمثل أعلى سلطة في البلاد.

عدم المسؤولية

وجه عدم المسؤولية في الكلام الذي استشهد به سليمان جودة، هو أن صاحبه نتنياهو لم يقرأ نص المعاهدة، ولو قرأها لاكتشف أن ما يقوله يتناقض معها ويصطدم بها صراحة، وأنه كان لا بد أن يعتذر عما قاله على الفور، وإلا، فكيف يكون في منصبه الأعلى في بلده، ثم يكون على هذه الدرجة من عدم المسؤولية؟ وعندما ذهبت إسرائيل إلى محكمة العدل الدولية يوم 11 من هذا الشهر، فإنها راحت تكذب وتتهم القاهرة بأنها تعرقل دخول المساعدات إلى أهل غزة.. كان هذا من قبيل الكذب الخالص، لا لشيء، إلا لأن تل أبيب تعرف، والعالم من حولها يعرف، أن مصر لم تعرقل مرور شيء من ناحيتها منذ بدء الحرب، وأن الشاحنات التي تتكدس أمام معبر رفح، لا تتكدس لتلتقط الصور هناك وهي متراصة بعضها إلى جوار بعض، ولكن لأن الإسرائيليين على الجانب الآخر من المعبر يعوقون مرور الكثير منها إلى غزة. هذا كله بعض من كل، ولو شئنا لقلنا أكثر من هذا بكثير، ولكن حتى هذا البعض يكفي جدا لأن ترفض القاهرة استقبال مكالمة تل أبيب، وأن يكون الرفض عن سبب، بل أسباب يعرفها الطرف الآخر، لعله يتصرف مع مصر بمنطق الدولة المسؤولة التي تخاطب دولة مسؤولة، لا بمنطق الكلام غير المسؤول ولا بمنطق التصرفات غير المسؤولة. رفض استقبال الاتصال يريد أن يبعث «رسالة» إلى هناك، وقد أرادتها القاهرة رسالة مسجلة بعلم الوصول لعل الطرف الآخر ينتبه.

المجرمة هي أمريكا

بعد مرور أكثر من 100 يوم على بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عقب بدء عملية طوفان الأقصى، لم تطالب الإدارة الأمريكية، وعلى رأسها جو بايدن، بوقف إطلاق النار، على الرغم من استشهاد أكثر من 25 ألف فلسطيني وجرح أكثر من 100 ألف آخرين، إضافة لتدمير كل سبل الحياة في القطاع. تابع محمد المنشاوي في “الشروق”: وفي حين أن تصرفات إدارة بايدن تعد غير مسبوقة في الطريقة التي تدعم بها واشنطن هجمات إسرائيل على المدنيين الفلسطينيين، إلى درجة رفض الدعوة لوقف إطلاق النار، وما يصاحب ذلك من شحن يومي للذخائر والأسلحة الأمريكية لإسرائيل؛ يكشف التاريخ الأمريكي أن نهج بايدن لا يختلف جذريا عن سياسة كل الإدارات الأمريكية منذ تأسيس دولة إسرائيل عام 1948. يرى بعض المعلقين أن إدارة بايدن أظهرت تطرفا في تقديمها للدعم العسكري والدبلوماسي والعاطفي والسياسي لإسرائيل منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول، في حين يرى آخرون أن الدعم لم يتغير خلال السبعين عاما الماضية، وإن اختلف شكل تقديمه. ويكشف كتاب الباحث خالد الجندي «النقطة العمياء: أمريكا والفلسطينيون من بلفور إلى ترامب»، عند وضعه في سياق أحداث طوفان الأقصى وما تبعها، أن نهج بايدن هو «تتويج للنهج الأمريكي التقليدي في التعامل مع إسرائيل والفلسطينيين، وهو نهج يتميز باتساقه الملحوظ عبر الإدارات الجمهورية والديمقراطية». كما يشير عنوان الكتاب إلى عمى الإدارات الأمريكية المتتالية عن عدة حقائق في تناولها لما يُطلق عليه «عملية سلام الشرق الأوسط» على مدار العقود الأخيرة، نتج عنه تجاهل حقوق الجانب الفلسطيني، وتبني واشنطن لوجهة النظر الإسرائيلية، وهو ما أدى في النهاية لما جرى يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول.
سلام مزيف

اختارت واشنطن كما وصفها محمد المنشاوي، أن تعمي بصرها عن التباين الشاسع في القوة بين الطرفين، ومارست باستمرار ضغوطا غير متناسبة على الطرف الفلسطيني الأضعف، مع القليل جدا من الضغط المقابل على الطرف الإسرائيلي الأقوى. وفي الوقت الذي تجاهلت فيه واشنطن الديناميات الداخلية للسياسة الفلسطينية، تبنت الولايات المتحدة مواقف منحازة للسياسة الإسرائيلية، وتراجعت باستمرار أمام القادة الإسرائيليين تحت ذريعة اللجوء للانتخابات وتجنب انهيار الحكومات الائتلافية. ودفعت مواقف واشنطن المهادنة للسياسات الإسرائيلية التي لم ينتج عنها أي تقدم في تفتيت السياسة الفلسطينية، بعدما فشلت في إيجاد دولة للشعب الفلسطيني، هو ما أدى تاريخيا إلى ظهور جماعات المقاومة ضد إسرائيل، وعلى رأسها حركة حماس. تجاهلت واشنطن الحقوق الفلسطينية نتيجة عماها تجاه إسرائيل، واختلف حجم العمى في تفاصيل غير مؤثرة، على مرّ السنين ومن إدارة إلى أخرى، إلا أن العمى كان دائما موجودا. رفضت إدارات ترومان وأيزنهاور وكينيدي جميعها التعامل مع مسألة تقرير المصير الفلسطيني، حيث أذعن الرؤساء الأمريكيون بشكل مطرد لرفض إسرائيل إعادة أي لاجئ فلسطيني من 1948، ما سمح للرئيس ليندون جونسون بإنكار وجود مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، مع توسيع مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل، ومنع الإجراءات التي تعارضها إسرائيل في الأمم المتحدة. وبعد حرب 1967، تبنت واشنطن رواية روج لها هنري كيسنجر تتعلق بخلق «عملية سلام» عربية إسرائيلية مع إبقاء الفلسطينيين خارج العملية الدبلوماسية، ثم ركزت إدارات نيكسون وفورد وريغان، على رفض التعامل مع منظمة التحرير الفلسطينية لأطول فترة ممكنة، وأثبت كارتر أنه الاستثناء من هذه القاعدة، ولكن كما يوضح كتاب الجندي، كانت يداه مقيدتين إلى حد كبير بأفعال أسلافه. استمرت حالة العمى الأمريكي في إدارات كلينتون وبوش وأوباما على حد سواء، حيث ضمنت عملية السلام عدم تحقيق أهدافها النظرية، وبدلا من ذلك شجعت المتطرفين والمتشددين على كلا الجانبين، لذا زاد العنف وتوسع الاحتلال الإسرائيلي. اكتفى الرؤساء الثلاثة فقط بالتنديد ببناء المستوطنات، وتضاعف العمى تجاه إسرائيل مع وصول بايدن للحكم، مع غياب أي رغبة أمريكية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، أو حتى العودة لمسار عملية السلام التفاوضي عديم القيمة. تصرفات بايدن من الدعم والمشاركة في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة دفع بالعمى الأمريكي إلى حدود لم يتخيلها أغلب الأمريكيين أنفسهم.

السنوار والحرب النفسية

من بين المبهورين بأداء المقاومة رغم المؤامرة التي تتعرض لها عبر تواطؤ عالمي أبرزه أمريكي، الكاتب الصحافي عادل حمودة، الذي أكد على أن الفصائل الفلسطينية برعت في الحرب النفسية مع إسرائيل، مشددا على أن إشادات المحتجزين خير دليل، وهذا ما يمنح الفصائل قوة في المفاوضات. وأضاف حمودة، في حواره مع الإعلامي جمال عنايت عبر قناة «القاهرة الإخبارية» الذي نقله حسن سمير في “الوطن”: «يحيى السنوار برع في الحرب النفسية، وهذا ما ظهر جليا في التعامل مع الأسرى وخروجهم وهم يشيدون بالفصائل ومعاملتها الإنسانية، حتى إن إسرائيل تمنعهم من الحديث في وسائل الإعلام». وتابع الكاتب الصحافي: «ما فعلته حماس في هذا الصدد ذكاء في الحرب النفسية، فأفضل من يشهد هو العدو، حيث شهد المحتجزون المفرج عنهم لصالح الفصائل والمقاومة والمعاملة الطيبة التي جرت لهم، حتى أنهم فضلوهم على أنفسهم في الأكل والدواء والعلاج، وهذا الأمر يعتبر أكبر دعاية للمقاومة». وذكر، أن الفصائل الفلسطينية برعت في وضع المجتمع الإسرائيلي في حرج شديد جدا عبر مقاطع الفيديو التي ظهرت للأسرى والمحتجزين، حتى إن المجتمع الإسرائيلي أصبح منقسما، واقتحم الأهالي لجنة الأمن في الكنيست وأثاروا درجة من درجات الفوضى، ودُفعت الحكومة بالدرجة التي جعلت رئيسة حزب العمل تطالب بسحب الثقة من الحكومة.

تزييف الوعي

إنسانيتك مهددة بالقمع وربما ضياع مستقبلك، إذا عبرت بما يتعارض مع الهوى والسردية الإسرائيلية، فأنت وفق ما تحذرك منه جيهان فوزي في “الوطن” معرض للمقاضاة وأحيانا إنهاء حياتك. هذه هي الدعاية الصهيونية التي تمتلكها إسرائيل منذ نشأتها للتعاطف معها، وإبعاد أي شبهة عن مشروعها التوسعي الطامع في إرساء حدود دولتها من النيل إلى الفرات، حسب المخطط الصهيوني الأول، الذي لا يزال حلما يداعب قادة إسرائيل. الحرب الدائرة في غزة نفضت الغبار عن جدار الصمت وطمس الحقيقة وتزييف الوعي، التي طالما انتهجتها آلة الدعاية الصهيونية ضد الفلسطينيين أصحاب الأرض الشرعيين، وللأسف طالت هذه الدعاية عقول وأفكار بعض العرب، الذين باتوا مقتنعين بحق إسرائيل في أرض فلسطين، وأنهم ظلموا عبر التاريخ، مستندين إلى الهولوكوست الذي تعرضوا له في ألمانيا النازية، ووجودهم التاريخي على أرض فلسطين، دون تحقق من هذه السردية التي تفتقر إلى الدلائل والإثباتات. رغم أن من اضطهدهم هم الأوروبيون، لا الفلسطينيين، الذين كانوا الحاضن لهم على مرّ العصور، يعيشون معهم، ويعاملونهم أحسن معاملة باعتراف حاخامات يهود. الحرب الأخيرة على غزة كانت كاشفة للعديد من الإخفاقات والانتكاسات الإنسانية والاجتماعية، خاصة إذا ما تعلق الأمر بإعلان شخصية شهيرة في أي مجال علنا، وبطريقة واضحة عن مشاعر التعاطف مع الفلسطينيين، فهو ليس بالأمر السهل، وأحيانا يمر بانتقادات واتهامات بمعاداة السامية. وقد يصل الأمر إلى العقاب الفوري، فتتوقف مؤسسات عن التعامل مع هذا النجم أو ذاك، لأنه فقط عبر عن رأيه الشخصي، خاصة في المأساة الجارية في غزة بكل ظروفها وتداعياتها الخطيرة. ومن غير المبرر أن تتحول القضية الإنسانية البحتة وارتهانها بالإسلام السياسي، الذي تمثله حركة حماس، ومن ثم إبعاد أي شبهة انتماء لهذا التيار الذي يوصمه العالم الأول بالإرهاب.

قضية شعب مسجون

اختلاط المفاهيم بين السياسي والإنساني أمر غاية في الخطورة، كما تقول جيهان فوزي، وإلا ما قامت دولة بحجم جنوب افريقيا برفع دعوى على إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، تتهمها فيها بممارسة الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين مع سبق الإصرار والترصد، فالموقف أصبح أكبر من حصره في حركة مقاومة تقاتل، لأنها تنتمي إلى الإسلام السياسي، القضية قضية شعب يقاتل من أجل حريته وحقوقه المهضومة منذ عقود، وأرضه التي يستولي عليها الاحتلال يوما بعد يوم، لتوسيع وبناء المستوطنات، وكذلك الحصار الخانق الذي فُرض على غزة منذ نحو عقدين، لا متنفس هناك، ولا مستقبل في هذا السجن المفتوح الأكثر معاناة في العالم. وعلى الرغم من هذا الخلط الفاضح الذي يمارسه بعض الإعلاميين وممثلي الدعاية الصهيونية الممنهجة والمنظمة، هناك الكثير من المشاهير حول العالم، الذين عبروا عن تعاطفهم مع ما يحدث في غزة، لهول المأساة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني من حرب إبادة وتجويع، هذه البقعة الصغيرة من العالم التي صمدت ولا تزال لما يقارب الأربعة شهور، ولا أحد يساعدها، أو تستوقفه صرخاتها وأوجاعها. ومن هؤلاء الممثلة والمغنية ومصممة الأزياء الأمريكية روبين ريانا فينتي، التي قالت عبر حسابها في إنستغرام: “أنا أصلي من أجل السلام، ومن أجل إنهاء العنف، ومن أجل سلامة الجميع”، فيما نشر المغنى ومؤلف الأغاني الكندي جاستن بيبر صورة على تويتر لامرأة وطفل فلسطينيين ملقيين على الأرض وكتب يقول: “إنه لأمر فظيع. علينا أن نوقف هذا الأمر”، كذلك عارضة الأزياء البريطانية الشهيرة نعومي كامبل، التي أظهرت تعاطفها مع أطفال فلسطين قائلة: “الأطفال يجب ألا يعانوا”.

جرائم لا تسقط بالتقادم

قالت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إن محكمة أمريكية في ولاية كاليفورنيا ستعقد (الجمعة الموافق 26 يناير/كانون الثاني)، أولى جلسات نظر دعوى فيدرالية تتهم كلا من الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن، ووزير الخارجية أنتوني بلينكن، ووزير الدفاع لويد أوستن، بالمشاركة وبالمساعدة والتحريض في ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني في غزة. ووفقا لـ”درب” كانت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية قد انضمت رسميا إلى الدعوى عبر مذكرة تم إيداعها لدى المحكمة في 29 ديسمبر/كانون الأول الماضي للتدخل إلى جانب المدعين، وهم ثمانية مواطنين فلسطينيين من الولايات المتحدة وفلسطين، فضلا عن الحركة الدولية للدفاع عن الأطفال – فلسطين ومؤسسة الحق. وأقيمت الدعوى (المقيدة باسم الحركة الدولية للدفاع عن الأطفال – فلسطين، وآخرون، ضد جوزيف بايدن وآخرين وبرقم Case No. 23 -cv- 05829) في 13 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي بواسطة كل من مركز الحقوق الدستورية في نيويورك وشركة المحاماة فان دير هوت إل إل بي في سان فرانسيسكو، أمام المحكمة الجزئية الأمريكية للمنطقة الشمالية من كاليفورنيا. وتتهم الدعوى بايدن وبلينكن وأوستن بانتهاك مسؤولياتهم بموجب كل من القانون الدولي (وفق اتفاقية منع ومعاقبة جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948) والقانون الأمريكي (قانون تنفيذ اتفاقية الإبادة الجماعية رقم 18 U.S.C. § 1091 الذي أقره الكونغرس الأمريكي في عام 1988)، من خلال المشاركة بالتحريض والمساعدة في الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة، فضلا عن مسؤوليتهم التقصيرية عن الفشل في منع جريمة الإبادة. وتطلب الدعوى من المحكمة (أولا) أن تعلن أن الوضع في غزة يرقى إلى جريمة الإبادة الجماعية المنصوص عليها في القانونين الدولي والأمريكي، وأن الرئيس بايدن ووزيريه، ارتكبوا جريمتي الاشتراك بالمساعدة والتحريض والفشل في منع الإبادة الجماعية، و(ثانيا) بأن تقضي بإنهاء الدعم العسكري والدبلوماسي الأمريكي لإسرائيل في الحرب الجارية. وتقدم المدعون أيضا بطلب عاجل للمحكمة لإصدار أمر وقتي بالوقف الاحترازي لأي معونات عسكرية ومالية إضافية من الولايات المتحدة لإسرائيل لحين الفصل في الدعوى القائمة. بينما ردت الحكومة الأمريكية بتقديم طلب للمحكمة برفض نظر الدعوى من حيث الشكل لعدم الاختصاص.

في انتظار رحيلها

لا يوجد بند في الدستور يلزم رئيس الجمهورية بتغيير الحكومة بعد انتخابه، لكن المواءمة هي التي تتطلب ذلك، خاصة أن السلطة، كما قال عمرو هاشم ربيع في “الأهرام”، ما فتئت عقب إعلان انتخاب الرئيس السيسي تضع السياسات الجديدة التي تهدف إلى تنفيذها خلال الفترة من 24 ـ 2030، ومن ثم ستبقى الحاجة إلى تحديد المخاطب بغرض تنفيذ تلك السياسات مرغوبة أو مطلوبا تحديدها، لاسيما وقد نفدت جميع السبل في أيدي الحكومة الحالية من أجل تحسين الأوضاع الاقتصادية. من حيث الشكل، فإن مواد 241 مكرر و234 و146 و150 و150مكرر، هي أبرز المواد المحددة لتشكيل السلطة التنفيذية بعد انتخاب الرئيس. م241 مكرر تشير إلى انقضاء مدة ست سنوات من تاريخ إعلان نتيجة انتخابات الرئاسة عام 2018 كدليل على بدء مدة الرئاسة التالية، أي 2 أبريل/نيسان 2024. م 234 تتحدث عن أن تعيين وزير الدفاع يتم بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة. المادة 146 تتحدث عن تشاور الرئيس مع رئيس الوزراء، حال اختيار الأخير من حزب أو ائتلاف الأكثرية بغرض تعيين وزراء الدفاع والداخلية والخارجية والعدل. أما المادة 150 فهي تحدد العلاقة بين الرأسين رأس الدولة رأس الحكومة، فتقول إن السياسة العامة للدولة تتم بالاشتراك بين الطرفين، وهما المشرفان على تنفيذها. وبالنسبة للمادة 150 مكرر، فهي في غاية الأهمية، على الرغم من كونها لا علاقة لها بالحكومة، إذ تشير إلى أن رئيس الدولة يجوز له أن يعين نائبا له أو أكثر. أهمية تلك المادة هي أنه كلما اقتربنا من استحقاق 2030، أصبح من المهم ـ لاسيما وأن الأحزاب ربما لم تكن قد أعدت مرشحين للرئاسة على قدر من المسؤولية ـ تدريب آخرين من نواب الرئيس منذ اليوم على إمكان خوض تلك الانتخابات.

تجاوز السلبيات

في الشكل أيضا، يبدو من الأهمية بمكان وفق ما لفت انتباهنا إليه عمرو هاشم ربيع، عدم التركيز على البعد الاجتماعي في اختيار الوزراء الجدد، كالسن والجنس والدين، فهذه الأمور من المؤكد أنها ستراعى بشكل أو بآخر كما يحدث في كل اختيار، لكن الأكثر أهمية هو أنه لا مانع أن تكون الحكومة من أطياف سياسية، ما دام هؤلاء من المتخصصين البارزين في مجال أعمالهم الاقتصادية أو الخدمية. موضوعيا، فإن اختيار حكومة جديدة تغييرا أو تعديلا يجعل المرء أمام حتمية النظر إلى الماضي لمعالجة سلبياته، ومدى قدرة الجهاز الوزاري الجديد على تجاوز تلك السلبيات. العنصر الحاكم ـ إن لم يكن الأبرز ـ في عملية الاختيار هو معالجة الهم الاقتصادي، الذي استوحش بشكل غير مسبوق بعد الانخفاض المتتالي لقيمة العملة المحلية، وارتفاع نسبة التضخم، وزيادة حجم الدين، وزيادة أو استسهال الاقتراض من الخارج، والخلل في الميزان التجاري، وارتفاع أسعار السلع والخدمات، وضعف الأجور والمرتبات، والحاجة إلى المزيد من دعم الطبقة الدنيا. ناهيك بالطبع عن بعض الأمور الاجتماعية والخدمية شديدة الأهمية، وعلى رأسها التعليم والصحة وأمن مصر المائي. جميع تلك الأمور من المؤكد أنها تحتاج إلى أفكار جديدة، ودماء جديدة، والأهم من كل ذلك تحتاج إلى سياسات جديدة. بمعنى آخر فإن البلاد تحتاج إلى مجلس وزراء صاحب رؤى وسياسات، وليس مجلسا من الموظفين أو المنفذين. مجلس يسعى إلى حل كل المشكلات السابقة، أو على الأقل تجميد تأثيراتها السلبية، وذلك كله عبر جدول زمني ملزم، وبرنامج حقيقي يحصل على ثقة أغلبية مجلس النواب، بعد مناقشة مستفيضة تخلو من التصفيق والشعارات الرنانة.

المشكلة في الآخرين

أُصيب محمد صلاح خلال مباراة غانا، وهو أمر وارد حدوثه في الكرة. وبمجرد أن خرج تصريح مدرب ليفربول، الذي أكد فيه رجوعه إلى ليفربول، حتى قامت الدنيا ولم تهدأ. وبدورها ترى نادين عبد الله في “المصري اليوم”، أنه يمكن أن نتفهم غضب البعض من هذا الإعلان السريع لأنه أعطى انطباعا بأن المنتخب لا حول له ولا قوة، وأن ليفربول وحده مَن يتخذ القرار. وتسرب إحساس لدى آخرين بأن كابتن المنتخب لا يعبأ كثيرا بفوز مصر، بل يهتم فقط بطموحاته مع ناديه. والمشكلة هنا هو أن مَن انساق إلى هذه المشاعر لم يفكر للحظة واحدة أنه من الطبيعي أن تصدر تصريحات تنقل أخبار لاعب من أهم لاعبي ليفربول؛ أما غير العادي فهو أن يتأخر اتحاد الكرة أو بعثة المنتخب في إطلاعنا على التطورات؛ وعندما يحدث، فتكون الأخبار غير دقيقة ومتناقضة. من المنطقي أن يغادر صلاح إلى ليفربول للعلاج، خاصة في ضوء غياب أي تجهيزات علاجية متخصصة في ساحل العاج؛ وكان يجب إعلان الأمر بشكل أشد وضوحا وسرعة منعا للبس. أما المشكلة الأكبر، فهي أن مَن انجرف وراء هذه المشاعر السلبية الجياشة، وحمّل صلاح أخطاء الكون كله، وشكّك في انتمائه؛ لم يفكر في سبب شعوره بهذه المشاعر، ولم يتأمل في الأسباب التي جعلته يتحرك في هذا الاتجاه، فالحقيقة هي أن الإحباط الشديد من حالة كرة القدم في مصر، هذه اللعبة الجماهيرية الجميلة، جعل الكثيرين يلقون اللوم على مَن اعتبروه المخلص المنتظر، إلا أن المشكلة ليست في صلاح، بل في منظومة الكرة ككل؛ كما أن الحل ليس فيه، بل في إصلاح هذه المنظومة. فالرياضة مثلها مثل الصناعة أو التجارة، تحتاج إلى منظومة تُديرها وتجعلها قادرة على المنافسة؛ لكن منظومة إدارة لعبة كرة القدم في مصر تعاني تلك الأمراض التي يعاني منها الوضع العام في المحروسة، من تفضيل المحسوبية على المهنية، والتماهي في المحاباة على حساب الجدية؛ بالإضافة إلى عدم القدرة على التخطيط والتنظيم الجيد، فالنجاح في كرة القدم يتطلب بناء منظومة كاملة متكاملة ابتداء من انتقاء المواهب وتعليمها، وانتهاء بإدارة الأمور المالية والفنية والتنظيمية الخاصة بالفريق.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية