القاهرة ـ «القدس العربي»: في محاولة بائسة لتشتيت الغضب المشتعل في صدور الجماهير، بسبب فشل الكثيرين الحصول على مايسد الرمق، نتيجة تواصل موجات الغلاء بمعدلات جنونية، حرصت الآلة الإعلامية للسلطة على صرف الأنظار، عبر اللجوء لوسائل مختلفة، ما بين تصعيد الحملات الموجهة للتجار واتهامهم بالجشع واستثمار في قوت الناس ومعاناتهم، وتارة بتشديد الهجوم على الحكومة، خاصة وزير التموين، الذي بات الشماعة التي تعلق عليها السلطة فشلها.
وقد ناشد حازم عمر رئيس حزب الشعب الجمهوري، توخي الدقة عند الحديث بالأرقام عن مشروع مدينة رأس الحكمة في الساحل الشمالي، وكتب في تدوينة عبر صفحته الرسمية في منصة «إكس»، يوم السبت الماضي: «على من يتحدثون بالأرقام عن مشروع رأس الحكمة توخي الدقة في ما يطرحونه من مسميات لتلك الأرقام.. فعندما يكون إجمالي حجم أصول الشركة الإماراتية حول العالم أجمع مقدرا بـ38 مليار دولار، فمن المستحيل أن تستطيع ضخ سيولة نقدية فورية قدرها 22 مليار دولار». وأضاف: «هناك فرق كبير بين مسميات الـTurnover والـInvestment Cost والـCash Flow.. مستحيل شركة إعمار تدفع مقدما 22 مليار دولار، ده كلام غير دقيق وغير وارد عمليا». الدكتور علي عوف رئيس شعبة الأدوية في اتحاد الغرف التجارية قال، إن نسبة نقص الأدوية في مصر تتراوح بين 8% إلى 10%، وعلق على إعلان غرفة صناعة الدواء حول وصول النواقص في سوق الدواء إلى 40%، قائلا: «النواقص المرصودة من غرفة الدواء يتم حسابها على أساس إنتاج كل مصنع لأصناف محددة من الأدوية، بينما قد يكون هناك توافر في أصناف أخرى». وليس ببعيد عن ما يهم الجماهير: أعلن خالد صبري المتحدث باسم الشعبة العامة للمخابز في اتحاد الغرف التجارية، عن انخفاض أسعار الدقيق في السوق المحلي بواقع 2000 جنيه للطن، خلال الساعات القليلة الماضية، متوقعا انخفاض أسعار الخبز بداية من يوم الأحد الماضي، أو في غضون أيام قليلة على أقصى تقدير. وقال خلال تصريحات تلفزيونية لبرنامج «كلمة أخيرة» مع الإعلامية لميس الحديدي: «الرغيف الذي يزن 50 و60 غراما ويباع بجنيه ونصف الجنيه؛ سيصبح وزنه 70 و80 جراما بالسعر نفسه بدءا من يوم الأحد (أمس)». أما الإعلامي الذي تراهن عليه السلطة دائما في “سحر أعين الناس” فقد قرر توجه سهامه نحو رئيس أقدم حزب سياسي إذ علّق الإعلامي عمرو أديب، على مقترح إلزام المصريين في الخارج بتحويل 20% من دخولهم الشهرية بالعملة الأجنبية. والمقترح قدمه المرشح الرئاسي السابق عبدالسند يمامة رئيس حزب الوفد، ويتضمن اقتراح قانون بقيام العاملين في الخارج بتحويل 20% من دخلهم الشهري بالعملة الأجنبية إلى البنوك المصرية، مع توفير كل الضمانات الدستورية والقانونية لحفظ حقوق العاملين. وقال أديب خلال برنامجه «الحكاية» أن المقترح المُقدم شمل اسم محمد صلاح لاعب نادي ليفربول الإنكليزي. وأضاف ساخرا: «أنا عجبني الاقتراح أوي بصراحة.. وعاوز أقوله إننا كمان ممكن نجبرهم، أن كل واحد فيهم يتبرع بكلية.. إحنا عارفين أن المصريين في الخارج مش عارفين نعمل بهم إيه.. إحنا نجبر كل واحد فيهم يتبرع بكلية وجزء من الكبد، وممكن نجبرهم بعد كده لما يموتوا الدولة تاخد أعينهم ونحطها في بنك العيون».
إلى متى؟
السؤال الأكثر إلحاحا على لسان كل الناس، متى ستنتهي أزماتنا الاقتصادية ويهدأ طوفان الأسعار الذي طال كل شيء؟ والتحدي في الإجابة على هذا السؤال، وفق ما يرى محمود الحضري في “المشهد”، أنه دخل عالم المستحيلات، فأعتى خبراء الاقتصاد، أصبح من الصعب عليهم الإجابة، وأصبحت كل التفسيرات والتحليلات مجرد تكهنات، في ظل المتغيرات المتلاحقة اقتصاديا كل يوم. أجزم بأن الحكومة نفسها لا تمتلك إجابة مقنعة بشأن كيفية مواجهة طوفان الأسعار، التي دخلت مرحلة اللاعودة، في ظل فترة نعيش فيها أمام “طوفان” في أسعار الصرف وأسعار السلع صبيحة كل يوم، بل بين الصباح والمساء، وأصبحت الأسواق بلا رابط. نعيش الآن مرحلة تحكمها نظم تسعير يفرضها كل قطاع اقتصادي، دون أي ارتباط بالسوق المحلي، لتتكرس سياسة استخدام الدولار كأداة تسعير لكل شيء من “ربطة الجرجير وحتى الذهب ومشتري الطائرات الخاصة واليخوت”. الحالة التي تعيشها مصر تحتاج إلى وقفة وسريعة، للخروج من هذا الخلل الذي انتشر في البلاد كالطوفان الذي يدخل على غفلة من الزمن على الناس، والقضية جد خطيرة، فأسعار السلع تتغير بطرق غريبة ومريبة، محكومة بأعباء عناصر التكاليف، وفقا لتقييمها بالدولار. سألت اثنين من المستثمرين في مجال العقارات وفي الأجهزة الكهربائية عن هذه الفوضى التي تعم الأسواق، واختلاف السعر لكل سلعة لحظياً، فكانت الإجابة صادمة، حيث اتفقا على أن هناك ما يشبه البورصة تربط تجار كل قطاع، وتحديدا الكبار منهم، وهناك خطوط ساخنة، للاتفاق على متوسط عناصر التكاليف وفقا لسعر متغير للدولار، ووضع هامش لسعر المنتج النهائي. وزادا في التوضيح بأن سوق الصرف يدار كليا بعيدا عن البنك المركزي، بل يمكن القول إن الاعتراف بسلطة البنك المركزي لا وجود لها، بل لا يوجد اعتراف بها في التعاملات السوقية اليومية، لا في قطاع الذهب والصناعات المعدنية وتحديدا منتجات الحديد بكل أنواعه، وكذلك في قطاع السلع الكهربائية، وفي القطاع العقاري، الذي دخل بقوة في الفترة الأخيرة، وامتد لبناء العقارات الفردية.
المقبل أشد ألما
صديق لمحمود الحضري قرر شراء وحدة سكنية في أحد المشروعات العقارية الجديدة، واتفق على السعر الذي أخبرته به الشركة، وعندما ذهب بعد خمسة أيام للاتفاق، فوجئ بارتفاع سعر الوحدة بنسبة 10%، أي أنه مطالب بسداد 300 ألف جنيه زيادة، والسبب ارتفاع “دولار الحديد”. وفي ظل هذا الوضع الكثير من المنتجات والسلع المعمرة تختفي من الأسواق، انتظارا وترقبا لأي متغيرات في سعر الصرف، وعرض بعضها بسعر أعلى لمن يرغب في الشراء، بل الجديد تحديد كبرى شركات تجارة التجزئة قطعة واحدة من الأجهزة للمشتري، أو أن تأتي ببيانات شخص آخر لشراء السلعة. ومع اتساع الأزمة، ينتشر في الأسواق العديد من أسعار الصرف للدولار في السوق الموازية لكل سلعة، وكأن هناك بنكا مركزيا موازيا لكل سلعة، وتصل في بعض الأحيان إلى أربعة أسعار، وربما أكثر في بعض الحالات. التفسير الطبيعي لذلك هو وجود مليارات الدولارات في السوق الموازية يتم التداول فييها في أسواق الطلب، يلجأ إليها المستوردون والمنتجون والتجار بمختلف فئاتهم، وبذلك تتسع الفجوة بين السعر الرسمي للدولار، وأسعار الأسواق تدريجيا، وفقا لحجم الطلب، حتى تجاوز السعر لما فاق الضعف. ولتجاوز هذه الحالة، لا بد من توفير غطاء دولاري يغطي الفجوة، والعمل على تعظيم العائدات الدولارية من التصدير والسياحة والمصادر الأخرى الإنتاجية والخدمية، وتحفيز تحويلات العاملين في الخارج، مع تجاوز الأسباب التي خفضت عائدات قناة السويس. والبعض يرى أن الحل في تحرير سعر الدولار بسعر يوازي سعر الأسواق الموازية، ليتم سحب مليارات الدولار منها، ومع الوقت سينخفض سعر الصرف تدريجيا. حتما هناك اختلاف في الرؤى بين طريقتي الحل، وقد يكون الحل الثاني بالتحرير وجمع السيولة الدولارية، باعتباره الحل الأسرع. ويبقى السؤال عما تفكر به الحكومة، وما تبحثه في مناقشتها مع صندوق النقد الدولي. المهم حلول تدعم المواطن.
غزة لا تموت
من يشاهد الدمار الكارثي الذي لحق قطاع غزة، لا يعتقد إطلاقا أنه يمكن أن يستأنف الحياة، لكن أهله كما ترى جيهان فوزي في “الوطن” لم يفقدوا الأمل، ولم تثن عزيمة الصمود من العودة إلى منازلهم المدمرة، رغم الألم وخسارة الفقد في الأرواح والعتاد، وكل المقومات القابلة للحياة والاستمرار، الجوع والمرض ينهش أجسادهم الهزيلة، التي أنهكتها الحرب لكنهم مصممون على رفض النزوح والتهجير. ومع بوادر صفقة وشيكة لتبادل الأسرى، بدأت ملامحها تلوح في الأفق، رغم التكتم الإسرائيلي، ونفي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لاعتبارات شخصية ستهز عرش وجوده على رأس السلطة، فضلا عن إرضاء اليمين المتطرف الذي يريد استمرار الحرب، فإن الرتوش الأخيرة من تفاصيل الصفقة في انتظار رد حركة حماس، وبطبيعة الحال فإن هذه الصفقة يشملها بالتبعية وقف لإطلاق النار، بفعل الضغوط الأمريكية، فقد أيقنت الولايات المتحدة والدول الداعمة لاسرائيل أن الحرب فشلت في تحقيق أهدافها، بعد مرور 120 يوما عليها، لم تنجح فيها إسرائيل إلا في قتل المدنيين وارتكاب آلاف المجازر، وهدم البيوت وتدمير معالم الأحياء والمدن بالكامل، في محاولة يائسة لتهجير السكان التي أخفقت في تنفيذها. وبدا واضحا أن الوقت قد حان لاتخاذ موقف جدي وملزم من الصراع القائم لإنهاء الاحتلال، ولأول مرة يصرح مسؤول أمريكي بحجم الرئيس جو بايدن بوجوب حل القضية الفلسطينية، والإقرار بحل الدولتين، متزامنا مع تصريحات لرئيس الوزراء البريطاني ريشى سوناك تصب في الاتجاه نفسه، الأمر الذي لم يحدث من قبل.
ثمن باهظ
ما يمكن استنتاجه من المصادر السياسية والإعلامية الأمريكية والإسرائيلية والقطرية، أنه تم التوافق على الإطار العام للصفقة المقترحة، الذي يشتمل كما قالت جيهان فوزي على ثلاث مراحل، تبدأ بهدنة ثم انسحاب وأخيرا وقف نهائي لإطلاق النار، وعلى مدى هذه المراحل، يتم تبادل الأسرى والمحتجزين، ووضع خطوط تشكيل ملامح مرحلة ما بعد الحرب، من حيث المساعدات وإعادة الإعمار، وفك الحصار، والشروع في تحديد الأفق السياسي لمستقبل الشعب الفلسطيني، بما يمكنه من إنهاء الاحتلال وبناء دولته المستقلة. قد يبدو هذا التصور فيه قدر كبير من التفاؤل، مقابل الواقع اليومي الدامي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني في غزة والضفة والقدس، على حد سواء، لكن وصول الحرب إلى النقطة التي انتهت إليها الآن، لا تترك مساحة لبناء رأي يستند إلى إحساس شخصي بالتفاؤل أو التشاؤم، وإذا كان هذا ممكنا في المراحل الأولى من الحرب، فإنه الآن أصبح غير ذي قيمة، باعتبار أن وقائع الحرب فرضت نفسها، وحددت ما يليها بالحقائق التي أفضت إليها. نقرأ خريطة الوضع الحالي بصورة شديدة الوضوح، فقد انسحب جيش الاحتلال الإسرائيلي من شمال غزة بالكامل، دون تحقيق ما حدده لنفسه من أهداف، وتنقل كل القنوات الإخبارية العالمية من غزة مشاهد العودة الصريحة لمقاتلي حماس إلى مواقعهم وسيطرتهم المدنية على الشمال، وحدث الأمر نفسه في مدينة غزة وضواحيها، ثم تكرر الأمر نفسه في المنطقة الوسطى التي شهدت انسحابا كاملا لجيش الاحتلال، باستثناء منطقة محدودة في الجانب الغربي منها، أما في خان يونس جنوب غزة، فتزداد المعركة شراسة، خاصة بعد أن أجبرت المقاومة القوات الإسرائيلية على الانسحاب من محيط مستشفى الأمل. وطالما أن جيش الاحتلال لم يحقق أيا من أهدافه في الشمال وغزة والوسط، فمن غير المرجح على الإطلاق أن يحقق نتائج مغايرة في خانيونس، وسيجبر على الانسحاب. إن البيئة السياسية الإسرائيلية المتلهفة على الانقضاض على نتنياهو، تمنعه من اتخاذ موقف صريح بشأن النتائج الحقيقية للحرب، وليس أمامه من خيار سوى الانسحاب الفعلي من مدن القطاع مع استمرار حالة الاشتباك عن بعد كوسيلة لابتزاز المقاومة، وإرغامها على قبول صفقة. لقد وصلت إسرائيل إلى نقطة لا يمكنها فيها اتخاذ أي قرار مهما كانت طبيعته لأن الثمن سيكون باهظا.
أهدافها مستحيلة
بعد مرور أربعة أشهر في خضم كل هذا الانكشاف والعجز الإسرائيلي تتزايد الضغوط الدولية على تل أبيب يوما بعد آخر، كما أخبرنا الدكتور أحمد عبد ربه في “الشروق” فدول الاتحاد الأوروبي، فضلا عن الولايات المتحدة أصبحت تدفع فاتورة الحرب الإسرائيلية، سواء تلك الاقتصادية، أو السياسية، فضلا عن فواتير أخرى أخلاقية وقانونية، أصبحت تهدد الاستقرار في الغرب بشكل غير خافٍ على أحد، وتتزايد الأصوات داخل الغرب يوما بعد الآخر متململة من اضطرار هذه الدول دفع كل هذه الأثمان من أجل الدولة العبرية. بعد مرور مئة يوم على هذه الحرب المسعورة، أصبح من الواضح أن قدرة إسرائيل العسكرية تستطيع التدمير العشوائي، والانتقام الممنهج، لكنها لا تستطيع تحقيق الأهداف السياسية أو العسكرية، فضلا عن أنها لا تستطيع توفير الأمن لمواطنيها ومواطناتها بعبارة أخرى، برهنت هذه الحرب وفق ما أشار إليه مدير برنامج التعاون الدبلوماسي الأمريكي الياباني، وأستاذ مساعد العلاقات الدولية في جامعة دنفر، إلى أن إسرائيل تستطيع القتل لا الردع، تستطيع الانتقام لا توفير الأمن، تستطيع أن تمارس القوة، دون تحقيق الاستقرار، انكشف كل هذا في دولة واحدة من أكبر كوابيسها أن تفقد الهيبة والأمن والقدرة على الردع بعد مئة يوم من الحرب على غزة، تعرت إسرائيل أمام مواطنيها ومواطناتها وأمام العالم، كما لم تتعرَ من قبل.
لا ثالث لهما
تفصح رسالة نتنياهو الأخيرة على موقع أكس، التي تدبرها معتمر أمين في “الشروق” عن سياسة اليمين الحاكم في إسرائيل، الذي يريد تهجير الفلسطينيين والفلسطينيات من أرضهم، والاستيلاء على كامل أرض فلسطين من نهر الأردن وحتى البحر المتوسط، لتصبح أرضا خالصة لدولة إسرائيل. المدهش في هذا الطرح أنه يطابق رؤية المقاومة الفلسطينية التي تريد إنشاء دولة فلسطين على كامل أرض فلسطين، وتزخر أدبياتهم بمقولة «من النهر إلى البحر» التي يرددها قادة حماس، والجهاد، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وغيرها من فصائل المقاومة. ونفهم من هذا التطابق في موقف الطرفين أننا أمام مشهد يديره طرفان يؤمنان بالمعادلة الصفرية. ولو وضعنا الموقف السياسي جانبا، وتصورنا أننا أمام مشكلة أرض يتنازع عليها طرفان، فإن الحلول قد تنحصر في حلين، أولهما استيلاء أحد الطرفين عنوة على الأرض، مع إقصاء أو إخضاع الطرف الآخر، وثانيهما الوصول لاتفاق من أجل اقتسام الأرض بطريقة ما بالتراضي بين الطرفين أو عن طريق الضغوط أو حتى الإجبار. وعلى مدار 75 سنة، هي عمر دولة إسرائيل، لم تقدم الأخيرة حلا دبلوماسيا أو سياسيا، أو مبادرة سلام لاقتسام الأرض، ولم تحدد حدودها بالدستور، وإنما بقوة الدبابات، فآخر حدودها هي ما تصل إليه قوتها العسكرية وتستطيع حمايته. أما على الجانب العربي، فقد انحاز أولا إلى الحل الأول لمدة ربع قرن منذ نشأة إسرائيل عام 1948 وحتى حرب عام 1973، ثم تحول إلى الحل الثاني لقرابة نصف قرن، بدءا من اتفاقية كامب ديفيد عام 1978 وحتى الآن، أخذا بالاعتبار وجود استثناءات في الموقف العربي، سواء وقت الحرب أو وقت السلام. معنى ذلك أن الموقف العربي تحول من المواجهة إلى السلام، ولكن إسرائيل لم تتحول، بل حافظت على تصورها في السيطرة على المنطقة من النهر إلى البحر، وعندما تسارعت خطوات ما كان يطلق عليه في الماضي «عملية السلام» وأقدم رئيس وزراء إسرائيلي للتنازل عن جزء من الأرض للطرف الفلسطيني، تم اغتياله وسط تل أبيب عام 1995، على يد متطرف صهيوني، من المعسكر نفسه الذي يحكم إسرائيل الآن.
مسألة مستعصية
لو انحصرت المسألة في اقتسام الأرض، لما امتد الصراع طيلة عمر دولة إسرائيل، ولأمكن وفق رأي معتمر أمين التوصل إلى تفاهم في وقت ما. ولكن الأرض تعتبر جزءا من المشكلة الأوسع التي تمس العقيدة، ولذلك التغلب عليها سياسيا مسألة مستعصية عبر الزمن. وحتى لو تحولت الدول العربية إلى استراتيجية السلام للتوصل إلى تفاهم لحل القضية، فإن السياسات الإسرائيلية ماضية بلا هوادة في الحل الأول، بغض النظر عن انتقال الدول العربية للحل الثاني. وأفصح رئيس الوزراء الإسرائيلي في خطاب إلى شعبه يوم 20 أكتوبر/تشرين الأول 2023 عن هذا المكنون عندما استدعى فقرات من الكتاب المقدس، من سفر أشعياء وأسقط معانيها على الشعب الفلسطيني، لاسيما أهل غزة الذي شبههم بالعماليق، في وصف المشهد الحالي طبقا لرؤية اليمين الإسرائيلي، «نحن أبناء النور فيما هم أبناء الظلام، وسوف ينتصر النور على الظلام وسوف نحقق نبوءة أشعياء، لن تسمعوا بعد الآن عن الخراب في أرضكم، وسنكون سببا في تكريم شعبكم وسنقاتل معا وسنحقق النصر»، ثم انتقل إلى الحل واستدعى من سفر صموئيل الأول «اذهب وحارب عماليق، اقض عليهم قضاء تاما، هم وكل ما لهم، لا تشفق عليهم، اقتل جميع الرِجال والنساء والأطفال والرضع، واقتل ثيرانهم وغنمهم وجمالهم وحميرهم، وحاربهم حتى يَفنوا». وهو الأمر الذي نفذه جيش الاحتلال الإسرائيلي حرفيا في غزة، وتسبب في جرجرة إسرائيل إلى محكمة العدل الدولية بتهمة الإبادة الجماعية، وأصبح عليها لأول مرة الوقوف للدفاع عن سياساتها التي تعرت أمام العالم.
المؤيدون والمعارضون
اقتراح الدكتور عبدالسند يمامة رئيس حزب الوفد بتخصيص 20% من دخل المصريين في الخارج، للتحويل في البنوك الوطنية، لاقى ردود فعل متباينة بين معارض ومؤيد له، حسب رأي الدكتور وجدي زين الدين في “الوفد”، الأصوات المعارضة لا ترى الجانب المؤلم في ما تتعرض له البلاد.. والجانب المؤيد يرى أن هذا واجب وطني للوقوف إلى جوار الدولة في أزمتها ومحنتها، لأن الخراب -لا قدر الله – سيطول الجميع بلا استثناء إذا وقع.. أما الجانب الرافض وهم قلة فيرون الأمور بعيون أخرى، لكن المؤلم أن نجد بعض الإعلاميين المفروض فيهم أن يوجهوا الرأي العام إلى ما يخدم الوطن، راحوا يغردون في طريق معاكس، وهنا يثور السؤال ماذا تريدون من هذا الاتجاه.. هل فعلا تخافون على المصلحة الوطنية أم غير ذلك؟ ولنضرب مثلا بالإعلامى عمرو أديب، الذي يعمل في فضائية سعودية، وانهال مؤخرا سبا وقذفا في حق الوفد ورئيسه، وإنني أوجه له سؤالا مهما، هل ولاؤك أولا لمصر؟ أم للدولة التي تعمل في فضائيتها؟ أنت رجل تحمل جنسيتين المصرية والسعودية، الولاء لمن، للوطن الذي تربيت فيه أم للدولة التي تعمل فيها؟ وطبعا لن أجيب عن السؤال لأن الإجابة معروفة لكل العاملين في الوسط الإعلامي، وأنت شخصيا تتباهى بالولاء لغير مصر، وبالتالي فإن حديثك مشوب بالعوار ولا يقبل به أي عاقل. كذلك يجب أن تراجع نفسك ألف مرة، فمصر أهم منك ومن على شاكلتك..
فاكر يا عمرو
واصل الدكتور وجدي زين الدين هجومه على عمر أديب: “الوفد” الذي تنهال عليه سبا وقذفا، هو الذي استقبلك محررا في بداية حياتك الصحافية ولم تمكث فيه سوى أيام معدودات، ويرحم الله الأستاذ الكبير عباس الطرابيلي رئيس تحرير “الوفد” الأسبق، الذي وصفك بأنك لا تصلح صحافيا من الأساس، وكنت أتمنى أن تناقش اقتراح رئيس الوفد بحيادية، بعيدا عن التشويه والنيل من الحزب العريق لأغراض شخصية. والغرض هو أنك ستكون أول المتضررين من الاقتراح إذا وافقت عليه الحكومة المصرية، ثم ألا تعلم أن مصر التي تواجه التحديات الكبرى حاليا، تحتاج من الجميع بلا استثناء أن يقفوا إلى جوار دولتهم، بدلا من تحويل أموالهم إلى الخارج يستفيد منها، على حساب بلدهم، ولا أحد ينكر على الإطلاق أن الملكية الخاصة مصونة بالدستور، ولا أحد يستطيع الاقتراب منها، والاقتراح لا يعني أبدا المصادرة أو التأميم أو ما شابه ذلك من أمور هي من وحي خيال الذين لا يريدون الوقوف إلى جوار وطنهم في محنته. ثم هل الاقتراح يعني مثلا مصادرة العشرين في المئة من أموالهم، بالطبع لا إنما كل المطلوب هو تحويلها إلى البنوك الوطنية باسمهم، وبالتالي هي مصونة ولا يتم ضخها في السوق السوداء، لأن من مصلحة الوطن والمواطن أن يتساوى سعر الدولار في السوق الرسمي وغير الرسمي. إن اقتراح التحويل، كما قلت آنفا، ليس مصادرة أموال العاملين في الخارج ولا تأميمها ولا خلافها من هذه المصطلحات، إنما هو تحويل عن طريق البنوك الوطنية، وهذا واجب وطني يغيب تماما عن فكر عمرو أديب، الذي يتغنى على الأزمات المصرية، لصالح أطراف أخرى كل همها النيل من مصر.. وليعلم أديب، أن مصر التي تواجه تحديات كبيرة وخطيرة، تخوض حربا من أجل الأمن والاستقرار، وهذا التمويل القليل من أموال المصريين في الخارج لن يضرهم في شيء، لكنه يحفظ لهذا البلد العظيم استقراره، ولتعلم يا أديب أن قانون الجنسية، في عدد كثير من الدول يمنع فكرة الازدواجية بين الجنسيتين، لكن مصر التي سمحت لك بالحصول على جنسية أخرى، لم تسقط عنك جنسيتها والمفروض أن تحفظ لها هذا الجميل، وتساعدها في محنتها.
عزيز المنال
فى عام 2008 الناس كانت تصلي الفجر، وتقف في طابور “العيش”، من أجل أن تحصل كل أسرة على احتياجاتها، بسبب أزمة طاحنة في الخبز، وقتها تعاملت الحكومة مع الأزمة، وتمت معالجتها سريعا.. تذكر الدكتور صلاح الدين عبدالله في “الوفد” المشهد نفسه، في رحلة البحث عن «كيس سكر»، لكن في المرة الأولى رغم الأزمة كان «رغيف العيش» متوافرا، إلا أنه مع «كيس السكر» فص ملح وداب، لا أثر له. خلال جولة البحث عن «سكر» كان يدور في ذهني أنه متوافر في كل المنافذ، سواء التي تتعلق بالحكومة، أو بأي «سوبر ماركت»، هذه الثقة التي انتابتني مستندة إلى تصريحات، وكلام وزارة التموين، أن سلعة «السكر» في كل مكان، و«الخير كتير وبزيادة». رحلة شاقة ومريرة قضيتها يوما كاملا بين مدينة أكتوبر والشيخ زايد، ووسط البلد في القاهرة، للفوز والحصول على «سكر»… بدأت الرحلة في إحدى سلاسل السوبر ماركت الكبرى، وبسؤال هذه المحلات عن مدى العثور على ضالتي كانت الإجابة «مصمصة الشفاه»، و«هز الرأس» في إشارة إلى عدم وجود حتى «فتفوتة سكر».. كيف تكون الأزمة بعدم توافر «سكر»، في حين أن المقاهي والكافيهات التي يصل عددها في كل زقاق وحارة في كل منطقة في الجيزة كانت أو القاهرة «تعج» بكميات السكر، في الوقت نفسه لا يجد المواطن العادي ولا «حبة سكر».. كدت أفقد عقلي من صراع الأسئلة فإذا كان السوق يعاني من عدم توافر السكر من أين تأتي هذه المقاهى بكميات السكر. لا أعلم أي رقابة تطبقها وزارة التموين على المحلات، والسوبر ماركت، والأمر في المقاهى «سداح مداح».. حقا «مسكين» المواطن المطرود من جنة وزارة التموين، ولا يمتلك بطاقة تموين، فليس لديه حق في الحصول على «كيس سكر» حتى من الجمعية الاستهلاكية، كونه مطالبا ببطاقة تموين، يقدمها للحصول على سكر، فما الذنب الذي اقترفه المواطن حتى يحرم من السكر، وأين كلام وزارة التموين المعسول أن الإنتاج الجديد من السكر كاف، إلى متى تواصل الوزارة خداعها على المصريين؟
المنطقة قابلة للانفجار
فى مقال بعنوان (فن الحُكم) نشرته مجلة “فورين أفيرز” الصادرة عن مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية، كتب ويليام بيرنز مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) كلاما خطيرا وصريحا كان لا بد من التوقف أمامه، وهي المهمة التي انتبه لها بلال الدوي في “الوطن”: قال ويليام في المقال المنشور مؤخرا نصا: مُنذ (4) عقود وأنا أعمل في ملفات الشرق الأوسط، ولم أر من قبل الأوضاع بهذا التعقيد والقابلة للانفجار مثلما أرى اليوم. والسؤال الأول: هل بالفعل الأوضاع في الشرق الأوسط قابلة للانفجار؟ كل المؤشرات التي نراها، وكل التداعيات التي نُشاهدها، وكل الشد والجذب الذي يحدث بين أطراف عديدة يؤكد، بما لا يدع مجالا للشك، أن هناك تصعيدا شديدا مقبلا للأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، لكن وللإنصاف، علينا القول بأن هذا التصعيد مُتعَمد بنسبة (100%)، تصعيد له أهداف كثيرة ومآلات عديدة، تصعيد مُخطط له بعناية ومُتفق عليه بين أطرافا عِدة. والسؤال الثاني: هل كل هذه التعقيدات، التي تحدث عنها ويليام بيرنز ستجُر المنطقة لمزيد من المواجهات؟ نعم.. فهذه التعقيدات فيها خيوط كثيرة وأهداف مُتضاربة تسير عكس بعضها بعضا، فمثلا إيران شَكَلت ما سمته بـ”محور المقاومة” وبوجد هذا المحور في (5) دِول مُتباعدة في المنطقة هي (العراق ـ سوريا ـ لبنان ـ اليمن ـ فلسطين)، وفي كل دولة من الدِول الخمس، توجد مجموعات تُنسق رسميا مع إيران، يرى بعض الخبراء الاستراتيجيين الأمريكيين، الموجودين في المراكز البحثية، وتحديدا المُتخصصين في شؤون الشرق الأوسط بأن “محور المقاومة” الذي تُسيطر عليه إيران يُحيط إسرائيل وأصبح بمثابة (كوردون) عليها.. في الوقت نفسه، فإن تصاعد هذه المواجهات تؤثر على مصالح دول أخرى ومنها: مصر والسعودية.
إشغال أم إشعال؟
يبدو والكلام لبلال الدوي، أن هناك صداما مقبلا ومحتملا ومُحتما بين إيران وإسرائيل، لكن حسن نصرالله أمين عام حزب الله اللبناني المدعوم من إيران، قال نصا: نحن جبهة إشغال ولسنا جبهة إشعال.. بمعنى أنه يمثل جبهة لإشغال إسرائيل وليس لإشعال الموقف معها ولن يصل الأمر بينهما إلى التصعيد المباشر مثلما حدث في عام 2008. دائما كانت منطقة الشرق الأوسط محط أنظار العالم كله، لكن الآن أصبح العالم كله يضع يده على قلبه من زيادة حدة الصراع في المنطقة، حيث توجد فيها الثروة والبترول والغاز، وإسرائيل التي تعمل أمريكا على الحفاظ على أمنها والتعهُد بتوفير كل مقومات القوة والتفوق العسكري لها، ويوجد أيضا الممر الملاحي الأهم عالميا وهو قناة السويس، وتوجد أيضا قواعد عسكرية في مضيق باب المندب وعددها (19) قاعدة عسكرية.. كل هذا الزخم في منطقة الشرق الأوسط جعلها المنطقة الأكثر تعقيدا في العالم. حسبما يقول سون إتزو الجنرال العسكري الصيني ذائع الصيت، والمعروف عنه عبقريته العسكرية في كتابه الشهير بعنوان “فن الحرب” نصا: يجب أن يكون تحريك الجنود مُطابقا لفن الخداع الحربي، وإن كانت القوة أقل من العدو فيجب أن تكون قادرا على الدفاع عن نفسك، وإن كانت الظروف غير مواتية من النواحي كافة فليس أمامك سوى مراوغة العدو.. إذن ما يحدث الآن عبارة عن (مُراوغات) مطلوبة ومشروعة، وعادة ما تأتي قبل المواجهات.
محكمة العدل الدولية
كما يحدث في المحاكم والكلام للدكتور عبد المنعم سعيد في “الأهرام”، فإن محكمة العدل الدولية لا تصدر حكما وهي في الجلسة الأولى التي يقيم فيها المدعي ادعاءه، ويقوم المدعى عليه بالدفاع عن نفسه. في العادة ما يصدر هو قرار بقبول الدعوى من عدمه، فقد لا يكون هناك اختصاص للمحكمة، أو أن ما يقدمه «المدعي» ليس كافيا للإقناع بوقوع الجريمة. وعندما يكون الأمر متعلقا بالإبادة الجماعية، فإن الأمر يحتاج التحري والتحقق من جدية الدعوى؛ وفي حالات الحرب فإن الخصومة تدفع الأطراف عادة لما ترى أن الحق واضح، بما هو آت على أجهزة الإعلام. المدهش هو أن الجانبين العربي والإسرائيلي وجدا في القرار ما يخل بالعدالة، وانتقد الأول القرار لأنه لم يطلب الوقف الفوري لإطلاق النار؛ وانتقد الثاني المحكمة لأنه لم يقر بحق إسرائيل بالدفاع عن النفس، بعد هجوم حماس على غلاف غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي. الأول رأى أن أرقام الضحايا في غزة كانت كافية لقرار يمنع ذلك؛ والثاني شن هجوما على المحكمة باعتبارها امتدادا لأجهزة الأمم المتحدة التي تتحيز ضد إسرائيل، وصعود «معاداة السامية» في العالم. ما طرحته إسرائيل في دعايتها كان خارج الموضوع، خاصة مع محاولتها احتكار «السامية» التي هي عرق تاريخي يعود لسلالة «سام» ابن النبي نوح عليه السلام. من ناحية أخرى فإن طلب وقف إطلاق النار كان يعني تدخلا في عملية سياسية وتاريخية تقع في صميم النزاع، حتى لو كانت المحكمة تشاهد العمليات البربرية الإسرائيلية رأي العين. ولكن ما ذكره القرار، وكان في الصالح الفلسطيني فهو قبول الدعوى ذاتها أي فتح الباب للجانب الفلسطيني والعربي، لطرح القضية الفلسطينية في جوهرها التاريخي، الذي لم يبدأ في 7 أكتوبر/تشرين الأول، ولا منذ تولت حماس استلاب القرار الفلسطيني. الإجراءات الاحترازية من جانب آخر بات لها سقف زمني ترد فيه إسرائيل خلال 30 يوما على التزامها بالقرار. الخلاصة كانت مكسبا فلسطينيا وعربيا مهماً، خاصة إذا ما أحسنت متابعته.