خَلُص تقرير صادر عام 2021، عن «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» (CSIS) حول تعامل النظام السوري مع المساعدات الإنسانية الدولية، إلى أن «الأسد لم يستفد من الأزمة فحسب، بل أنشأ أيضاً نظاماً يكافئه كلما ساءت الأمور أكثر». المركز الأمريكي، العابر للحزبين الجمهوري والديمقراطي، كان يعني بـ»النظام» الطريقة التي حوّلت فيها السلطات السورية، المعونات العينية والغذائية والمادية، لمصلحة وحدات الجيش والميليشيات الموالية لها، فضلاً عن استفادة عدد كبير من الموظفين وعمّال الإغاثة المرتبطين بها، من تلك المعونات، عبر شبكات فساد معقّدة.
لا يقتصر الأمر على سوريا، إذ يمكن رصد ظاهرة مشابهة في اليمن، فقد حاول الحوثيون عام 2020 فرض ضريبة 2% على كل المساعدات الدولية المقبلة إلى البلد، ورغم تراجعهم عن هذا، فإنهم يسيطرون بشكل كامل على نظام الإغاثة، وعمل المنظمات الدولية وغير الحكومية، وتتكاثر التقارير حول استفادتهم منهما لتمويل حروبهم ومناصريهم. هذان المثالان، السوري واليمني، يشيران إلى أن قضايا الإغاثة، متعددة المصادر التمويلية، لم تعد مجرّد حالة هامشية أو طارئة في بنى المجتمعات، التي تعيش حروباً أهلية أو سيطرة ميليشياوية، بل باتت نظاماً متكاملاً، متداخلاً في أنساق السياسة والحرب والمجتمع، بل حتى الثقافة.
تبدو مجتمعات المنطقة دائماً بحاجة لـ»استجابة إنسانية عاجلة» على المؤسسات الدولية؛ والدول، خاصة الغربية والخليجية منها؛ والمنظمات غير الحكومية؛ وأيضاً المقيمين والعاملين العرب في الخارج، تأمينها فورياً، وإلا فإن الأوضاع ستنحدر بصورة لا يمكن تخيّلها، وصولاً إلى المجاعات والأوبئة وموت الأطفال. الأسوأ أن تلك الأوضاع قد تدفع الأهالي إلى ردّات فعل مثيرة للقلق العالمي، ومنها اللجوء الجماعي بالملايين، والتطرّف والإرهاب. وبما أن العالم «يستجيب» منذ أكثر من عقد، فقد ساهمت استجابته بنوع من «تطبيع» الوضع، بل وبتشابك أنظمة المساعدات والتمويل مع مصالح الجماعات المسيطرة على الأرض؛ ومجموعات الناشطين والعاملين في المجال الإنساني والتعليمي والثقافي. فنشأت أنماط حياة بأكملها، داخل الدول المنكوبة وخارجها، بناء على «الإغاثة». يمكن أيضاً تعميم المسألة على دول لا تعيش حروباً أهلية مباشرة، مثل لبنان ومصر، فالتهديد البشري الكبير، في حالة الانهيار السياسي أو الاقتصادي الشامل، يدفع «العالم» للاستجابة هناك أيضاً. ماذا يعني تطبيع هذا الوضع حقاً؟ وكيف يمكن فهم نموذج من التفكير السياسي والثقافي، نشأ بالتفاعل مع مانحين خارجيين؟ وهل من المشروع أخلاقياً نقد «ثقافات الإغاثة»؟
التمكين الميليشياوي
تمتلك منظمات الإغاثة الدولية، وغير الحكومية، كثيراً من «الأجندات» في ما يتعلّق بالديمقراطية وحقوق الإنسان؛ تمكين النساء؛ التنمية الأيكولوجية المستدامة، إلخ. ويعتبر الالتزام بهذه الأفكار، ونشرها، واجباً على موظفيها وناشطيها، أينما كانوا. على الرغم من ذلك، فإن «المهارات بين الثقافات» أي القدرة على التعاطي مع الاختلاف القيمي، واحترام العادات والخصوصيات المحلية، هي «الفلتر» الأساسي، الذي يجب أن تمرّ عبره كل تلك الأفكار. وكثيراً ما يتلقّى الناشطون والعاملون تدريباً مكثّفاً على تلك المهارات، التي صارت أقرب لـ»علوم» في إطار إعدادهم المهني.
يؤدي كل هذا، عملياً، لنوع خاص من «المرونة» في تعامل المنظمات مع «المجتمعات المحلية» إذ غالباً ما يتواصل العاملون والناشطون مع فئات متنفّذة، ومنها قادة عسكريون، يمكن وصفهم بمجرمي الحرب دون تحفّظ؛ زعماء ميليشيات؛ وجوه قَبليّة وعشائرية؛ سماسرة وأفّاقون من كل نوع. وليس من المستغرب أن يؤدي هذا التواصل إلى نشوء شبكات من المصالح على المدى الطويل، بين بعض العاملين في المنظمات وتلك الفئات، التي لا تعبّر عن مجتمع، بقدر ما هي سلطات أمر واقع. ولهذا فإن «التمكين» الأكبر لا يكون لمصلحة «الفئات الأضعف» أو «الأقل حظاً» وإنما لجهة تكوين طبقة جديدة ممن يمكن وصفهم بـ»الوكلاء» وهم ليسوا مثلاً وسطاء بين استعمار أجنبي وسكّان محليين، يتعرّضون لاستغلال ثرواتهم وعملهم وتدمير ثقافاتهم، مثلما كانت وظيفة «وكلاء الاستعمار» التقليديين، وإنما «وكلاء إغاثة» أي مجموعات تستمد جانباً كبيراً من شرعيتها، من كونها السبيل الوحيد لمنع الانهيار الإنساني المرعب.
طبقة الوكلاء هذه، في كثير من الأحيان، غير تابعة أو خاضعة تماماً للمموّلين الخارجيين، خاصة إذا كانت مسلّحة، بل لها مصالحها، وأساليب هيمنتها وحكمها الخاصة، وقد تصطدم بعنف ببعض الدول المموّلة، إلا أنها تبقى «ضرورة» أو «شرّاً لا بد منه» باعتبارها أفضل من الانهيار الشامل. يجعلها هذا قريبة إلى حد ما من مفهوم «الاستعمار الفرعي» بمعنى أنها نقطة تقاطع بين احتلال داخلي أو إقليمي «صغير»؛ ومصالح النظام الدولي المتعددة، والمتضاربة أحياناً.
يمكن القول إن «أجندات المنظمات» ومهاراتها «بين الثقافية» وتفاعلاتها مع أيديولوجيات الجماعات المسلّحة، قد طبعت الثقافة العربية المعاصرة إلى درجة كبيرة، من العراق حتى مصر وليبيا، إذ ليس من النادر ملاحظة تجاور أكثر الأشكال راديكالية، في دعم حقوق النساء والمثليين مثلاً، مع «تفهّم» ممارسات المسلحين وأفكارهم، المتحدّرة من أيديولوجيات الإسلام السياسي والقومية العربية. ويبدو أن هذا الوضع مريح لجميع أطرافه، من الدول المانحة، التي «تدير الأزمة» بهذه الطريقة؛ مروراً بالناشطين والعاملين في المنظمات، الذين صاروا جزءاً من نظام عالمي للتدفقات المالية/الأيديولوجية؛ وصولاً إلى أمراء الحرب ومقاتلي الميليشيات، البارعين في «تمكين» مشاريعهم بفضل كل تلك المنظومة. إنها حالة أقرب للتواطؤ، بين جهات من المفترض أنها متناحرة. والخاسر الأساسي منها هم البشر، الذين تزداد أوضاعهم المعيشية سوءاً من جهة؛ ويرزحون من جهة أخرى تحت هيمنة ميليشياوية ومنظماتية شديدة القسوة، تدمر أسس ثقافاتهم، الحديثة والتقليدية. قد يتضعضع ذلك النظام عندما تتجاوز إحدى الميليشيات حدودها، ولكن يبقى هنالك نوع من الثقة، بأن المانحين سيضطرون للعودة.
التمثيل الطفيلي
ضمن حالة الاستثناء الدائم، التي تعيشها مجتمعات الحرب الأهلية أو الانحلال السياسي الشامل، يبدو الحديث عن تمثيل نزيه لأي فئة اجتماعية غير واقعي، وهو، أيضاً، ما تتفق عليه كل أطراف منظومة الإغاثة، ولذلك يصبح من الضروري إيجاد بدائل، بناء على الحالة الراهنة والأمر الواقع. هكذا يمكن لحكومات قمعية، فقدت أساسيات شرعيتها الدولية؛ وميليشيات عقائدية، لا يمكن قياس شعبيتها واقعياً، إلا بهيمنتها الدينية والطائفية المسلّحة، أن تمثّل كتلاً سكّانية ضخمة، أمام المانحين والدبلوماسيين الأجانب على حد سواء. الأغرب أنه يمكن لمجموعات من الناشطين ادعاء تمثيل فئات نوعية معيّنة، مثل «النساء» و»الشباب» و»الأقليات» لمجرد أنها تمتلك مهارة تعبئة الاستمارات، لنيل التمويل من مانح خارجي.
يمكن إطلاق تسمية «التمثيل الطفيلي» على هذه الحالة، إذ يتطفّل «الممثلون» على متون مجتمعاتهم، وهوياتها وثقافاتها، ويحتكرون ألسنتها، يساعدهم على ذلك ما يمتلكونه من نفوذ وعلاقات بقوى النظام العالمي القائم. أسوأ ما في الموضوع أن ذلك «التمثيل» لا يرقى، في كثير من الأحيان، إلى درجة بناء مؤسسات، تمتلك الحد الأدنى من الاستقرار، على مستوى التعليم والثقافة الجماهيرية والأخلاق الاجتماعية، اللهم إلا التعليم الديني للميليشيات الطائفية. وهذا يعني أن مجموعات «الممثلين» لا تسعى حتى لفرض هيمنة أيديولوجية في الحيز العام، لأنها ترفض هذا الحيّز أصلاً، إذ أن وجوده يتنافى مع حالة الاستثناء الدائم، التي تعتاش منها، وتنمو فيها. يؤدي كل هذا إلى حالة من الانهيار الحضاري العام في المجتمعات العربية.
الإدارة الفاشلة
يدور جدل كبير، في دول غربية عدة، حول كفاءة أسلوب تعامل حكوماتها مع منطقتنا، التي صارت تصنّف أساساً بوصفها «مصدر أزمات» قريب جغرافياً لأوروبا، لا أكثر. ومن الملاحظ أن هنالك رأيين سائدين في هذا الجدل: الأول أن إدارة الأزمة الشرق أوسطية فاشلة، وغير إنسانية، ولكن لا بديل عنها، فهذا أفضل الممكن، إذ لا يمكن الانسحاب تماماً من المنطقة، وتركها وشأنها، كما لا يمكن تحقيق أي تغيير جذري فيها؛ الرأي الثاني أن تلك «الإدارة» هي سبب الأزمة نفسها، ويجب أن تكفّ الدول الغربية عن «الدعم» والكلمة الأخيرة لها معانٍ كثيرة مختلفة، حسب الميول الأيديولوجية للمتكلمين.
في كل الأحوال، تبدو منطقتنا نموذجاً لأزمات وفشل نظام عالمي كامل، وغالباً تكون «طليعة» انهياراته، باعتبارها من حلقاته الأضعف. ووسط هذا الفشل، فإن منظومة الإغاثة قد تؤجّل الانفجارات التي يخشاها بعض الممولين، ولكنها، في الوقت نفسه، تُفعّل أسبابها وتجذّرها. إذ من الصعب تخيّل استقرار أو سلام في منطقة مليئة بميليشيات و»منظمات» تعتاش على المساعدات والتمويلات.
ربما الأجدى أن يفكر الفاعلون الدوليون بالإسهام الإيجابي في إعادة السياسة إلى المنطقة، عبر العمل على إنتاج وفرض حلول تفاوضية جديّة للنزاعات فيها، وإعادة بناء دولها. وإلى أن يتغيّر شيء في الصورة السائدة، فربما كان «العزل السياسي» للميليشيات والمنظمات، أي فضح وانتقاد دورها السلبي في تحطيم المجتمعات، أفضل ما يمكن فعله، ونوعاً من مواجهة «النظام الدولي» نفسه.
كاتب سوري