لماذا يصل طفل في عمر صغير، من المفترض أن يهتم باللعب والفرح والحياة، إلى مرحلة من اليأس والإحباط تجعله راغباً ومستعداً لإنهاء حياته؟
ربما ليس هناك من ألم يعادل، أو يفوق إنهاء إنسان لحياته فكيف إذا كان طفلاً، وغالباً ما يصعب علينا تصديق ذلك، فالأطفال لا يفكرون في الانتحار، وهذه هي القناعة السائدة بين الناس، بأن الأطفال الصغار ليس لديهم تصور صحيح وواضح حول مفهوم الموت، ليتخذوا قراراً واعياً بهذا الصدد بإنهاء حياتهم. هذا التصور أتى من قناعة معروفة أن الانتحار لا يمكن حدوثه ما دون عمر 12 سنة. ولكن للأسف تشير الإحصائيات إلى أن العديد من الأطفال الذين أنهوا حياتهم كانت أعمارهم أقل من 12 عاما، ومع مرور الوقت وطول عمر المعاناة في سوريا، نلاحظ ازدياد عدد الأطفال الذين يقدمون على هذا الأمر، رغم أن هذه الأرقام لا تعكس الواقع بشكل دقيق، لغياب الإحصائيات الدقيقة، أو عدم الإبلاغ عن الحالات. لذلك من الأهمية والواجب الإنساني والقيمي والأخلاقي، أن يكون أي انتحار يؤدي إلى وفاة الأطفال مؤشراً وتحذيراً جدياً للمجتمع أن يستنفر من أجل ذلك.
عوامل الانتحار عند الأطفال:
هناك عدة عوامل تسبب الانتحار عند الأطفال، بعض حالات انتحار الأطفال تحدث بسبب الفضول، أو الإثارة أو متابعة الأفلام، ويمكن إدراج الانتحار بسبب بعض الألعاب الإلكترونية ضمن حالات الانتحار هذه، إلا أن حالات انتحار الأطفال بسبب الإثارة أو الفضول نادرة جداً.
ترجع معظم حالات انتحار الأطفال إلى الفقر الأسري المدقع، والعنف المنتشر بكثرة في الأسرة، وإدمان الوالدين، وزواج الأطفال القسري، والعيش في بيئة متوترة وغير مستقرة للغاية، وفي هذه العائلات أو بيئات المعاناة يصل الطفل إلى مرحلة لا تتحقق فيها حتى أبسط رغباته واحتياجاته، يقارن نفسه باستمرار مع أقرانه، ويرى أنه لا يمكن أن يكون مثلهم، يشعر بأن لا أحد يحبه وأن وجوده ليس مهماً لأحد، وهذا الشعور بالوحدة العميقة المخفية التي لا تظهر ولا يلاحظها ولا يكترث لها الآخرون من حوله، تتجاوز في بعض الأحيان القدرة العقلية والنفسية للتحمل عند الطفل، في مثل هذه الحالة، قد يلجأ الطفل للتخلص من نفسه ووجوده، يبدو الأمر كما لو أنه لا يريد لهذه المشاعر المريرة والمؤلمة أن تتكرر ويعاود معايشتها باستمرار.
معظم حالات انتحار الأطفال لا يتم التخطيط لها مسبقاً، أي أن البالغين لا يفكرون بهذه السهولة بالانتحار، قد يستغرق معهم الأمر عدة أشهر أو حتى سنوات، بل يسعون إلى اكتشاف طرق أقل إيلاماً للانتحار. لكن معظم حالات الانتحار عند الأطفال تحدث بشكل لحظي تماماً، ومع وقوع حدث مأساوي أو شجار. على سبيل المثال، لنفترض أن الطفل الذي يقضي كل يومه في حالة من الإحباط أو القتال أو الضرب أو التعنيف، وهذا اليوم يتكرر ويتكرر، وضع طفل مثل هذا يشبه سقوط عود ثقاب في مستودع بارود، في هذه الحالة، يصبح الطفل حساساً وانفعالياً للغاية، وفي ذروة الحالة الانفعالية هذه، من الممكن أن يذهب الطفل للتخلص من نفسه ومن وجوده. عادةً ما يتعلم الأطفال كيفية الانتحار من خلال الأفلام والألعاب الإلكترونية المحرضة على الإيذاء والعنف، أو وسائل الإعلام أو التحدث مع أقرانهم. وهم على عكس البالغين، ترتبط محاولات الانتحار لدى الأطفال بمعدل خطأ أقل، أي أنه على سبيل المثال، في بعض الأحيان قد ينتحر شخص بالغ فقط لجذب انتباه من حوله، وهنا يتناول ما يكفي من الحبوب ليبقى على قيد الحياة في النهاية، أما أغلب الأطفال الذين يقدمون على الانتحار، فإنهم لا يفكرون هكذا ولا يلقون بالاً لهذا الأمر.
علامات الرغبة بالانتحار عند الأطفال:
من خلال ملاحظة بعض العلامات والأعراض، يمكن التعرف على عوامل ومؤشرات الخطورة، بعض هذه العلامات: تغير في عادات الطفل الغذائية لفترة طويلة، يتغير مزاجه، ويصبح منعزلاً، عدم لعب ألعابه المفضلة ويتجنب الوجود مع أقرانه وأي جمع فجأة، فقد تكون هذه علامات على أن الطفل عرضة للخطر، وبالطبع هذا لا يعني أن كل طفل ظهرت عليه هذه المؤشرات يشتبه في أنه سينتحر، ولكن يعني أنه إذا كان الطفل يعيش في أسرة تعاني من ضرر اجتماعي وبيئي شديد وظهرت لديه هذه الأعراض، فإن مثل هذا الطفل يمكن أن يكون عرضة لخطر إيذاء نفسه. ومن العلامات أيضاً: أن الطفل الذي يعيش في أسرة فقيرة وبيئة فيها مآس ومعاناة معيشية، أو فجأة يعطي للآخرين أشياء كانت دائما ذات قيمة كبيرة بالنسبة له، كما أن احتمال محاولة الانتحار مرة أخرى لدى الطفل الذي حاول الانتحار سابقاً دون جدوى، يكون أعلى بكثير من الأطفال الآخرين، أيضاً حديث الطفل بجدية أو حتى مازحاً عن الانتحار، فيجب عدم تجاهل حديث الطفل هذا، والتعامل معه على أنه مجرد كلام أطفال، في بعض الأحيان تكون هذه الكلمات بمثابة معرفة مسبقة وتعتبر مؤشرا خطيرا. ولا شك في أن تقديم خدمات الصحة النفسية للأطفال الذين يعانون، يمكن أن يحسن حالتهم وعافيتهم النفسية، ولكن في الواقع للتعامل مع العوامل الاجتماعية التي تؤدي إلى انتحار الأطفال، مثل الفقر والإدمان والعنف في الأسرة والإيذاء والإهمال والإساءة، وغيرها من العوامل، نحتاج لتوفير المساعدة والمساندة لهؤلاء الأطفال وعائلاتهم من قبل المؤسسات الاجتماعية على اختلافها، غير ذلك ستكون التدخلات النفسية لوحدها مجرد حل مؤقت للمشكلة ولا تعتبر حلاً كافياً دون تكاملها مع باقي الجوانب.
في المجمل لا يمكن الإحاطة بقضية الانتحار من خلال بضعة سطور، ولكن من المهم تسليط الضوء على الجانب الوقائي، وتعزيز جوانب العافية المجتمعية، ومعرفة الجذور والعوامل من خلال تقييم وفهم سليم للمعاناة في سياقها والتدخلات الملائمة لها.