الإصلاحات الفلسطينية… ضغوطات الخارج الحاضرة ومشاركة الداخل الغائبة

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

رام الله ـ «القدس العربي»: يكتب الصحافي الفلسطيني وليد بطراوي ومضات أسبوعية، عنون إحداها بـ«مرور الكرام» حيث قال: «سلسلة من الإصلاحات أعلنها رئيس الوزراء قبل عدة أيام تشمل تعيين محافظين وسفراء جدد، إقرار قانون الخدمة المدنية، معالجة رواتب وامتيازات وسن التقاعد، وإجراء تغييرات جوهرية في وزارة الصحة، مثل توفير تأمين صحي لجميع المواطنين، ومتابعة قضايا التحويلات، وغيرها من القضايا الجوهرية لما تسميه الحكومة «برنامج الإصلاح». لماذا مررنا على هذه الإصلاحات مرور الكرام، ولم يتناولها الإعلام ولا حتى المواطنون، لا مديحاً ولا انتقاداً، وكأنها لم تكن؟».

تبدو ملاحظة البطراوي دقيقة للغاية، ولهذا تفسيرات كثيرة يمكن الاجتهاد بها تحليلا وكشفا، وفي ذات السياق قدم ائتلاف أمان ورقة موقف حول «مطلب السلطة الفلسطينية المتجددة» حيث رأى «الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة» بإنه وسيلة لكسب الوقت في إطار إدارة الصراع وتأبيد الاحتلال.
حاولت ورقة «أمان» تقديم المطالب/ الضغوط الأمريكية في سياق تاريخي منذ عام 1994 وحتى اللحظة، ورأت في هذه الضغوط بمثابة «تكرر لسيناريوهات سابقة، لكنها اليوم تأتي بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023 وما تبعه من عدوان وإبادة جماعية يمارسها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، حيث قادت الولايات المتحدة الأمريكية طرح السلطة المتجددة لدمجها في إطار المقاربة الإقليمية، لتشمل ترتيبات انتقالية لإدارة قطاع غزة، وإعمار ما دمرّه العدوان في إطار مشاركة الدول العربية المُطبّعة وإسرائيل وتركيا والسلطة الفلسطينية بعد أن تصبح سلطة متجددة مقبولة إسرائيليا، وقادرة أمنيا، ومدعومة مالياً على إدارة قطاع غزة، وإتاحة الفرصة لمسيرة سياسية تفاوضية تؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية، تنفيذاً لحل الصراع وفقا لمبدأ حل الدولتين لاحقا، ودون الحديث عن إنهاء الاحتلال، الذي ينبغي أن يكون الخطوة الأولى لإنهاء الصراع».

مبادرات
الداخل والخارج

وميزت «أمان» في التسلسل التاريخي في ورقة الموقف التي طرحت قبل يومين بين مبادرات الإصلاح الداخلية التي كانت نابعة من حاجات فلسطينية حقيقية، ولم ترتبط بالعدوان الإسرائيلي، بل ارتبطت بالحاجة من أجل استكمال بناء مؤسسات الدولة وإنهاء الاحتلال، إلا أن سبب عدم إنجازها بالكامل كان لضعف الإرادة السياسية لتنفيذها، والمبادرات الخارجية التي هدفت إلى إخضاع السلطة الفلسطينية لمزيد من التهيئة والتكيف مع الشروط الإسرائيلية تحت مسمى استكمال البناء المؤسسي الإداري والأمني، بهدف طمأنة الإسرائيليين، وكسب الوقت بإلهاء الجانب الفلسطيني، وإشغاله في مراحل متتابعة، من دون أن يكون هناك إلزام فعلي بإنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان، ولجم المستوطنين، ووقف سياسات الاحتلال في التهويد في الضفة الغربية والقدس، ووقف شرعنة سياسات التمييز والفصل العنصري التي يمارسها الاحتلال ضد فلسطينيي الداخل، وفكرة تجديد وإصلاح السلطة التي تقودها الإدارة الأمريكية (كجزء من المقاربة الإقليمية) تأتي في نفس السياق، وتهدف بالأساس الى كسب مزيد من الوقت لإدارة الاحتلال الإسرائيلي، وتأجيل إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
ورأى ائتلاف أمان أن الأولوية القصوى الآن هي وقف حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني، وإطلاق حوار وطني شامل للإصلاح بعد إنهاء هذا العدوان. ودعا جميع القوى الفلسطينية إلى تبني برنامج إصلاح وطني شامل وتشاركي يشمل السلطة ومنظمة التحرير، ويستند إلى تداول السلطة بين الأجيال من خلال: إنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات العامة، وتفعيل استقلال القضاء، وحماية الحقوق والحريات المدنية، وتعزيز سيادة القانون والعدالة الاجتماعية، وإدارة الموارد والخدمات العامة وفق معايير عمل شفافة وجداول زمنية وموازنات محددة وفقا للأولويات الوطنية في إنهاء الاحتلال وتقرير المصير.
واستنادا إلى التجارب الفلسطينية المتعددة، في بلورة خطط الإصلاح خلال العقود الثلاثة الماضية، والتي لم يكتب لها النجاح الكامل في تحقيق أهدافها، بسبب عدم توفر الإرادة السياسية الحقيقية، وعدم إخضاع عملية إعداد وتنفيذ ومتابعة تنفيذ هذه الخطط لمجموعة من المرتكزات والمبادئ الواجب توفرها، وأساسها أن تهدف بشكل كامل إلى بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية العتيدة القادرة على إنهاء الاحتلال، وهو الأمر الذي يستوجب إطلاق حوار وطني.
ودعت «أمان» إلى ضرورة مشاركة كافة قطاعات الشعب الفلسطيني للاتفاق على خطة إصلاح تقوم على وتتصف بـ«الشمولية» و«توزيع الأدوار بين الشركاء بشكل تكاملي وتحديد مهام وصلاحيات كل منها وآليات مساءلته» و«توفير التمويل اللازم لتنفيذ الخطة، وجدول زمني محدد لكافة المهام، وخطة تشغيلية أو خطة تنفيذية» و«الاتفاق على الجهة المسؤولة عـن التنسيق بين الأطراف المشاركة في الخطة لتوحيد الجهود وتحديد المهام والمسؤوليات والصلاحيات المنوطة بتنفيذ الخطة ومتابعتها» و«تحديد معايير الرقابة والمتابعة والمساءلة والتقييم لتنفيذ الخطة وبشكل دوري».

غياب للجدية

الدكتور أحمد أبو الهيجا، وهو الباحث في علم الاجتماع السياسي والحركات الاجتماعية، يرى أن قواعد الإصلاح السياسي تخبرنا أنه في حال لم يكن نابعا من الداخل فإنه لا قيمة له، وما تم عرضه مؤخرا من خطة للإصلاح جاء ليوحي أنها خطة غير جادة ومباشرة بعد دعوة أمريكية للإصلاح في وقت مشبوه وهو ما يدفعنا لعدم قبولها.
ويرى أبو الهيجا في حديث لـ«القدس العربي» أن الدعوة الخارجية للإصلاح تترافق في ظل الحرب على قطاع غزة وهو ما يجعلها متساوقة معها وتهدف للحصول على موافقات معينة وفق المنظور الأمريكي وهو الأمر الذي يدفعنا للتخوف منه والتحذير من تبعاته.
ويشدد أبو الهيجا على أن جوهر المشروع الأمريكي الذي يتم الترتيب له يحمل عنوان الإجهاز على مشروع المقاومة في المنطقة، وبجانب ذلك التطبيع العربي مع الاحتلال الإسرائيلي وهو ما يجعلنا نطرح سؤال: ما ملامح خطة الإصلاح التي ستلبي المواصفات الأمريكية؟
ويرى أن التجربة مع الجانب الأمريكي تخبرنا أن ما يهم الأمريكيين في مشروع الإصلاح الفلسطيني هو الجانب الأمني، وثانيا القضايا المرتبطة بإدارة المال العام لتجنب ان يذهب بمسارات تضر بالاحتلال الإسرائيلي، وهو إصلاح يتعارض مع الإصلاح الفلسطيني المنشود المرتبط بالتنمية المستدامة والمرتبط بالخلاص من الاحتلال، وهو أمر لا يشكل أي أولوية لمشروع الإصلاح المفروض أمريكا.
ويتحدث أبو الهيجا عن جانب ثان مرتبط بالسلطة الفلسطينية والحكومة، «فنحن إزاء مشروع إصلاح ضمن رؤية مبهمة، غير واضحة، وكان يجب ان يطرح بشكل جاد للنقاش العام بندا ببند، وسياقا بسياق».
ولا يبدي أبو الهيجا أي تفاؤل على أحاديث الإصلاح الجديدة، ويقول: «هناك استحالة لتطبيق خطة الإصلاح المعلنة في هذه المرحلة، فهذا ليس زمانها وليس مكانها».
ويرى أنه قد تكون الخطط ممتازة على الورق، «حيث يمتاز الفلسطيني بقدرة عالية في وضع الخطط عبر خبراء مهنيين، لكن الإشكالية هنا في التطبيق والممارسات والتنفيذ، نحن إزاء مشروع لا خلاف عليه، لكنه يأتي في سياق مشبوه، كما أنه يطرح أسئلة عميقة حول قدرة الحكومة على تطبيقها ماليا وإداريا».
ويشدد أن الإصلاح الحقيقي مرتبط بالانتخابات التي يفترض أن تشمل انتخابات المجلس الوطني والمجلس التشريعي، والرئاسة، وعموم الهياكل التنظيمية من نقابات وأحزاب، «هذا هو المدخل الحقيقي».
ويستحضر أبو الهيجا مقولة للمفكر أنطونيو غرامشي ويعتبرها دستورا حيث يقول: «لا يمكن بناء الجديد بأدوات قديمة» وهي فكرة تشدد على أهمية تجديد الأدوات، وهو «ما يعني ضرورة تنحية جيل قديم وهو لا يحدث إلا عبر الانتخابات فقط».
ويؤكد أن من طرح خطة الإصلاح هو ذات المكان ومن نفس الدوائر التي تسببت بالأزمة الفلسطينية، «هؤلاء جزء من المشكلة، كيف يفترض أن يكون لديهم القدرة على طرح الحل وصياغته؟ الملاحظ تماما للجميع هو غياب التشاركية، إنها ذات عقلية الإقصاء التي تسيطر على المنظومة الفلسطينية وما زالت تتحكم بكل الأمور، فكيف يفترض أن تكون هي ذاتها مؤهلة لقيادة المرحلة المقبلة؟».
ولا يخفي أبو الهيجا وجود بعض الشخصيات التي تحمل نوايا تغيير إيجابي لكنها لا تشكل رقما في معادلة ومنظومة القوى الفلسطينية الداخلية، «كم قوة هؤلاء الأشخاص داخل مطبخ صناعة القرار الفلسطيني، هؤلاء في موقع المنفذ المستجيب وليسوا في موقع صناعة القرار».
ويختم حديثه قائلا: «في الحقيقة نحن لا نرى في بنية الخطاب الفلسطيني ما يوحي إننا ذاهبون إلى مرحلة إصلاحية، هناك غياب للجدية، ولا يوجد اعتراف حتى لو كان شكليا بالخطأ والعثرات، وبالتالي نحن إزاء تجربة أوسلو 2 بطريقة مختلفة وعلى شكل أكثر سوءا».

إجراءات مبعثرة

يصف المحلل السياسي والحقوقي جهاد حرب ما صرح به رئيس الحكومة الفلسطينية الأسبوع الماضي في بداية جلسة مجلس الوزراء من خطة إصلاح بإنها «إجراءات مبعثرة».
ويكمل حرب: «خطة إصلاح ينقصها التناغم والرؤية في مجالات متعددة من دون تحديد أطر زمنية، وهي لا تشي بقدرتها بشكل جدي على معالجة الاختلالات البنيوية في النظام السياسي، أو آثار الانقسام الفلسطيني، أو معالجة آثار العدوان، أو الأزمة المالية الخانقة التي تتعرض لها مؤسسات الدولة، أو معالجة حالات الفشل التي واجهت خطط، إجراءات الإصلاح التي تحدثت عنها الحكومة أو اتخذتها طوال سنواتها الخمس الفارطة، أو استعادة ثقة المواطنين في سلطة الحكم والنظام السياسي الحالي».
وأضاف: «هناك غياب للشفافية حول هذه الخطة، مع عودة الرباعية الأمنية، (اجتماع رؤساء أجهزة المخابرات لكل من السعودية ومصر والأردن وفلسطين) بعد زيارة وزير الخارجية الأمريكي بلينكن الرابعة، واجتماع السداسية العربية (اجتماع وزراء الخارجية لكل من السعودية وقطر والإمارات ومصر والأردن وفلسطين) بعد زيارة بلينكن الخامسة، وهو ما يجعلها تعيد إلى الأذهان ما جرى إثر خطة خريطة الطريق التي أدت إلى إصلاح مدفوع بمطالبات خارجية دون رؤية وطنية أو أخذ المشاركة المجتمعية بالاعتبار أو وزن فيها أي دون النظر للاحتياجات الداخلية بالمعنى الشمولي».
ويرى حرب أنَّ أيّ خطة للإصلاح الفلسطيني المزمع؛ تتطلع للنجاح والتطبيق وتمنع تكرار الفشل في عملية الإصلاح، تتطلب أن تكون ضمن رؤية واضحة، وخطة وطنية محكمة؛ تتضمن برنامجاً مدعماً بالإجراءات المحددة؛ وفقاً لآجال زمنية مضبوطة وتكليفات لجهات بعينها صاحبة الاختصاص في تنفيذ الإجراءات الإصلاحية والتصحيحية».
وختم: «هذا الأمر لا تقدر عليه سلطة الحكم مهما عظم شأنها أو حصلت على دعم خارجي؛ من دون مشاركة مجتمعية لتعزيز الملكية الشعبية القاضية بالدفاع عنها من الفئات المجتمعية المختلفة، ولضمان تحمل المواطنين الأعباء الناجمة عن عملية الإصلاح، أي شعورهم بعدالة توزيع الأعباء، ولمنع مقاومة الفئات والأشخاص المتضررين من الإصلاح خاصة أنهم في العادة من عليّة القوم المتنفذين في الحكم ومن الماسكين في زمام أصحاب القرار».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية