معرض القاهرة للكتاب… أعراس مكلفة

ربما يكون معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي يقام سنويا في مساحة كبيرة من الأرض والمباني، وملحقا بالمطاعم والمقاهي المتنوعة، هو أكبر المعارض من حيث كثافة الجمهور الذي يؤمه، وأكثرها جذبا للمبدعين من شعراء وقصاصين ورسامين وفنانين عموما، إذ يأتونه من داخل مصر وخارجها بأعداد كبيرة، غالبا من غير دعوات رسمية، ليقضوا أياما بهيجة، وربما ليوقعوا على كتب صدرت لهم حديثا أو قديما، أو يحضروا جلسات توقيع لزملائهم، أو يشاركوا في ندوة من الندوات التي تقام مصاحبة للمعرض، وهناك من يحضرها من الجمهور، كل حسب اهتمامه.
ولعل فعاليات المقهى الثقافي، من النشاطات العريقة في المعرض، أذكرها منذ زمن طويل، ويشرف عليها دائما كتاب وشعراء ونقاد لهم مكانتهم في الوسط الثقافي.
وقد شاركت العام الماضي، في ندوة مهمة عن الروائي الراحل بهاء طاهر، تحدث فيها أساتذة كبار عن تجربة بهاء، وعن تفرده في الكتابة الروائية مما صنع منه هرما مجيدا، وكانت شهادتي إنسانية، حيث أنني عرفت الرجل عن قرب، وسميت بهاء عم الكتابة، كناية عن اهتمامه، ورعايته للكتاب الجدد، دون أن يبدي أي تذمر، أو يدعي الانشغال، أو يفر من مسؤولية غير رسمية ألقتها الشهرة على عاتقه. وبالتالي فقدت الكتابة، برحيله، واحدا من الأعمام الكبار، مثلما فقدت مستجاب وعبد الحكيم قاسم وسعيد الكفراوي من قبل.
قلت إن كثيرين يحضرون من أي مكان، وتمتلئ صفحات الميديا بالصور والابتسامات، وفرحة اللقاء بالكتب أو بالأصدقاء الافتراضيين، الذين يهبطون فجأة من الافتراض إلى الواقع.. ستكتب واحدة: آه صديقتي منذ عشر سنوات، ألتقيها لأول مرة، ويكتب مبدع من بلاد بعيدة: صورة مع ناشري الجميل، الذي لم ألتقه من قبل، وكل تلك الصور فيها ابتسامات، وإشعاع فرح تحسه ينبض من العيون، ويحول الصورة الجامدة إلى صورة حية بامتياز.
وقد جربت مثل هذا الإحساس بالفرح بلقاء الافتراضيين على أرض الواقع، حيث ألتقي دائما في أي مكان أزوره، بمن هو صديق جميل، موجود دائما معي في كل نشاط، والآن جاء حقيقيا، ليوطد تلك الصداقة.
الملاحظ في هذه الدورة هو كثرة الكتب المحمولة على الأيدي، وتلتقط معها الصور.
لقد سميت تلك اللقطات الباسمة في ما مضى: كتابك في قبضتي، وقلت إنها فرصة للذي لن يشتري أو لا يستطع شراء كل الكتب المعروضة، والتي طلب منه أصدقاؤه الكتاب شراءها، إكراما لهم، أن يلتقط مثل تلك الصورة مع الكتاب، يرسلها للمؤلف، ويعيد الكتاب إلى مكانه في رفوف دور النشر.
كان مزاحا بالطبع، لكن ما نظنه مزاحا، يحدث حقيقة، وعندي أصدقاء، أو أشخاص أعرفهم، ولم أطلب منهم شراء كتبي، يلتقطون صورا معها، يرسلونها لي، أو يضعونها على صفحاتهم، مع جملة: الكتاب في قبضتي.
بالطبع ليس كل الأصدقاء، فهناك من يشتري برغم غلاء الأسعار، وربما يستدين من أجل أن يضع لمعرض الكتاب ميزانية قد تكفي وقد لا تكفي.
قلت إن الكتب التي في قبضة الزوار، كانت كثيرة جدا على غير العادة، ولم أرد أن أربطها بأي ضائقة اقتصادية أو شح للمادة، التي توفر ثمن الكتب، قلت ربما ازداد عدد الكتاب، وازداد عدد الذين يمكن أن يقبضوا على الكتب، وأظن أني كنت محقا في ازدياد عدد الكتاب.
لم تعد مسألة كتابة الرواية عملا من أساسياته الإبداع والإلمام بالأبجديات والقراءة المكثفة لمن سبقوا الكاتب في المجال، إنه عمل فقط، قد يكتبه أي شخص أراد الكتابة، وطبعا من السهل نشره، وعرضه هنا وهناك، والتنويه به عبر الميديا، والحصول على الصور التي تحمله في الأيدي.
السؤال الذي أردت طرحه على دور النشر التي باتت ربما أكثر من القراء أنفسهم، وتشارك في معارض كثيرة، وندفع ببعض مطبوعاتها إلى سباق الجوائز:
هل فعلا يوجد قراء بحجم تلك المنشورات؟،
وهل يوجد ربح يعوض الوقت والجهد الذي قد يبذل في التحرير، والتصحيح، ومطاردة المطابع، والشحن من هنا إلى هناك، ومن هناك إلى هنا؟، ومحاولات الحصول على مكتبات ضخمة لعرض الإنتاج مثل كينوكينيا وجرير؟
إن كانت الإجابة لا، فما الفائدة إذن؟. لن يقول لي أحدهم إنها هواية يريد إشباعها، فلا توجد هواية يلاحقها البيزنس، والمساومات، وضياع الوقت بلا معنى.
إن كانت الإجابة نعم، فأين حق المؤلف إذن؟
هذه هي النقطة الجوهرية التي لا أمل من تكرارها أبدا. نحن نكتب ونشقى، ونهمل أسرنا، وتتشقق أصابعنا، وربما يخف البصر من كثرة التحديق في شاشات الكومبيوتر، ونشهد تلك الأعراس التي تسمى معارض الكتب، ولا نرى أي حقوق تتهادى أو تركض تجاهنا، لا يوجد شيء، لأن الجملة الأثيرة لدى الناشرين: لا يوجد بيع.
إذن ما دام لا يوجد بيع، فلا داعي لوجود النشر أصلا، ليجلس كل منا في بيته، يكتب ويتعارك مع الكتابة، ويقرأ ما ينتجه على نفسه أو أبنائه، أرى دائما مطاعم تغلق أبوابها حين لا تجد زبائن، وبوتيكات لبيع الملابس، غيرت نشاطها لعدم وجود الزبائن، فليغير الناشرون أنشطتهم إذن، أو فليلغوا من قواميسهم جملة عدم البيع المحبطة.

كاتب سوداني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية