لقد مرت سنوات كثيرة منذ أن وقفت الدبلوماسية العربية على رأس معركة سياسية واتخذت مهمات إقليمية هامة مثلما حدث في الأسابيع الأخيرة وخاصة في الأيام الأخيرة. الوسطاء العرب ينشغلون الآن في قضية تشمل عدة أقاليم، التي تتجاوز المشكلة الفلسطينية بشكل كبير، وذلك مقارنة مع أزمات أخرى، منها الحروب في السودان وليبيا واليمن، أو المواجهات بين إسرائيل وحماس، التي طلب من الوسطاء في كل منها معالجة قضية واحدة في كل مرة. هذه أزمة تهدد كل المنطقة، وتهدد الاقتصاد العالمي ومكانة الولايات المتحدة. وقد أصبحت هذه الأزمة تهز شبكة العلاقات التي اعتبرت ثابتة بين إسرائيل ومصر والأردن وتركيا. هذه الأزمة تفتح الفرصة لتعاون سياسي بين السعودية وإيران، تعتم على الحرب الكبرى بين روسيا وأوكرانيا.
رئيس الحكومة، نتنياهو، يمكنه القول باحتجاج: “قطر لا تختلف جوهرياً عن الأمم المتحدة والصليب الأحمر. وبمعنى ما، بل أكثر إشكالية. لست واهماً في ذلك”. ولكن قطر هي الدولة التي تمتلك أداة الضغط الأساسية على حماس، ولديها جزء من الحل للقضية الأكثر إيلاماً التي تشغل الجمهور الإسرائيلي، وهي قضية إنهاء الحرب. هذا الحل تملكه الدول العربية الأخرى التي تشارك في العمليات السياسية، أكثر من الولايات المتحدة، وبالتأكيد أكثر من الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين.
مصر، التي لم يقرر الرئيس السيسي بعد هل يرد على مكالمة هاتفية من نتنياهو، هي الساحة السياسية الأكثر نشاطاً التي تجري فيها محادثات الوساطة. للقاهرة دور في قضية “اليوم التالي”، التي سيتقرر فيها من الذي سيدير غزة وكيف. في الوقت نفسه، السعودية وإيران يمكنهما تحديد كيفية إنهاء المواجهة المستمرة بين إسرائيل وحزب الله ومن سيكون الرئيس اللبناني القادم. بدأت في بغداد محادثات مع الولايات المتحدة حول سحب كل القوات الأمريكية من الأراضي العراقية. هذا الطلب أصبح في واجهة الساحة السياسية عقب الحرب في غزة. نفس غزة التي منحت إيران مكانة دولة رئيسية في موضوع تأمين الملاحة في البحر الأحمر لأنها الدولة الراعية للحوثيين.
حسب صحيفة “العربي الجديد” الصادرة في لندن وفي دول عربية والتي أثبتت موثوقية مصادرها، فإن المحادثات في مصر التي يشارك فيها بيرت ماك غورك، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط والممثل القطري، تجري في مسارين؛ فقطر هي “المسؤولة” عن صفقة المخطوفين وشروط تحقيقها، في حين تنشغل مصر في إدارة غزة في اليوم التالي للحرب. كان على الطاولة حتى أمس اقتراح لوقف إطلاق النار لشهر، الذي يمكن تمديده لشهر آخر، مقابل إطلاق سراح مخطوفين إسرائيليين بالتدريج حسب الأعمار والوضع الصحي. وتفسر الصحيفة أن اقتراحاً إسرائيلياً لنفي زعماء حماس من غزة ومن بينهم يحيى السنوار، تمت إزاحته عن الأجندة في هذه الأثناء. وتشترط حماس الآن أي تقدم في المفاوضات بتقديم ضمانات مهمة بألا تخرق إسرائيل وقف إطلاق النار. ومن غير الواضح في التقرير أي ضمانات سترضي حماس، وإذا أعطيت هذه الضمانات فماذا سيكون الجدول الزمني للإفراج.
الواضح من الإجابات التي تعطيها حماس، أنها تطمح في التوصل لوقف شامل لإطلاق النار، مطلق وثابت، وهذا الأمر تعارضه في الوقت الحالي إسرائيل والولايات المتحدة. وثمة مسألة أخرى تتعلق بانتشار الجيش الإسرائيلي في القطاع عند وقف إطلاق النار؛ هل ستنسحب القوات من مراكز المدن وتنتشر على طول الحدود بين غزة وإسرائيل؟ هل ستنسحب بالكامل من القطاع وتعود للعمل فيه بعد وقف إطلاق النار؟ هل ستبقى ضمن الانتشار الحالي؟ وبأي حجم؟ هذه الأسئلة لا تحتاج فقط برامج عملية يتم تنسيقها مع حماس، بل إلى سياسة واضحة فيما يتعلق بطبيعة السيطرة المدنية في غزة أثناء وقف إطلاق النار الطويل، وبعد ذلك، في فترة التسوية بعيدة المدى.
حسب مصادر إسرائيلية مطلعة على هذه النقاشات ومصادر دبلوماسية أجنبية، فإن الولايات المتحدة حصلت على موافقة السعودية والإمارات على المساعدة في إعمار القطاع، ولكن بشرطين: هدوء أمني، وأي اتفاق على وقف ثابت لإطلاق النار ونقل السيطرة إلى جهة فلسطينية مدنية متفق عليها، التي هي الآن غير قائمة. إسرائيل تعارض بشدة نقل السيطرة المدنية للسلطة الفلسطينية. والولايات المتحدة تضغط على محمود عباس لإجراء إصلاحات في السلطة، لكنها لا توضح أي إصلاحات ترضيها. وترى قيادة م.ت.ف في الطلب الأمريكي فرصة للقيام بعملية تعزيز شاملة لصفوف المنظمة. وهي عملية ستقلص دور محمود عباس ومكانته وفي الوقت نفسه تُضم حماس في م.ت.ف إلى جانب “الجهاد الإسلامي” وتنظيمات أخرى. هكذا تستطيع م.ت.ف القيام بشكل كامل وشرعي بدورها – الممثل الحصري للشعب الفلسطيني.
وقالت مصادر في حركة فتح إن النقاشات في هذا الموضوع تجري في الفترة الأخيرة مع ممثلي حماس الخارج. مع ذلك، يعترفون بأنه لم يتم بعد تحقيق أي تقدم، وحسب رأيهم فإن م.ت.ف قد تقرر إجراء إصلاحات في بنيتها وطرح سلطة فلسطينية “مختلفة” وإبقاء الباب مفتوحاً أمام حماس. هذا مع معرفة أن حماس لن تكون جزءاً من الجهة التنفيذية التي ستدير القطاع. “سنضطر لإيجاد بنية لم تكن موجودة حتى الآن”، قال أحد الأعضاء في حركة فتح. “م.ت.ف منظمة تعترف بإسرائيل، ووقعت معها على اتفاقات، التي تم تشكيل السلطة الفلسطينية” استناداً إليها. وحسب قوله “من جهة، نحن معنيون بأن نضم حماس والتنظيمات الأخرى إلينا، لكن يبدو أننا سنضطر لتشكيل جسم اداري آخر، لا يمكن أن تكون حماس -إذا انضمت لـ م.ت.ف- شريكة فيه. المعضلة مزدوجة: هل نعطي حماس حق الفيتو على العرض الأمريكي لـ م.ت.ف فيما يتعلق بالسيطرة على كل أجزاء فلسطيني، وفي المقابل، هل نتنازل عن فرصة التحول إلى منظمة تمثل كل الشعب الفلسطيني؟ هذا على فرض أنه بسبب الشراكة مع حماس، ربما لن نستطيع القيام بدور في إدارة القطاع وسنجد صعوبة في إدارة الضفة”.
هذه الأسئلة الحاسمة تبدو نظرية في هذه الأثناء إزاء موقف إسرائيل الحاسم، لكن قد تكون عملية عندما توضح الولايات المتحدة أي بنية تنظيمية فلسطينية تقبلها، على فرض أنها تستطيع فرض موقفها على إسرائيل. هذه الخطوة قد تكون أسهل إذا قدمت السعودية تطبيعها مع إسرائيل واستخدمته كوسيلة للإقناع. هنا ينتظر مصر “دور حياتها” وهو أنه سيكون عليها، بمساعدة السعودية وبدعم أمريكا، أن تربع الدائرة الفلسطينية بصورة ترضي إسرائيل. لقد استثمرت مصر في السنوات الأخيرة جهوداً كثيرة لتحقيق المصالحة الفلسطينية الداخلية، وحتى إنها نجحت عام 2017 في تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية شاركت فيها حماس وفتح. ولكن خلال سنة، تم حل هذه الحكومة، ومنذ ذلك الحين كان الكثير من المحادثات التي لم تثمر أي شيء.
مرونة في الشمال
تُبذل في لبنان هذه الأيام جهود دبلوماسية كثيفة بقيادة “مجموعة الخمس دول”: السعودية ومصر وقطر وفرنسا والولايات المتحدة. تعمل هذه الدول على إنهاء الأزمة السياسية والتوصل إلى تهدئة على الحدود الإسرائيلية اللبنانية. هنا يظهر دور السعودية وإيران اللتين تتعاونان بشكل غير مسبوق. أمس، استضاف السفير السعودي في لبنان، وليد البخاري، في خيمته الفاخرة في بيروت، سفراء “مجموعة الخمسة”. وقبل ذلك ببضعة أيام، التقى مع السفير الإيراني في لبنان مجتبى أماني.
حسب تقرير في صحيفة “الأخبار” المقربة من حزب الله، فقد طرح نقاشات الطرفين أسماء مرشحين محتملين لمنصب الرئيس ورئاسة الحكومة. يبدو أن السعودية، التي تضع شروطاً قاسية لمساعدة لبنان على الخروج من الأزمة الاقتصادية – منها إبعاد حزب الله عن التشكيلة الحكومة وتجريده من سلاحه – مستعدة الآن لإظهار مرونة مقابل تتويج رئيس “لن يكون ضدها” ورئيس حكومة تستطيع العمل معه. وثمة تقارير في لبنان تعرض شرطاً آخر للسعودية يطالب بـ “هدوء أمني” مقابل المساعدات السعودية. هذا الهدوء يعني وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان وسحب قوات حزب الله من الحدود مع إسرائيل.
السؤال هو: هل يمكن أن يملي التعاون العلني بين إيران والسعودية على حزب الله قطع علاقته التي أقامها بين الحرب في غزة وبين مواجهته مع إسرائيل؟ حسن نصر الله في الخطاب الأخير قال إنه لا وقف لإطلاق النار ما استمرت الحرب في غزة. ولكن في المرة السابقة التي تم التوصل فيها إلى وقف قصير لإطلاق النار بين إسرائيل وحماس في إطار صفقة المخطوفين، كان حزب الله أوقف إطلاق النار. السؤال الآن هو: هل الوقف الطويل للنار بين إسرائيل وحماس سيوقف النار أيضاً في الشمال؟ وهل يستطيع الوسطاء في لبنان التوصل إلى اتفاق دائم في الفترة الزمنية التي سيتم فيها الحفاظ على وقف النار المزدوج، في غزة لبنان؟ الاتفاق الذي سيشمل ليس فقط وقفاً لإطلاق النار، بل سحب كل قوات حزب الله ونشر الجيش اللبناني بدلاً منه.
هذه العملية قد تقدم لحزب الله “السلّم الذي سينزل عليه عن شجرة غزة”، كما كان عنوان مقال نشرته صحيفة “الجنوبية” اللبنانية. المكاسب الأساسية التي سيحققها حزب الله من ذلك هي انتهاء المطالبة بتجريده من سلاحه، إلى جانب اعتراف السعودية بمكانته كشريك في المنظومة السياسية في لبنان. مكانة حزب الله لن تمس، في حين سيكون للسعودية إنجازاً سياسياً مهماً بعد سلسلة إخفاقات سياسية أضرت بصورة ولي العهد محمد بن سلمان. أما إسرائيل فستضطر لتقرير ما إذا كان وقف إطلاق النار الدائم الذي سيتم التوصل إليه بوساطة السعودية وإيران، إلى جانب الدعم الأمريكي، يشمل انسحاب قوات حزب الله، سيشكل ضمانة كافية كي يستطيع السكان في منطقة الحدود مع لبنان العودة إلى بيوتهم.
تسفي برئيل
هآرتس 26/1/2024