القاهرة ـ «القدس العربي» : تراهن الجماهير العربية على محكمة العدل، وما صدر عنها من قرارات لإنهاء حرب الإبادة التي تواجه ثلاثة ملايين فلسطيني، بينما تراهن إسرائيل على الأنظمة العربية والإسلامية، التي لم تحرك ساكناُ منذ قرابة أربعة أشهر، ولم تستغل تلك اللحظة النادرة التي صدرت من “لاهاي”، وسط قبول شعبي دولي واسع بالتلاحم مع الشعب الفلسطيني، وإنهاء معاناته. واتسعت دائرة التساؤل بسبب استمرار العدوان الإسرائيلي، إذ لم تلجم قرارات محكمة العدل الجيش البربري وداعميه في واشنطن، رغم أن العار بات يلاحق تل أبيب.
وتفقد الفريق أول محمد زكي القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي، مجمع الصناعات الهندسية بإدارة المركبات، في إطار حرص القيادة العامة للقوات المسلحة على المتابعة الميدانية لمنظومة التأمين الفني للمركبات في القوات المسلحة. وشارك الفريق أسامة عسكر رئيس أركان حرب القوات المسلحة وعدد من قادة القوات المسلحة، واستمع القائد العام للقوات المسلحة إلى عرض تفصيلي من اللواء أركان حرب محمد عبد الفتاح مدير إدارة المركبات، تناول فيه مشروعات مجمع الصناعات الهندسية بإدارة المركبات وأوجه التعاون مع الإدارات التخصصية، كما تفقد عددا من خطوط الإنتاج للمراكز التخصصية داخل المجمع..
ومن الأخبار الاقتصادية: كشف تقرير حديث صادر عن المجلس التصديري للصناعات الغذائية، أن مصر تستهدف نمو صادراتها الغذائية 10% خلال 2024 لتصل إلى 5.6 مليار دولار، مقارنة بصادرات عام 2023 البالغة 5.1 مليار دولار. ووفقا لتقرير المجلس، فإن زيادة صادرات 2023 تأتي نتيجة الجهود المخلصة للشركات المصرية المنتجة والمصدرة للأغذية المصنعة، والتزامها بأعلى المواصفات الدولية، التي سمحت لها باختراق مختلف أسواق العالم. ومن الأنشطة الثقافية: يقدم جناح الأزهر الشريف في معرض القاهرة الدولي للكتاب، في دورته الـ55 كتاب “الإمام ورد المزاعم الصهيونية”، من إصدارات مرصد الأزهر، توثيقا لمقولات فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، في صورة ردود على المزاعم الصهيونية، من أجل التعريف الموجز بأهم الشبهات المثارة حول القضية الفلسطينية ورده عليها؛ تخليدا لهذه الردود في ذاكرة الأمة الإسلامية والعالم أجمع. ويرد الإمام الأكبر في الكتاب على 18 زعما صهيونيا حول القضية الفلسطينية، من أبرزها الآتي: الزعم بأنه لا سبيل لإنهاء الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية، الزعم بأن المسلمين ليسوا دعاة سلام، الزعم بأن ما يقوم به الفلسطينيون من أعمال عنف وشغب هو من الإرهاب والتخريب، الزعم بأن اختيار فلسطين لإقامة وطن قومي لليهود جاء لاعتبارات دينية، الزعم بأن لجميع اليهود حقاً دينياً وتاريخياً في فلسطين، الزعم بأنه يجب ألا يدخل المنظور الديني في التعاطي مع القضية الفلسطينية، الزعم بأن الفلسطينيين هم الذين باعوا أرضهم لليهود، وأن اليهود إنما اشتروها بحر أموالهم، الزعم بأن السلام هو قبول الآخر (وإن كان محتلا) والتسليم بالأمر الواقع وإظهار سماحة الأديان، الزعم بأن حال مدينة القدس تحت الحكم الإسلامي والعربي لم يختلف عن غيره من العصور، فدائما ما شهدت المدينة حروبا وسفكا للدماء لا يتوقف، الزعم بمعاناة اليهود تحت الحكم الإسلامي عبر التاريخ.
صمودهم أسطوري
لا تعود كثرة عدد الشهداء والمصابين في غزة إلى استهانة الهمج المُعتدين فقط، أو إلى حالة هستيرية أصابتهم فحسب، فإلى جانب الاستهانة بأرواح البشر وهستيريا الانتقام، يريد المعتدون، كما أكد الدكتور وحيد عبد المجيد في “الأهرام” قتل أكبر عدد ممكن من أهل غزة. ولهذا يعمدون إلى تجويعهم وتعطيشهم وحرمانهم من العلاج، بعد حشرهم في أقصى جنوب القطاع، ليموت بالمرض من لم يُقتل في القصف الهمجي. وهذه سياسة مُمنهجة تهدف إلى حرمان المقاومة من البيئة الأكثر احتضانا لها في فلسطين على مدى عقود. فلا يمكن لمقاومة أن تصمد في مواجهة إجرام غير مسبوق في العصر الحديث، دون بيئة حاضنة لها. هذه البيئة اعتبرها ماوتسي تونغ في كتابه الصغير عن حرب المغاوير بمثابة البحر الذي يعيش السمك (المقاومة) فيه. ولهذا يتعامل الصهيوني مع أهل غزة باعتبارهم أعداء مباشرين، بعكس ما يزعم في خطاباته السياسية والإعلامية. واحتضان أهل غزة للمقاومة ليس جديدا. هذا ما فعلوه جيلا وراء جيل، منذ ما يقرب من قرن. كانوا في طليعة من احتضنوا أول مقاومة فلسطينية ضد الصهاينة في آوخر العشرينيات بقيادة إمام مسجد الاستقلال في حيفا عز الدين القسام ورفاقه المجاهدين. وهم أيضا من احتضنوا ياسر عرفات وزملاءه عندما أسسوا حركة فتح التي أطلقت المقاومة المسلحة في مطلع يناير/كانون الثاني 1965 عن طريق قوات العاصفة، وكذلك الجبهة الشعبية ومقاومتها التي قادها في أوائل السبعينيات مناضلُ فذُ (محمود الأسود أُطلق عليه جيفارا غزة). وعندما خبا لهيبُ المقاومة المسلحة لأسبابٍ عدة، كان أهلُ غزة أيضا هم الذين احتضنوا الانتفاضة المدنية الكبرى التي بدأت من مخيم جباليا عام 1987، وأُطلق عليها انتفاضة أطفال الحجارة. ولهذا يُمعن المجرمون في قتل أطفال غزة. ولكنهم لا يُدركون أن هذا الذي يحدثُ إنما يؤَّسسُ لأجيالٍ جديدةٍ من المُقاومة قد تكون أشد بأسا. أهلُ غزة ليسوا مثل غيرهم في عالم اليوم. منهم بعضُ من قال الله عنهم: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا..). فهم يصبرون ويتحملون ما لا طاقة لبشر بمثله، ويقدمون نموذجا نادرا للصمود الأسطوري.
فليرقدوا في سلام
تأمل الدكتور مصطفى كامل السيد في “الشروق” جنسيات قضاة محكمة العدل الدولية الخمسة عشر، قبل مشاهدة الحكم التاريخي الذي أصدرته المحكمة متابعا: افترضت أن كلا منهم سيعكس موقف دولته من الحرب التي تدور رحاها في غزة، وتشاءمت لحظتها كثيرا، فلم أجد من بينهم من يمكن أن يصدر حكما ينصف الفلسطينيين والفلسطينيات سوى ستة أو سبعة من دول الجنوب، ثلاثة من العرب؛ مغربى ولبنانى وصومالى، وواحدة من أوغندا ـ جوليا سيبوتيندي ـ تصورت وقتها أنها ستلتزم بموقف حكومتها، وواحد من البرازيل، وسادس من جامايكا، وتصورت أن القاضي من سلوفاكيا يمكن أن يقف معهم، فقد قرأت أن سلوفاكيا يمكن أن تنضم لجنوب افريقيا في تلك الدعوى. طبعا لم أتصور أن رئيسة المحكمة جوان أي دونوغو، التي رشحتها وزارة الخارجية الأمريكية، يمكن أن تتخذ موقفا منصفا، ولا القضاة من ألمانيا واليابان وأستراليا الذين أيدت حكوماتهم ما تدعيه إسرائيل عن حقها في الدفاع عن النفس، بل ولم أكن مطمئنا لمواقف نائب رئيس المحكمة الروسي، ولا القاضيين الصيني والهندي، فكما تخشى روسيا من اتهامها بالإبادة الجماعية في أوكرانيا، تخشى الصين من اتهامات مماثلة في التبت أو شينغيانغ، وخذلت حكومة الهند الدول العربية بامتناعها عن التصويت على قرارات ناقدة لإسرائيل في الجمعية العامة للأمم المتحدة. وكم أكبرت قضاة هذه المحكمة عندما شهدت رئيستهم تلقي حكما دامغا ضد إسرائيل. فوفقا للحكم، شبهة ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية من جانب إسرائيل في غزة قائمة، وتستحق تحقيقا جادا من جانب المحكمة، والحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني في غزة في الحياة وعدم التعرض للأذى المادي والمعنوي هي معرضة للخطر، كما أن ظروف حياتهم موضع تخطيط يستهدف إنهاء وجودهم كجماعة قومية، بل وفرص تزايدهم بمولد الأطفال مهددة، ولذلك كله يستحقون أن تأمر المحكمة بتدابير مؤقتة بهدف حماية هذه الحقوق من أن يلحق بها خطر لا يمكن تداركه. وليست هذه عبارات تلقى في الهواء، ولكنها التزامات على عاتق إسرائيل، وعليها أن تقدم تقريرا خلال شهر من تاريخ هذا الحكم لتثبت إلى أي حد احترمته على أرض الواقع.
انتصرنا أخلاقيا
حتى نعرف مدى النصر الأخلاقي الذي حققه هذا الحكم علينا وفقا للدكتور مصفى كامل السيد أن نقارنه بما طالبت به كل من إسرائيل وجنوب افريقيا. هذه المقارنة ضرورية، خصوصا في حالة مطالب الفريق الإسرائيلي، فقد شاهدت نقاشا حول هذا الحكم على إحدى القنوات التلفزيونية الإسرائيلية، أشاد المشاركون في النقاش بالفريق الإسرائيلي، على عكس مضمون الحكم. لقد طالب الفريق الإسرائيلي بعدم نظر دعوى جنوب افريقيا بحجة أنه لا يوجد نزاع ثنائي مع جنوب افريقيا، وجادل أن المحكمة ليس لها اختصاص بنظر هذه الدعوى، فما تشكو منه حكومة جنوب افريقيا يمكن النظر فيه في إطار القانون الدولا الإنسانا، وليس اتفاقية منع ومعاقبة الإبادة الجماعية، بل وصلت به الجرأة، بل الوقاحة أن يطلب من المحكمة حذف القضية تماما من سجلها. كما أضاف أنه ليس هناك ما يدعو إلى الأمر بتدابير مؤقتة، حيث إن حقوق الشعب الفلسطيني في غزة ليست مهددة، فإسرائيل، وفقا له، اتخذت كل الإجراءات التي تضمن حماية السكان المدنيين. كل المطالب الإسرائيلية رفضتها المحكمة بأغلبية ساحقة يُستثنى منها القاضية الأوغندية. أقرت المحكمة أنه يوجد نزاع بين إسرائيل وجنوب افريقيا يجد دليله في مواقف متناقضة بشأن ما جرى في غزة في محافل دولية، وفي اتصالات ثنائية، كما أن كليهما طرف في اتفاقية منع الإبادة الجماعية التي تحمل كل الموقعين عليها مسؤولية احترامها، وأكدت المحكمة أن ما تقوم به إسرائيل في غزة يثير شبهة تعمد الإبادة الجماعية وممارستها، ومن ثم فالمحكمة مختصة بالنظر في شكوى جنوب افريقيا وعلى أساس هذه الاتفاقية التي ترفض إسرائيل انطباقها عليها، ولذلك تقبل المحكمة أن تنظر في دعوى جنوب افريقيا على أساس هذه الاتفاقية، وترى أن هناك ما يدعو للاعتقاد بأن الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني في غزة مهددة جماعيا، ولذلك هم يستحقون إصدارها لأمر يستهدف حماية هذه الحقوق.
جوع وصقيع
إنه الشتاء، والشمس ترحل سريعا، وبين لحظة وأخرى تنقلب السماء إلى مساحات من السحب المكتظة الحبلى بكثير من الماء والبرد، وأحيانا بعض الثلوج. تتابع خولة مطر في “الشروق” مشاطرتها لملايين الغزاويين في مآسيهم: إنه الشتاء، بعضنا لا يعرفه، بل الكثير منا راح ينتقل بين الملابس الخفيفة والثقيلة، ويتذمر عندما تسطع الشمس وتكثر من دفئها، أو أن تختفي فيسقط المطر مع رياح باردة.. إنه الشتاء، بعضنا يحبه، وآخرون يفضلون الصيف والحر حتى لو انقطعت الكهرباء، واختنق البشر من حرارة المدن الإسمنتية.. إنه الشتاء، يقول بعضنا ليله طويل ويقول آخرون ليلنا طويل حتى بعد أن يرحل الشتاء.. بعضنا يتذمر من شدة البرد وهو قادر على أن يلبس ما يبعث الدفء أو أن يفتح المدفئة، وآخرون يتفاخرون بمعاطف الفرو المحرمة. إنه الشتاء، والليل في غزة كما نهارها معتم إلا من أضواء قنابلهم وصوت الرعد المختلط بالقصف المستمر.. إنه الشتاء، وليل غزة كما نهاراتها دون كهرباء ولا ماء ولا وسائل تواصل ولا أكل ولا ماء ولا دواء ولا.. ولا.. إنها غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول تعيش دون مقومات الحياة التي نتذمر طويلا عندما لا نجد بعضها، ولبعض الوقت فقط. ماذا يفعل أطفال غزة في النهارات الطويلة غير الجري بعيدا عن صاروخ أو قذيفة، وإذا ما ابتعدوا لبعض الوقت راحوا يبحثون عن بعض الماء أو قطعة خبز، أو حبة أرز أو حتى أي وهمٍ يتسلون به لينسوا ذاك الجوع والعطش؟
لا أحد يسعفهم
إنه الشتاء، وأطفال غزة كما تصفهم خولة مطر ينتفضون تحت زخات المطر المتجمدة في خيم غرقت في بحار من الماء، وعندما يفرون بعيدا عنها ليس أمامهم سوى مزيد من المستنقعات وسط عتمة ليل غزة، دون كهرباء ولا أي مظهر من مظاهر الحياة. إنه الشتاء، وبعضنا يرحل إلى أوروبا للعيش في أجواء الهواء المثلج بمعطف دافئ، فيما أهل غزة، بل أهلنا يبحثون بين الركام وتحت الأنقاض عن بقايا برواز لصورة أو لوحة أو حتى حطام خزانة ملابس لبعضهم الذين كانوا هناك، ليشعلوها علها تبعث بعض الدفء فيتحلقون حول النار باحثين عن بعض الماء وبضع أكياس من الشاي ليسدوا معدتهم بشيء من الدفء الكاذب إنه الشتاء، وصور الملابس الدافئة والكستناء المشوية تملأ يافطات شوارع المدن القريبة، وهم هناك لا صور لهم سوى بقايا بيت، بل بقايا حياة بعض صور وذكريات. إنه الشتاء، والحرب لا تزال تنهش في عظام أهل فلسطين، هي والشتاء وكأن الطبيعة تحالفت للمرة الأولى مع النازيين والديكتاتوريين، بل مصاصى الدماء من البشر.. فراح أهل غزة يرحلون وكأنه لم يكفِ النزوح بل اللجوء الأول منذ أكثر من سبعين عاما. إنه الشتاء، لا رحمة من البشر ولا السماء ولا الأرض، إلا ربما لو تصورنا أن هطول المطر المثلج رحمة ليوفر قطرة ماء، عمل الصهاينة لسنين طويلة على منعها، بل منع الفلسطيني والفلسطينية من الاستفادة منها. إنه الشتاء لا غطاء لأهل غزة وفلسطين إلا جلدهم، ولا كساء إلا بعض من قطعة قماش يتقاسمونها، ولا ماء سوى كثير من دمع نسائهم، أولئك اللاتي يحملن جثث أطفالهن الصغار لمسارات طويلة، وهن يذرفن الدمع بحثا عن حفرة يحمون فيها الجسد الطري بعيدا عن حقدهم ولا مبالاة الكون أو ضعفه سوى من بعضنا وبعضهم ومسيرات هنا ونداءات هناك. إنه الشتاء، وليس لأهلنا في فلسطين سوى جنوب افريقيا تمدهم ببعض الأمل في ليل العرب والكون المعتم.
العبرة بالنتائج
الدفوع التي قدمتها جنوب افريقيا أمام محكمة العدل الدولية، والتى وثقت فيها العنصرية الإسرائيلية وجرائم التحريض على الإبادة الجماعية، تؤسس من وجهة نظر عمرو الشوبكي في “المصري اليوم” لمرحلة جديدة أصبحت فيها دولة الاحتلال لأول مرة محل إدانة واتهام أمام محكمة دولية، ودون «فيتو أمريكي». وقد قدم الفريق القانوني لجنوب افريقيا فيديوهات وتصريحات موثقة لمسؤولين إسرائيليين تبث كراهية وتحريضا على الإبادة، ومنها فيديو لعشرات الجنود والضباط، الذين يصرخون ويهتفون ويقولون: «جئت لغزة لاحتلالها، وحزب الله نضربه على رأسه، ونتمسك بفريضة أن نمحو نسل العماليق، وشعارنا ليس هناك أبرياء»، وهي كلها شعارات ومفاهيم تتقاطع مع خطاب داعش، لا تجارب كل الجيوش العربية وفصائل المقاومة، التي إذا قرر جنودها أن يهتفوا لتقوية عزيمتهم، فإنها كانت تقول: «الله أكبر»، وتشحذ الهمم لمواجهة المحتلين والمعتدين والظالمين، وهي كلها مفردات لا تدعو إلى إبادة نسل شعب آخر ولا تحمل الكراهية والرفض للجانب الاستعماري الظالم لهؤلاء القوم، وهو فارق في النفسية كبير. العنصرية والتمييز والاحتلال الاستيطانى الذي تمارسه إسرائيل، سواء على عرب 48 أو في حق الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، سكت عنه العالم عقودا طويلة، حتى شاهده بالصوت والصورة في حرب غزة، فعلينا ألّا ننسى أن الكنيست الإسرائيلي هو الذي سَنَّ في السنوات الأخيرة مجموعة من التشريعات العنصرية، أبرزها كان: تمديد منع لَمّ شمل العائلات الفلسطينية، وتمديد العمل بقانون الطوارئ، وقانون النكبة، وتقييد حرية التعبير، وقانون تمويل الجمعيات، وقانون التنظيم والبناء (كامينتس)، وقانون القومية، وقانون يهودية الدولة.
صنوف من الإبادة
تُظهر البيانات بشأن شكاوى التمييز والعنصرية في عام 2022 التي اهتم بها عمرو الشوبكي، أن المواطنين العرب من فلسطينيي 48 ممن يحملون الجنسية الإسرائيلية يتصدرون قائمة الشكاوى والبلاغات المتعلقة بتعرضهم لأحداث عنصرية، وأن 32% من الشكاوى وصلت من مواطنين عرب، و18% من الشكاوى من الإسرائيليين ممن استُقدموا من دول الاتحاد السوفييتي السابق، وأن 17% من الشكاوى العنصرية وصلت من يهود من أصول إثيوبية، و5% من اليهود الحريديين واليهود من أصول شرقية. واتضح أن 19% من الشكاوى تتعلق بالتمييز في تقديم الخدمات العامة، و12% حول التمييز في العمل، و11% حول التعبير العنصري في المجال العام، و9% حول الدعاية العنصرية النمطية في الأماكن العامة. لم يعلق الكثيرون على هذه التوجهات المتأصلة داخل منظومة الحكم الإسرائيلية، ولم يهتم بها المجتمع الدولي، واعتبرها جزءا من حالة عامة تجري في كثير من دول العالم، ولكنه نسي أو تناسى أن معظم الحوادث العنصرية تستهدف أساسا المهاجرين الأجانب، وليس أصحاب البلد الأصليين أو مواطني البلد نفسه، وحتى لو وُجدت فهي لم تعد بهذه الطريقة الفجة مثل التي تجري في إسرائيل. لقد أخرجت حرب غزة ما تمارسه منظومة الحكم في إسرائيل في حق جانب من مواطنيها من عنصرية وتحريض وكراهية إلى القتل والتهجير والإبادة الجماعية علنا.
حسابها يقترب
تُصر الولايات المتحدة الأمريكية على مساندة إسرائيل بالحق والباطل، والسير عكس الاتجاه دائما، وهو ما حدث في تعليقها على قرارات محكمة العدل الدولية. يقول عبد المحسن سلامة في “الأهرام” إن المحكمة قبلت الدعوى، ورفضت الدعاوى الإسرائيلية بعدم قبولها، وذلك هو الانتصار الأول، لأن هذا يعني، ببساطة، قوة الأدلة التي تُدين إسرائيل بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية، ما جعل رئيس الوزراء الإسرائيلي يصف ذلك بأنه «وصمة عار لن تُمحى». أما الانتصار الثاني فهو اتخاذ المحكمة العديد من القرارات الاحترازية لمنع أعمال الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين، حيث أكدت المحكمة أن الفلسطينيين تشملهم الحماية بموجب الاتفاقية، وأن ممارسات إسرائيل تسببت في ضرر مادي وإنساني جسيم لهم، ومنعتهم من ممارسة حقوقهم، وطالبت المحكمة إسرائيل باتخاذ إجراءات فورية لتمكين نفاذ المساعدات الإنسانية، والتأكد من عدم ارتكاب القوات الإسرائيلية أعمال الإبادة الجماعية. وطالبت المحكمة إسرائيل بتقديم تقرير في غضون شهر بالجهود التي اتخذتها لتنفيذ قراراتها. ربما تكون الطموحات أعلى من تلك القرارات الاحترازية، حيث كان أحرار العالم يأملون أن تأخذ المحكمة قرارا فوريا بوقف إطلاق النار، حتى لو لم تنفذه إسرائيل، لكن ما حدث، في كل الأحوال، هو انتصار وإن كان انتصارا بالنقاط وليس الضربة القاضية التي كان المجتمع الدولي يأملها لوقف العدوان الإسرائيلي الغاشم. الانتصار الثالث في محكمة العدل الدولية هو تلطيخ سمعة كل الدول التي تساند إسرائيل في حربها ضد غزة، على اعتبار أنها شريكة لها في جريمة الإبادة الجماعية طبقا لنص اتفاقية منع الإبادة التي تؤكد أن الشريك المتضامن مع المتهم في جريمة الإبادة يعتبر متهما بالإبادة مثل الفاعل الأصلي. وصمة الإدانة هي التي جعلت أمريكا تتحرك على الفور، وترفض قرارات المحكمة، وتؤكد مساندتها استمرار الحرب في غزة وعدم وقف القتال رغم قرار المحكمة. في كل الأحوال فإن قرار المحكمة انتصار تاريخي لمصلحة القضية الفلسطينية، والمؤكد ستكون له تبعاته، وآثاره خلال الفترة القليلة المقبلة في محاصرة إسرائيل إقليميا، ودوليا أو حتى من خلال تحرك المجتمع الأمريكي ضد إدارة بايدن كما يحدث الآن من عدد كبير من النواب الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، أو من المنظمات الإنسانية والحقوقية.
مجرد كلام
الذين راهنوا على محكمة العدل الدولية في قضية الحرب على غزة رفعوا سقف التوقعات إلى سماء بعيدة، فلما قالت المحكمة كلمتها يوم 26 يناير/كانون الثاني، لم يستطيعوا النزول بسقف توقعاتهم إلى الأرض حيث يعيش الناس. ولأنهم فعلوا ذلك، كما يقول سليمان جودة في “المصري اليوم” فإن أي تقييم موضوعي لقرار المحكمة سيتوقف لا شك أمام فجوة عميقة تفصل بين ما صدر عنها، وما لا يزال يُقال عما أصدرته حين انعقدت.. فالمحكمة في حقيقة الأمر قالت «كلام حلو» لا أكثر. ولأن كل ما قالته «كلام حلو»، فإن الواقع في قطاع غزة لم يتغير، بعد أن أصدرت حكمها أو قرارها، عما كان عليه قبل أن تقول كلامها الحلو، ولن يتغير في الغالب إلا إذا استخدم العرب الأوراق السياسية وغير السياسية التي في أيديهم.. وما عدا ذلك سوف يظل في خانة الأمنيات التي نتمناها، دون أن ننتبه إلى أن نَيْل المطالب ليس بالتمني، كما قالها الشاعر من زمان. بالتأكيد ليس هذا تقليلا من الجهد الذي قامت به دولة جنوب افريقيا، فقد أقدمت على ما لم تجرؤ عليه دولة في العالم، ولا هو تقليل من حجم الدور الذي لعبته من خلال مسؤوليها أمام قضاة المحكمة، فقد بادروا بما لم يبادر به سواهم، سوف تفتش أنت في ما صدر عن المحكمة، فتجد أنها تدعو إسرائيل إلى اتخاذ التدابير التي تمنع ارتكاب إبادة جماعية في حق الفلسطينيين، وتضمن تحسين الأوضاع الإنسانية القاسية التي يعيشها أبناء قطاع غزة.. هذا ملخص ما صدر عنها.. فهل ستلتزم به حكومة بنيامين نتنياهو، وهل سيغير في حقيقته من الوضع المأساوي في القطاع؟ هذا هو السؤال؟ وقد بادر نتنياهو، فأجاب عنه قبل حتى أن تقول المحكمة كلمتها، وكان مما قاله أن قرارها لن يُوقفه، وأنه لا شيء آخر سوف يُوقفه عما يرتكبه في غزة. هكذا يبدو الواقع على الأرض، وهكذا نرى العالم في مأزق وهو عاجز عن فعل شىء للأبرياء الذين يموتون في غزة كل يوم بلا ثمن.
حرب موازية
ليست مصادفة بالطبع على حد رأي جلال عارف في “الأخبار” أن تبدأ الهجمة المسعورة على منظمة غوث اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» في اليوم نفسه الذي صدرت فيه قرارات محكمة العدل الدولية في قضية اتهام إسرائيل بالإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني.. وليست مصادفة أن تقود الولايات المتحدة حملة منع التمويل عن المنظمة التي تحاول منذ 75 سنة توفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية لنحو 6 ملايين لاجئ فلسطيني من ضحايا الكيان الصهيوني. وليست مصادفة أيضا أن تتبعها بعض الدول الغربية حتى قبل أن يتم التحقيق في المزاعم الإسرائيلية حول تورط 12 من العاملين في «الأونروا» مع منظمة حماس وكأنها تعلن أن المطلوب ليس عقاب من أخطأ إذا ثبت الخطأ.. بل المطلوب هو عقاب الملايين من اللاجئين الفلسطينيين وحرمانهم من أبسط حقوقهم في الحياة. والمطلوب هو استكمال حصار الجوع والقتل على سكان غزة وكأن 26 ألف شهيد لا يمثلون شيئا عند من لا يرون في ما تفعله إسرائيل «إبادة جماعية» لأن العمى السياسي يمنعهم من الرؤية الصحيحة. لا توجد مصادفة.. فالمطلوب أيضا أن يقطع الطريق على تنفيذ قرارات محكمة العدل بما فيها إلزام إسرائيل بتوفير المساعدات الإنسانية لسكان غزة وفقا لمسؤوليتها كدولة احتلال. والمطلوب إيجاد مبرر للإرهاب الإسرائيلي وهو يستهدف المقرات والمدارس التابعة «للأونروا» التي تحولت إلى ملاجئ لمئات الآلاف من النازحين في غزة، وأيضا وهو متهم بقتل 150 من العاملين في «الأونروا» حتى الآن.
سقوط أخلاقي
لا توجد مصادفة وفق ما يرى جلال عارف حين تسرع الولايات المتحدة بقطع التمويل (وهي الممول الأكبر للمنظمة الدولية) ليس فقط انحيازا للرواية الإسرائيلية دون تحقيق، وإنما لأن «الأونروا» مستهدفة من إسرائيل وأمريكا معا منذ سنوات.. وقد سبق للرئيس السابق ترامب أن قطع التمويل الأمريكي عن «الأونروا» في ظل حملته المشبوهة التي سماها «صفقة القرن» لكن التمويل عاد مع إدارة بايدن، حتى جاء القرار الأخير. أما إسرائيل.. فهي لا تخفي عداءها لـ «الأونروا» ولكل المنظمات الدولية بما فيها الأمم المتحدة التي تعتبرها معادية للسامية، لمجرد أنها تريد تطبيق الشرعية الدولية. ولأن الكيان الصهيوني الذي يسعى لتهجير من تبقى من الفلسطينيين على أرضهم، يواصل معركته الأساسية لتصفية قضية اللاجئين وحقهم المشروع في العودة للوطن، ويريد أن يشطب 6 ملايين فلسطيني من اللاجئين في الخارج من حسابات الصراع. قطع التمويل عن «الأونروا» في هذه الظروف هو مشاركة لإسرائيل في حرب التجويع ضد شعب فلسطين، وهو عقاب جماعي لشعب يناضل من أجل حريته، وهو – قبل ذلك وبعده – سقوط سياسي وأخلاقي ينبغي أن لا يسمح به العالم.
عيني عينك
لم تشهد مصر على مدار تاريخها توحشا في السوق السوداء للدولار مثلما تشهده الآن، بنوك في الشوارع، كما أخبرنا ياسر شورى في “الوفد” غير رسمية وتديرها منظومة أشبه بالبنك المركزي المصري، دون أن يحرك لذلك جفن للحكومة، واقتحام أوكار تلك المافيا التي تلعب بمصير أمة بالكامل. الجنيه بعافية، ولكن حسب التقديرات المعتبرة فإن القيمة العادلة للجنيه في الوقت الحالي لا تتجاوز الـ40 جنيها، مقابل الدولار، فكيف يلامس في السوق الموازية الـ70جنيها حاليا؟ لقد تحولت السوق السوداء للدولار إلى منظومة أقوى من منظومة البنوك الرسمية نفسها، ما دعا رئيس شعبة التجارة في الغرف التجارية إلى إطلاق صرخة – ارحمونا أصبحنا تحت رحمة السوق الموازية – إنها مأساة حقيقية بدأت منذ سنوات وتمددت وتوحشت. لا أحد الآن يعنيه سعر الدولار في البنوك ولا حتى يوجد عاقل يضع دولارته في البنك. الأزمة الحالية بدأت باللعب على تحويلات المصريين من الخارج وبخطة في منتهى الخبث أصبحت دولارات المغتربين تذهپ مباشرة، أو عن طريق السحب من البنوك إلى السوق السوداء التي تقول هل من مزيد؟ الموضوع بوضوح أن هناك قانونا يجرم الإتجار في العملات الأجنبية، ولا يطبق، فهل مافيا تجارة العملة أصبحت أقوى من الدولة وفوق القانون لكي تعمل بكل هذه الأريحية؟ الموضوع جد خطير وانهيار الجنيه بهذا الشكل سيدمر أصلا بلدا بالكامل أغنياءه وفقراءه.
أخبار السوشيال ميديا
بوست على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» كان أشبه ببلاغ إلى القائمين على مهنة الصحافة، وفقا لوفاء بكري في “المصري اليوم”: البوست كتبته الزميلة والصديقة العزيزة الشيماء عزت، كانت حالة الراحل المحترم العامري فاروق نائب رئيس مجلس إدارة النادي الأهلي، وزير الرياضة الأسبق، قد بدأت في التدهور الشديد في المستشفى الذي كان يرقد فيه، تحت عنوان: «عندما تخجل من كونك صحافيّا»، جاء بوست الشيماء بصفتها «شاهدة» على الواقعة ليس بصفتها «الصحافية»، وإنما «الإنسانية» بقربها من عائلة العامري – رحمه الله – فكتبت نصّا: «يعني إيه صحافة، ويعنى إيه خبر، وإيه الفرق بين إنك تكون صحافي محترم، باحث عن الحقيقة اللي تهم الناس، وبين إنك تكون جاهل ومتطفل، تتجاوز حدودك، وتقتحم حياة الناس الشخصية بكل وقاحة؟ من يومين، وحالة الصديق الغالي العامري فاروق في تدهور شديد، وكل أهله وأصدقائه ومحبيه في حالة حزن وقلق وخوف عليه، وطبيعي جدّا نكون موجودين في المستشفى طول الوقت، لكن هل من الطبيعي أننا نعاني وسط كل ده من شائعات وفاته في منتصف الليل؟ هل من المنطقي أننا نعيش حالات الفزع كل شوية على والده ووالدته وزوجته وأولاده، اللي بتجيلهم مكالمات تعزيهم في وفاته، رغم أنه ما زال على قيد الحياة بسبب أخبار كاذبة متداولة على السوشيال ميديا؟ هل من المهنية أننا نفضل نلاحق صحافيين تسللوا جوة المستشفى، وحاولوا الوصول لغرفة العناية المشددة عشان يلتقطوا صورة العامري في لحظات خاصة جدّا، أو آخرين واقفين على باب المستشفى يعملوا بث مباشر لأهله وأصحابه وهُمَّه قلقانين عليه؟
الحل بسيط
مضت وفاء بكري منددة بما تشهده مهنة البحث عن المتاعب من تردٍ غير مسبوق ومعلنة تضامنها مع وجهة نظر زميلتها: إيه الصحافة دي، وإيه المهنية في كده، وإيه المعنى اللي بتقوله للناس والقيمة والرسالة اللي بتقدمها؟ الصحفيين المحترمين بيتصلوا بينا، وبيسألوا عن الحالة، وبينشروا أخبار حقيقية، لكن للأسف أنا حاولت امبارح أحافظ على صورة الصحافيين، وأقنع الناس اللي رافضاهم بأنهم بيعملوا شغلهم، لكن اللي شفتهم من مواقع صحافية أخجلوني من كوني صحافية، ومن انتمائي لمهنة كان زمان اسمها (صاحبة الجلالة)»، انتهت رسالة الشيماء، ومات الرجل المحترم العامري فاروق، وبقي «الخزي» لمهنتنا الجليلة بسبب دخلاء عليها، لا يريدون سوى «زهوة» الترند و«الشير». ولا عزاء للإنسانية قبل المهنية. قبل نحو 6 سنوات ليس أكثر، كنا نتسابق في هذه المهنة على تنفيذ أكبر قدر ممكن من الموضوعات المرتبطة بحياة الناس، واستجابة المسؤولين لشكاواهم، وكان قمة «زهونا»، ونحن نكتب ردود أفعال المسؤولين عما نفجره من قضايا ومشكلات، ولكن لن أتحامل كثيرا على مَن «يجري» خلف الترند، ففي مقابل هذا، وكما كتبت الشيماء، هناك صحافيون محترمون ويبحثون عن المعلومة من مصدرها، هؤلاء هم الأكثر معاناة الآن، فمعظم المصادر المسؤولة باتت تخشى الحديث مع الصحافيين بسبب اختلاط «المحترم» مع «الباحث عن الترند»، فإذا كنا نبحث عن عودة الصحافة والقضاء على الشائعات، فالحل بسيط «ادعموا المهنيين».