زار الرحالة والجغرافي البلجيكي جيل لوكليرك بلاد المغرب في منتصف القرن التاسع عشر، ونقل لنا حكاية رجل روسي وصل البلاد في أوج المجاعة، عندما كان الجياع يزاحمون الكلاب في طعامها، وكان الأموات يتعفنون في الطرقات بلا قبور. في مثل هذه الظروف «كانت يدا الرحالة مملوءتين ذهبا بين يهود فقراء وطماعين». حاول التبشير بالدين المسيحي، وقابله الناس، رغم العوز والجوع الذي ينهش عظامهم بالسخرية والتهديد بالقتل، إن لم يغادرهم في الحال، وترك الرجل البلدة «متسربلا بالعار ومحتقرا، وفشلت قوة الذهب أمام قوة الدين».
الجنرال الإنكليزي طاونزند الذي حاصرته القوات التركية في مدينة الكوت العراقية في الحرب العالمية الأولى، لما عمّ الجوع بين أفراد جيشه بسبب الحصار، واضطر إلى ذبح الخيول وإطعامها للجنود، كان ضمنهم من أتباع الديانة الهندوسية، ظلوا يفضلون الموت جوعا على أن يقوموا بفعل يُعد حراما في معتقدهم، وبرر أحد هؤلاء البائسين الأمر بأن الخبر سوف يصل حتما إلى الهند، فيقاطعهم الجميع وينبذونهم، حتى أن بناتهم وأولادهم يبقون بلا زواج بسبب هذه الفَعْلة.
عام 1963 ثار بركان في مدينة بالي في إندونيسيا مرتين، في الأولى توقف تدفق الحمم البركانية، قبل أن تصل المعبد، فشعر الناس بأن الآلهة تتحكم في النار من مكانها. لكن في المرة الثانية اجتاحت النيران المكان، واستنتج الناس بهدوء أن الهبات التي قدموها هذا العام إلى الآلهة لم تكن كافية.
العبارة التي أخذت صدر المقال قالها كارل ماركس في أحد كتبه، أيده فيها البعض، وخالفه آخرون، ذلك أن الدين يمتد في دمائنا ويوغل في البُعد، ولا يمكن اختصاره بعبارة مُبتَسرة. إن عروقنا هي عروق أسلافنا، وليس هناك قوة تستطيع نزع نبضهم عنا، كما أننا سرنا على الطريق نفسه، دون أن ندري، مثل الأسماك والطيور التي ترتحل، ووصلنا. هل يمكننا العودة، وتغيير الدرب؟ تأييدا لهذا الرأي، توصل العلم أن التدين مكانه جين يقع في مُخ البشر، اسمه جين الرب. قسم منا يكون لديه قوي، أو خامل أو معدوم. لا يمكننا الاتفاق كذلك مع ما ذكره فرويد في كتابه «مستقبل وَهْم» وهو أن «الدين أكبر اضطراب نفسي عرفته البشرية، الهدف منه الشعور بالاطمئنان في مواجهة الحياة وفكرة الموت، وكلما شعر الإنسان بعجزه زاد احتياجه إلى الإيمان بالإله الذي يحميه». لا أحد ينكر فضل الإيمان الديني في تدجين غرائز البشر، وبث روح التضامن والسلوك الحسن بينهم، كما أن اعتقاد المؤمنين بالحياة بعد الموت يمنحهم سلاما عجيبا، ويُزيدهم شجاعة وصبرا وقدرة على التحمل. الإنسان شرير بطبيعته، وأصلُه كتلة من الجذور تندفع في كل اتجاه، يجب ردعها وإلا تجاوزت الحدود. كُومةٌ من الشحم واللحم والشعر والعظام، ويقصد الدين أن ينحت منها وردة، بينما يرغب البشرُ السيرَ في مسارب نحتية أخرى. الإنسانُ يتمايز عن اللاإنساني بواسطة الدين والقانون، الأول عام والثاني خاص، والعام يغلب الخاص في جميع النواحي، فنرى الناس حين يغيب القانون ينقلبون إلى وحوش في أكثر المدن تحضرا، بينما يعم الأمن والسلام المجتمع الذي تسود فيه تعاليم الدين، ويمكن أن يمتد هذا الأمان إلى آخر الزمان. صحيح أن الناس المشتركين في العرق واللغة، والمختلفين في الدين، قد يذبحون بعضهم بعضا، مثلما حدث في العراق ولبنان ويوغسلافيا، وهذا الأمر يعود إلى طبيعة الإنسان وليس إلى جوهر الدين.
بشكل عام، وعدا عن الاستثناءات القليلة جدا التي نقلها لنا الرحالة، انتشر الإيمان بقوة غير مرئية منذ فجر التاريخ لدى جميع البشر. يخبرنا جيمس فريزر أن الإنسان القديم لم يُبقِ في قاموس الأحياء حيوانا أو نباتا أو حشرة لم يتخذها إلها، بالإضافة إلى الأحجار والظواهر الطبيعية والطقوس البشرية والحيوانية. كل ما موجود في الكون دخل في عالم الدين بصورة إيمان راسخ يمكن أن تضحي شعوبٌ برمتها بأرواحها في سبيل الدفاع عنها ضد الأعداء، الذين يحملون أيضا اعتقادا لا يقل بآلهتهم، وتكون الغلبة في الأخير لمن لديه إيمان أقوى.
كانت الفكرة الرئيسية للدين في البدء تفسير الظواهر الطبيعية، فابتكر الإنسان إلها للرياح وللرعد، وللشمس والقمر، ثم جاء الإله الواحد ومعه صارت حاجة الإنسان إلى اجتراح المعجزات، وتقوم هذه بالدرجة الرئيسية على الحكايات، التي لولاها لبقيت الأديان محضُ وعظ، فالحكايات هي التي تقنعنا بصدق المعجزة، ويحدث الأمر نفسه في عالم السرد، حيث لا يوجد للجدل أو السببية حيزا في تفكير القارئ والسارد على حد سواء، عندما يحصل ما يُدعى «بالتعطيل الطوعي لعدم التصديق» الذي يرتفع بالحكاية إلى أن تتحول إلى أسطورة أو معجزة على الجميع الإيمان بها.
إن نظرة الإيمان والتقديس الوجودي التي ابتكرها التفكير الديني شعريةٌ في الأصل، أي أن من توصل إليها، امرؤٌ شاعر، كلما زادت نسبة الخيال لديه صار ما يأتينا به أكثر إقناعا، وبالتالي تداولا بين الناس في الواقع، ويصح هذا على الديانات القديمة والحديثة. السقوف والجدران في الجامع والكنيسة والمعبد مزينة بنقوش تخطف الأبصار، وباللمعة القوية للضوء المنتشر من ثريات عملاقة، لكن أهم ما في الأمر هي التهيؤات التي ينظر المؤمن فيها صورا خيالية للإله أو النبي أو الأولياء وسط هذه الأجواء الساحرة، وفي الكنائس والأديرة هناك لوحات وتماثيل تمنح الزوار وقارا وجِدة في العمل، لا يحصلون عليهما في أي مكان آخر. يستعيرُ رجل الدين من الفنون أدواتها في إيصال رسالته وزرعها في القلوب، فهو يطلب من المعماري تصميم مبنىً فيه الفخامة والاتساع والارتفاع الشاهق، ويحتاج إلى بعض العلم في الشعر والموسيقى لترتيل وتلحين الأدعية. اللاهوتي الإصلاحي الألماني فريدريش شلايرماخر (1768 – 1834) ترك لنا رأيا يؤيد ما ذهبنا إليه، وهو أن «الفن والدين روحان متقاربتان، لكن للأسف لا تدركان بعد القرابة الداخلية بينهما». لو تصورنا مبنىً يؤدي فيه المؤمنون طقوسهم، ثم نزعنا عنه جميع أدوات الفن، فإنه يتحول إلى مكان بلقع لا تأوي إليه غير الحشرات والأفاعي والسِباع. إن سحر الفن ينتقل بصورة أو بأخرى إلى الدين، كما ينتقل إخلاص المؤمنين في تأدية شعائرهم إلى أهل الفن، في الانقطاع إلى عملهم وتقديسه. لما دخل هولاكو بغداد، سأل أول ما سأل عن نوع عبادة الناس، وأخبروه أنهم يعبدون مَنْ خلق السماوات والأرض. طلب منهم أن يدلوه على بيت الله. ثم دخل الغازي الجامعَ، وشعر مباشرة بالاختناق، لأنه كان بدائيا ولا يعرف سحر الفن. ترك المكان سريعا وهو يردد: «هل يُعقل أن الإله الذي خلق الغابات والصحراء والبحار يسكن هذا المبنى الضيق؟» واتجه الغازي الوحش مباشرة إلى بستان قريب، وأقام فيه خيمته.
لا يخلو قلب الفرد من مقدس ما، وعندما يكون الإيمان الديني بدرجة معقولة لا إفراط فيها ولا تفريط، فإنه يمنح المؤمن راحةً وصفاء في العيش، ويجهزه بوسادة من حرير أبيض نسجته الملائكة، يسير عليها ويجلس، وفي أثناء النوم يُريح جبهته من الأفكار المُقلقة، وينام سعيدا هانئا. بينما يؤدي الإيغال في الدين والتشدد في تطبيق تعاليمه إلى كوارث تأتي على الأخضر واليابس، وربما كانت نهاية الأديان القديمة نتيجة للمهالك التي سار في طريقها أنبياء وأولياء ذلك الزمان. هناك رجال دين لا تستهويهم غير الطريقة القاسية والعنيفة والشديدة في التدين، وأثبتت أحداث التاريخ أن جميع العصور، لم تبرأْ من هذه اللوثة، بما فيها زماننا.
أختمُ المقال بوصف ظريف عثرتُ عليه بين دفاتري وأنا أُنجز هذا البحث. لم أثبت عليه اسم قائله، وكان تعليقي أنه نَعتٌ تم بإحساسٍ ثابتٍ من الفكاهة:
«هناك شبه بين الكحوليين وأولئك الذين يضعون في الدين حماسةً تعادل تلك التي يكرسها المدمنون على الكحول في قارورة الشراب، الفرق الوحيد هو الابتسامة الطوباوية التي تعلو وجوههم، مقابل مسحة الغم القاتمة لدى الكحوليين. إن لدى الاثنين مناعة ضد الحياة السوية».
كاتب عراقي