حاوره: نضال القاسم
محمد صابر عبيد، أحد النقاد العرب المرموقين، رجل علم وعمل، حاورته «القدس العربي» في قضايا النقد وفي شؤون الأدباء والإنتاج الأدبي المعاصر، للتعرّف على طبيعة الدور المهم الذي يمارسه النقاد وعلى مواقعهم في حياتنا الأدبية.
■ كيف تواجه نصًا أدبيًا؟
□ قراءةُ النصّ هي مواجهةٌ سجاليّةٌ ضارية لكنّها مكتظّة بالمتعة والحبّ والكرّ والفرّ، مواجهةٌ أستحضرُ فيها ما أملكُ من طاقة وحساسيّة ومعرفة وخبرة وحيلة، وقسوة حين يقتضي الأمر ذلك.
ثمّة قراءة أولى للنصّ، هي أهمّ القراءات وأخطرها، أضعُ الخطوط العريضة فيها وأسجّلُ انطباعاتي الأولى في حقل أسمّيه حقلَ الملاحظة، واستعينُ بما أجنيه في حقل الملاحظة لقراءة ثانية أقفُ فيها عند كلّ دالّ، أتلمّسُ فيه ما يعطيه مباشرة وما يخفيه في طيّاته، وأبدأُ بالحفر داخله بعفويّة مقصودة، ثمّ بقصديّة متحدّية في ما بعد.
فإذا كنتُ في القراءة الأولى هي قراءة المتعة المفتوحة أعوّل على ذائقتي المدرّبة المثقّفة، فإنّني في القراءة الثانية أحوّل العمل من حريّة الذائقة إلى اقتصاد المختبر النقديّ ومهنيته وهدوئه العمليّ، لذا يبدأ المنهج باستثمار آليّاته وأدواته في تحليل الدوال وتفكيك ميكانيزماتها والكشف عن طبقاتها الجماليّة الخفيّة.
وبما أنني شكّاكٌ كبيرٌ فإنّ سوء النيّة التأويليّ الذي يستعمر عقلي النقديّ يأخذني إلى قراءة ثالثة ورابعة، وربّما خامسة حتى أصل إلى طمأنينة كاملة يموت فيها الجزء الأعظم من الشكّ، فأخرج بملاحظات إضافيّة كنت سأخسرها لو أنني اكتفيت بالاستسلام الظاهر للنصّ، وعندها أبدأ بالتوغل في متعة الكتابة النقديّة.
للكتابة النقديّة عندي سحر خاصّ لا يُقاوم، أنتمي إلى ذاتي وكتابتي على نحو صوفيّ خاصّ، أكتبُ فقرةً فقرةً، أعيدُ قراءةَ كلّ فقرة أكثر من مرّة كمن يحتفل ويرقص ويغنّي ويؤسّس. أهتمّ كثيراً بنوعية الصياغة التعبيريّة داخل هندسة نصيّة نقديّة يجب أن تنتهي إلى معمار نصّيّ يرقى إلى مستوى إعجابي وطمأنينتي. وبعد أن يؤول نصّيّ النقديّ إلى نهاياته ويشرف على الإقفال أعود إليه لأقرأه بعمق وتروّ، مع حرصي الشديد على أن أرى نصّيّ النقديّ وهو يرفل بتماسك نادر.
■ يغلب على نقدك الجانب التطبيقي المعني بجماليات النص الأدبي، في حين يتجه أغلب النقاد العرب إلى الجانب النظري المعني بدراسة الظواهر الإبداعية العامة، بم تفسّر ذلك؟
□ أنا ناقد، والنقدُ إجراءٌ بالدرجة الأساس، أمّا النظرية فهي أولاً شغل الفيلسوف والمفكّر وعالم النفس وعالم الاجتماع. وثانياً كلّ الجهد النظريّ الذي نسبح نحن الآن على ضفافه هو من إنتاج عقل الآخر وليس عقلنا، وبالتأكيد لا بأس في ذلك، فالعلم والمعرفة والإبداع هو للعالم أجمع، لكننا الآن في ما يخصّ النظرية النقديّة ومناهجها نحن مازلنا عالةً على عقل الآخر، نتلقّى نظرياته ونتبارى نظرياً على تخومها وهوامشها ونادراً جداً ما نضيف لها شيئاً، فلماذا هذا التصدّي لأمر لا نستطيع أن نضيف له شيئاً؟
لذا فأنا أتلقّى النظرية الغربيّة في النقد وأحاول أن أفيد منها في تطوير عمليّ النقديّ الإجرائيّ، وهو جوهر العملية النقدية وميدانها الفعليّ، ولست مضطراً لأن أضيّع وقتي في إعادة إنتاج ما أُنتج.
■ لماذا لم يدخل الإبداع العربي في أجواء المغامرة والانطلاق؟ وإن كان في أزمة فما ملامحها؟
□ الأدب العربيّ الحديث دخل أجواء المغامرة والانطلاق فعلاً، وأذكّرك بكتابي الموسوم بـ»المغامرة الجماليّة للنصّ الأدبيّ/ دراسة موسوعيّة» الذي صدر عن قسم النشر العربيّ/ «لونجمان» في القاهرة ومكتبة «لبنان ناشرون» في بيروت عام 2012، ويبحث في عناصر المغامرة وحساسياتها داخل هذه فنون كالشعر, والقصة والرواية والسير ذاتيّة في الأدب العربيّ الحديث.
وأرى أنّ الأزمات تسهم في تثمير الأدب وديمومته بطرح مزيد من الأسئلة الجديدة عليه، الأزمة مهما كان نوعها وحدودها تبقى عامل إثراء وتحفيز لمزيد من المغامرة, لكنّ صغار الأدباء الذين يعانون من مشاكل على صعيد الكتابة والتطوّر هم من يروّجون لفكرة الأزمات بمعناها السلبيّ المُعيق، هذه قضية أخرى في مقاربة موضوع الأزمة، فالأدب الحقيقيّ دائماً في أزمة للبحث عن روح التحديث والتجديد والمغايرة والاختلاف.
■ في ضوء ما يسعفك به منهجك النقدي، كيف ترى واقع القصيدة في العراق، وتحديداً قصائد الحساسية الشعرية الجديدة..؟
□ سبق لي أن قلت وربّما يغضب أصدقائي من الشعراء غير العراقيين أنّ: الشاعر العربيّ لا يُحسم إلاّ عراقياً، فالشعر العراقيّ دائماً في مقدّمة الشعر العربيّ، والشعريّة العراقية حاملة لواء الشعرية العربية إلى متاهات الجمال وجنونه وفراديسه وصعلكته. إذا ما تذكّرنا ثورة الحداثة الشعرية العربية نهاية أربعينيات القرن الماضي ومطلع خمسينياته، سنعرف أنّ الشعراء العراقيين كـ«السيّاب» و«الملائكة» و«البياتي» هم من حملوا لواء هذه الثورة، والشعراء الستينيون العراقيون من بعدهم مثّلوا حساسية جديدة في الشعرية العربية وأثروها، مثلما كان لكلّ جيل شعريّ عراقيّ بعد ذلك حساسيته وخصوصيته وفرسانه.
اليوم, واقع القصيدة في العراق كما هو ماضيه محتشدٌ بالشعر الثريّ الأصيل، حتى إن انحسر لأيّ سبب طارئ، ولا تغيب القصيدة العراقية إلاّ لتبزغ ثانية. وربّما كانت الظروف التي مرّ ويمرّ الشاعر العراقيّ بها في العقود الأخيرة من القسوة والشراسة ما يجعل تجربته الشعريّة أغنى وأكثر توهجاً، سواءً أكان داخل العراق حيث يكتوي بنيران المأساة بأدقّ تفاصيلها، أم خارج العراق حيث الغربة والتشرّد والحنين آفاتٌ تؤثر فيه.
■ هل ترون أن حركة النقد العربي (في باب الشعر) تواكب تطور القصيدة الحديثة؟
□ أعتقد أنّ النقد العربيّ الحديث قدّم الكثير من المنجزات وواكب تطوّر القصيدة الحديثة على أكثر من مستوى، بفضل كوكبة من النقّاد البارعين الذين استوعبوا الحراك الإبداعيّ المتميّز للقصيدة العربية منذ منتصف القرن الماضي حتى الآن. وربّما تكون المدوّنة النقديّة العربيّة قد استطاعت أن تجيب على أسئلة الشعرية العربية الحديثة بعمق ووعي ومسؤوليّة ورؤية بالغة الدقّة والتميّز. خاصّة أنّ القصيدة العربيّة الحديثة تمثّل قضية مركّبة ومتشّعبةً على مستوى البلدان والأجيال والأشكال والتجارب والحساسيات، وهي بحاجة إلى مجموعة نقدية متخصّصة وليس ناقداً فردياً، مشكلتنا الأساسية في تجربة النقد العربيّ الحديث أننا نفتقر إلى المجموعات النقدية التي يجب أن ترعاها مؤسسات أكاديمية وثقافية، تعمل وفق خطط ومشاريع كبيرة يكون بوسعها الإجابة على الأسئلة الكبرى، وثمّة قسم مهم من مشكلات الشعرية العربية الحديثة مازالت بانتظار مقاربتها والاشتغال عليها بوعي نقديّ متمّيز ومسؤول.
■ في حدود علاقتنا بالعالم غير العربي كيف نواجه الغزو الثقافي، وهل يمكن تحويله إلى فاعل ثقافي؟
□ لا يوجد غزو ثقافيّ على العالم العربيّ كما يتوهّم البعض، لكون هذا العالم في قبضة أمريكا والغرب تماماً فما الداعي لمصطلح (غزو)؟!، لقد تمّ الغزو منذ زمن بعيد وتحوّل إلى هيمنة مطلقة وانتهى الأمر. فكيف يمكننا أن نواجه ذلك ونحوّله كما تقول إلى فاعل ثقافيّ، ونحن مستلبون تماماً؟