لا نشك أن الكثيرين قد أصيبوا بنوع من الإحباط لأن محكمة العدل الدولية لم تطلب بشكل صريح وواضح وفوري وبدون مواربة من الكيان الصهيوني «وقف إطلاق النار». وهذا القرار الذي صدر عن المحكمة بضرورة اتخاذ إجراءات فورية لمنع الإبادة الجماعية قريب جدا من وقف إطلاق النار، كما أن النقاط الأخرى التي تضمنتها القرارات الصادرة عن المحكمة لا يمكن تنفيذها إلا بوقف إطلاق النار. لكن الدول والمؤسسات ووسائل الإعلام الداعمة لحرب الإبادة في غزة لم تلتفت لجميع القرارات العديدة إلا لقضية عدم المطالبة الصريحة بوقف إطلاق النار دون استكمال الجملة التي تطالب الكيان بوقف كافة الإجراءات التي تندرج تحت البند الثاني من «اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها». صحيفة «نيويورك تايمز» لم ترَ في مجموعة القرارات المهمة التي اعتمدتها محكمة العدل الدولية إلا أنها لم تدع إلى وقف إطلاق النار وكذلك متحدث البيت الأبيض، جون كريبي. حتى رئيس وزراء الكيان الصهيوني رأى فقط هذه الجزئية ولم ير غيرها وهاجم المحكمة بطريقة لاذعة، ووزير الأمن بن غفير اتهم المحكمة بأنها معادية للسامية، ولا أعتقد أن هناك تعليقا أسخف من هذا، وهو دليل قاطع على الأزمة التي يعيشها رموز المذابح حيث ضبطوا جميعا متلبسين.
المحاكمة الأقسى للكيان
وكي نكون منصفين لا بد من النظر إلى الصورة الكلية ونأخذ القرارات التي صدرت عن المحكمة كرزمة واحدة ونحللها مجتمعة ولا نترك جوهر ما خلصت إليه المحكمة ونركز فقط على جزئية وقف إطلاق النار رغم أهميتها. وفي هذا المجال أثمن ما قالته وزيرة خارجية جنوب أفريقيا، ناليدي باندور، من أن كل ما طلبته المحكمة من الكيان الصهيوني يستدعي وقف إطلاق النار لتنفيذه.
ودعنا نراجع أهمية المقدمة القانونية والقرارات الصادرة عن أعلى مؤسسة قانونية في العالم قراراتها، قانونيا، لا ترد ولا تلغى ولا تستأنف. وهذه بعض الملاحظات التي يجب الانتباه لها عند مراجعة البيان الطويل المكون من 16 صفحة الذي تلته على مسمع ومرأى من العالم القاضية الأمريكية ورئيسة المحكمة جوان دونغو.
أولا: الاختصاص، فقد أقرت المحكمة أنها صاحبة الاختصاص في هذه المسألة وبالتالي ألقمت حجراً كبيراً في أفواه المدافعين عن الكيان عندما أثاروا مسألة عدم اختصاص محكمة العدل الدولية بالقضية قيد البحث لأن فلسطين ليست دولة. ولو أقرت عدم الاختصاص لكانت أكبر ضربة معنوية وقانونية تتعرض لها القضية الفلسطينية ولكان ذلك تعامياً متعمداً عن حرب الإبادة.
ثانيا: حسمت المحكمة مسألة وجود شعب مميز يتمتع بحقوق الشعوب، له خصوصيته وهويته هو الشعب الفلسطيني، ذات الشخصية المميزة التي لا تقبل التأويل أو التشكيك. وكأي شعب من حقه أن يمارس سيادته وحريته وحقه في تقرير المصير وحقه في الحماية من خطر الإبادة. وهذا حجر آخر يلقى على رؤوس الصهاينة والمنتصرين لهم ظلماً الذين يشككون في هوية الشعب الفلسطيني. ثالثا: شكك قضاة الكيان بدور جنوب أفريقيا وقالوا ليس هناك نزاع بين «إسرائيل وجنوب أفريقيا». رفضت المحكمة هذا الطرح كليا وثبتت مبدأ حق أي عضو في «الاتفاقية الدولية لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها» أن يتقدم بشكوى ضد أي عضو آخر إذا ما كان هناك من الأسباب التي تدعو ذلك العضو أن يعتقد، بناء على كثير من المعطيات، أن العضو المدعى عليه يرتكب من الانتهاكات ما قد يرقى إلى مستوى جريمة الإبادة الجماعية. باختصار، تفوق قضاة جنوب أفريقيا على قضاة الكيان، وخرجت جنوب أفريقيا منتصرة في الشكوى، صحيح ليس بالضربة القاضية لكن بمجموع نقاط قد تصل إلى تسع من عشر. إذ إن الكيان لم يخرج بأي شي سوى ذكر ضرورة إطلاق الرهائن بدون قيد أو شرط.
رابعا: جوهر الشكوى «ارتكاب إبادة جماعية» ما زال قائماً والمحكمة قبلت به وأبقت الباب مفتوحا لمزيد من المداخلات والوثائق والمرافعات لحسم هذه المسألة والتي قد تأخذ سنوات. هذا يعني أن المحكمة ستبقى تتابع مسلكيات الكيان في غزة وخاصة ما يتعلق بالتدابير الاحترازية التي طالبت الكيان أن يلتزم بها. إذن المسألة ما زالت قيد البحث والإدانة النهائية للكيان بارتكاب جريمة الإبادة ما زالت قائمة وستتابع جنوب أفريقيا بدعم من العديد من الدول التي أعلنت مساندتها للشكوى بتقديم مزيد من الأدلة والوثائق والمعطيات لتثبيت جريمة الإبادة.
خامسا: لقد كانت المداخلة التي ألقتها رئيسة المحكمة الأمريكية في البداية قبل تلاوة القرارات، مهمة للغاية استمع إليها الملايين حول العالم حيث تم وصف ما يجري في غزة بالتفصيل مقتبسة من كلام القيادات الإسرائيلية العسكرية والمدنية ونيتهم لارتكاب جريمة الإبادة، من جهة، ومن جهة أخرى اقتبست الفقرات الأساسية من رؤساء أجهزة الأمم المتحدة، بمن فيهم الأمين العام، ومنسق الشؤون الإنسانية والمفوض العام للأونروا والمدير العام لمنظمة الصحة العالمية والتي تصف الكارثة الإنسانية في غزة. لقد أتيح للعالم فرصة التعرف على ما يجري بالتفاصيل بمن فيهم سكان الكيان الصهيوني الذين لا يعرفون تفاصيل ما يجري على بعد كيلومترات قليلة.
سادسا: طالبت المحكمة إسرائيل، من بين أمور أخرى، وفقا لالتزاماتها بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية، «باتخاذ جميع التدابير التي في حدود سلطتها» فيما يتعلق بالفلسطينيين في غزة لمنع ارتكاب أعمال إبادة. وأشار القرار إلى المادة الثانية من الاتفاقية، بما في ذلك القتل، والتسبب في أذى بدني أو عقلي جسيم، وتعمد الكيان إلى إخضاع الجماعة لظروف معيشية يقصد بها تدمير الجماعة. ويشير أيضًا إلى تعليمات المحكمة لإسرائيل بأن تضمن على الفور عدم قيام جيشها بارتكاب أي من هذه الأفعال. كيف يمكن أن يتم ضمان عدم ارتكاب الجيش أي من الأفعال المنصوص عليها في البند الثاني من الاتفاقية دون وقف لإطلاق النار؟ وهذا البند أطلق عليه بعض الخبراء القانونيين «وقف إطلاق نار بالمواربة». إذْ لا يمكن تنفيذه من دون وقف لإطلاق النار.
سابعا: تشير هذه القرارات إلى أن المحكمة ترى أن «السكان المدنيين في قطاع غزة لا يزالون معرضين للخطر الشديد» وتشير إلى أن «العملية العسكرية التي نفذتها إسرائيل بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 تسببت، في جملة أمور، منها عشرات الآلاف من القتلى والجرحى والدمار للمنازل والمدارس والمرافق الطبية وغيرها من البنى التحتية الحيوية، فضلا عن النزوح الجماعي للسكان». ولذلك أصدرت المحكمة أمراً واضحاً لإسرائيل بالتأكد بأثر فوري من أن جيشها لا يرتكب أي عمل يشكل جريمة إبادة جماعية، ومنع ومعاقبة ارتكاب الإبادة الجماعية والتحريض على ارتكابها ضد الفلسطينيين في غزة، واتخاذ تدابير فورية وفعالة لتمكين توفير الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية، واتخاذ التدابير اللازمة لمنع التدمير وضمان الحفاظ على الأدلة المتعلقة بالانتهاكات المحتملة لاتفاقية الإبادة. كما يأمر إسرائيل بتقديم تقرير، خلال شهر واحد، عن جميع التدابير المتخذة للامتثال لهذا الأمر. كما أشارت المحكمة إلى أن «جميع أطراف النزاع في قطاع غزة ملزمة بالقانون الدولي الإنساني».
الإنسانية انتصرت على الهمجية
لقد أثبت القضاة الذين اتخذوا قراراتهم تقريبا بالإجماع، لولا تلك القاضية الأوغندية التي شذت عن الإجماع واختارات جانب القاضي الإسرائيلي باراك، بأن هناك احتراما للقانون الدولي في محكمة العدل الدولية. وتصويت القاضية الأمريكية التي قضت جزءا أساسيا من حياتها المهنية في وزارة الخارجية الأمريكية إلى جانب جميع القرارات أعطى نوعا من المصداقية للقضاة الخمسة عشر. لقد وضعت المحكمة الكيان وحماته ومناصريه في قفص الاتهام، ولا شيء يعفيهم من المسؤولية والمحاسبة. والسؤال الذي ينتظر العالم إجابة عليه: هل سينفذ الكيان جميع التدابير المؤقتة التي أمرت بها المحكمة؟ هل الدول التي وقفت مع الظالم والقاتل ستعمل على وقف حرب الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل على الشعب الفلسطيني في غزة وتبرئ أنفسها من جريمة التواطؤ والمساهمة في حرب الإبادة؟