القاهرة ـ «القدس العربي» : على مدار اليومين الماضيين ظل الشغل الشاغل لمعظم الموظفين وأصحاب المعاشات، احتساب نسبة العلاوة التي سيحصلون عليها، بعد التوجيهات الرئاسية الأخيرة بشأن الزيادة، فيما خيمت الحسرة على ملايين العاملين في القطاع الخاص والعاطلين عن العمل بسبب عدم الانتفاع بالقرارات الأخيرة وما زال القلق كذلك يحتل أبرز الاهتمامات بشأن القضية الفلسطينية ومآلات الأحداث وتطورات الحرب. الإعلامي أسامة كمال قال ، إن إسرائيل لديها وهم أن مصر قلقة مما يحدث، وأن العالم سيقف في ظهرها خلال الهجوم على رفح الفلسطينية، مضيفا: “رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو ليس مسيطرا على نفسه، وأصبح واحدا من 100 ألف إسرائيلي يحتاجون لعلاج نفسي”. وأضاف، خلال تقديم برنامج “مساء دي إم سي”، المُذاع عبر شاشة “دي إم سي”، أن إسرائيل بلد يعيش في وهم أنه قضى على المقاومة الفلسطينية، وتبقى القليل في رفح، وهناك قلق من العملية العشوائية التي تقوم بها إسرائيل في رفح، مشيرا إلى أن الطريقة البلهاء للجيش الإسرائيلي في غزة، تشعره بالقلق على ضحايا العملية المرتقبة في رفح الفلسطينية.
وحذرت نقابة الصحافيين من بدء الكيان الصهيوني المحتل تنفيذ تهديده بالهجوم البري على رفح، وأوضحت أنه مع مطلع الشهر الخامس لحرب الإبادة، التي يمارسها الكيان الصهيونى ضد الشعب الفلسطيني في غزة، وعلى الرغم من الموقف المصري الواضح، والحاسم برفض التهجير القسري للشعب الفلسطيني إلى سيناء، واعتبار ذلك خطا أحمر، وهو الموقف الذي توافقت عليه كل فئات ومكونات الشعب المصري، إلا أن الكيان الصهيوني بقيادة المجرم نتنياهو، ما زال يسعى لتنفيذ مخططه، وقد بدأ بالفعل الإعلان عن الاستعداد لتنفيذ هجومه البري، واجتياح رفح بكل ما يمثله هذا التهديد من مخاطر على الأمن القومي المصري. وأعلنت النقابة رفضها شن عملية عسكرية ضد “أهلنا” في رفح الفلسطينية، مؤكدة أن التهديدات تكشف حجم التواطؤ الدولي في مواجهة الإجرام الصهيوني، وحرب الإبادة الجماعية، التي تُمارس ضد الشعب الفلسطيني، ومحاولاته لتصفية القضية الفلسطينية، وسط صمت دولي مطبق. كما أدانت النقابة موقف الرئيس الأمريكي الداعم للتهديدات الصهيونية، وتعتبره بمثابة ضوء أخضر لشن الهجوم وقتل المدنيين وإشعال المنطقة، لتضاف جريمة جديدة إلى سجل الجرائم الأمريكية، وجرائم بايدن في حق الشعب الفلسطيني، ومشاركة معلنة في حرب الإبادة.
وقالت الدكتورة هالة السعيد وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية، إن توقيع ملحق تمديد مذكرة التفاهم بين مصر والإمارات في مجال تطوير العمل الحكومي، يأتي في إطار العلاقات الثنائية الوثيقة بين مصر والإمارات. وأشارت إلى أن مذكرة التفاهم تعكس رغبة كلتا الحكومتين للاستمرار في مسيرة تعزيز وتطوير الإجراءات المشتركة التي تهدف إلى تقوية القدرات المؤسسية في عملية تحسين الحوكمة، من خلال الاستفادة المتبادلة في مجال تطوير العمل الحكومي وبناء القدرات والمهارات المؤسسية، وغيرها من المجالات ذات الصلة. وشهدت السعيد توقيع مذكرة التفاهم بين الطرفين في مجال تطوير العمل الحكومي، التي تم توقيعها للمرة الأولى في 2018. بحضور محمد عبد الله القرقاوي، وزير شؤون مجلس الوزراء في الإمارات..
وحول الأزمة الطاحنة التي يواجهها المصريون قالت الإعلامية لميس الحديدي، إن الأسعار تشهد ارتفاعا «خرافيا» وكشفت عن أن المواطن في الشارع يشعر بارتفاع الأسعار بشكل أكبر مما هو عليه في الأرقام الرسمية الصادرة من مؤسسات الدولة، بشأن تراجع معدلات التضخم. وأضافت، أن التضخم المتزايد يلتهم الزيادات في الرواتب قائلة: «مهما رفعنا من دخل الناس؛ لن يستطيعوا مواكبة هذا الارتفاع في الأسعار». وبرلمانيا: وافق مجلس النواب، على تقرير اللجنة المشتركة من لجنة القوى العاملة ومكاتب لجان الخطة والموازنة والدفاع والأمن القومي والشؤون الدينية والأوقاف، والتعليم والبحث العلمي، والشؤون الصحية عن مشروع قانون مقدم من الحكومة بتعديل بعض أحكام قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات الصادر بالقانون رقم 148 لسنة 2019، الذي يستهدف إقرار زيادة في المعاشات.
جريمة قتل مع سبق الإصرار
ليس معتادا أن تقوم الجيوش النظامية باستهداف الأطفال وقتلهم، حتى في ظل أشد الحروب بشاعة ودموية، فهو سلوك وفق ما يرى عمرو الشوبكي في “المصري اليوم” بعض الجماعات الإرهابية لأن معظمها لا يقدم متعمدا على هذا النوع من الجرائم. ومن هنا فإن جريمة الجيش الإسرائيلي في حق الطفلة الفلسطينية هند، هي جريمة قتل مع سبق الإصرار في حق أطفال تضع جنود الاحتلال في خانة مجرمي الحرب الأشد بشاعة في تاريخ الإنسانية. قوات الاحتلال تعمدت منذ اليوم الأول لهذه الحرب أن تستهدف المدنيين، واعتادت أن تقصف سيارات وبيوتا ومدارس ومستشفيات مدنية طوال الحرب، لكنها هذه المرة استهدفت سيارة مدنية صغيرة فيها أب وأم وأطفالهما، إلى جانب ابنة شقيقته هند رجب، (6 سنوات)، قتلوا على الفور كل أفراد الأسرة ما عدا طفلتين ظلتا لأيام على قيد الحياة. وقد قامت الطفلة الأولى ليان بتلقي اتصال هاتفي من الهلال الأحمر، الذي أرسل سيارة إسعاف في محاولة لإنقاذها، ولكن قوات الاحتلال قصفت سيارتهم، وقتلت على الفور المسعفين الاثنين، ولم يفرق معهم أنهما يستقلان سيارة إسعاف مدنية. ماتت ليان أولا، وبقيت هند على قيد الحياة عدة أيام، وهي محاطة بجثامين أسرتها دون أكل أو شرب حتى قُتلت برصاص جنود الاحتلال في مشهد إجرامي من الصعب مشاهدته في أي مكان في العالم إلا مع القوات الإسرائيلية.
محاصرة إسرائيل
المشكلة الحقيقية التي انتبه لها عمرو الشوبكي تكمن في إحساس قادة دولة الاحتلال أنهم فوق المحاسبة والقانون الدولي وأنهم سيفلتون من العقاب مهما كانت بشاعة جرائمهم، فرغم أن الهلال الأحمر الفلسطيني نسق مع منظمات دولية، وأن الأخيرة أخذت ضوءا أخضر من قوات الاحتلال بأن تذهب سيارة الإسعاف لإنقاذ الأطفال، بعد أن تأكدت من خلال الاتصالات الهاتفية أنهم أطفال، ومع ذلك قصفت سيارة الإسعاف وقتلت مَن فيها وأطلقت النار على الطفلتين وقتلتهما. وقد أعدم جنود الاحتلال أطفالا ميدانيّا بالرصاص الحي، وتركوا جثث 6 شهداء، منهم 5 من أسرة واحدة إلى جانب هند من العائلة، 12 يوما حتى تحللت. يجب ألّا تمر هذه الجريمة مرور الكرام على المجتمع الدولي، ويجب أن تصبح وثيقة إدانة جديدة في يد جنوب افريقيا، التي تحاول محاصرة إسرائيل في المحافل الدولية. إن الدعوى التي رفعتها جنوب افريقيا أمام محكمة العدل الدولية في 84 صفحة اتهمت فيها إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في حق الفلسطينيين بغرض «تدميرهم كمجموعة قومية وعنصرية وإثنية»، ما يشكل انتهاكا للاتفاقية المتعلقة بالإبادة الجماعية، وطالبت المحكمة «باتخاذ تدابير مؤقتة لحماية حقوق الفلسطينيين». هذه الحادثة يجب أن توثقها جنوب افريقيا، وتضيفها إلى سجل الاتهام الذي قدمته إلى محكمة العدل الدولية، كما يجب أن يتذكر العالم، الذي صدّعنا بمواثيق لحماية الطفولة، أن عليه واجب محاسبة مَن قتل الطفولة والبراءة ولا يزال فوق المحاسبة.
نفتقد شهامتهم
قرأ كارم يحيى في طفولته لتوفيق الحكيم عن “حماره”، فاكتشف الكاتب في “المشهد” بعد عقود أن الكاتب الراحل أنصف ذلك الحيوان من إساءة بعض البشر الذين اتهمهوه بالغباء. فالحمار حمال مشاق وقسوة، عنيد مثابر، وأيضا متواضع. تنتفخ بطنه ولا ينتفخ غرورا وبالعظمة والنفاق وشر المنافقين. فكيف نلوم على الحكيم استضافة حماره في فندق ليقيم معه؟ هذا الأسبوع، ذكرني مقال بعنوان “حمير غزة والأنظمة العربية” لحمزة البشتاوي في “الأخبار” اللبنانية بهم، وقد وصفهم بالشهامة وبالذكاء نصرة لفلسطين وأهلها الصامدين في غزة، ونبه إلى استهدافهم بدورهم بالقصف والاغتيالات. كما ذكرني برواية كتبها الأديب الفلسطيني يحيى يخلف بعنوان “تفاح المجانين” قرأتها في بداية الثمانينيات، عن كيف يتعلم الإنسان المستضعف المقهور التمرد والثورة، من جحش يأكل من ثمار نبات بري عجيب على حدود المخيم. لكن حمير غزة أصبحت تظهر أيضا على شاشات الفضائيات. تصنع المعجزات ولا أقول “الإنجازات”. ويسطرون صفحات بطولة بلا “طنطنة ولا شنشنة وإعلانات واستعلامات”، وكل لحظة وسط مجازر الإبادة الصهيونية وخرابها. أربعة أشهر مرت اليوم وأعداء الإنسان والإنسانية والحرية والثورات على الظلم والاستبداد والقهر والنهب والفقر ما زالوا يعيدون غزة إلى العصر الحجري، وما قبل الحضارة الحديثة. حسنا.. قل يا سفاح اليوم عن غزة وغدا عن كل غزة داخل فلسطين أو خارجها: “لا كهرباء ولا دواء ولا ماء ولا وقود”، وأيضا أضف ما شئت من ممنوعات البقاء على قيد الحياة. لا يهم ما دام معنا الحمير، وكل الطيبين المخلصين العنيدين الأقوياء. لا تنسوا حمير غزة في كتابة تاريخ هذه المنطقة، بل إنسوا الأنظمة والزعماء والقادة العظام جدا وإنجازاتهم “القومية العظمى” المدّعاة، ومعها سجونهم ومشانقهم وحساباتهم في بنوك الأعداء وشركات البزنس المموهة في الخارج ورجال أعمالهم وانتخاباتهم المزورة وصحفهم وشاشاتهم المنافقة الكاذبة في الداخل. وتذكروهم، وكل أرض لا تخلو من “تفاح المجانين”. شكرا لحمير غزة، التي لا يمدون لجلالتها وفخامتها وسموها ومعاليها البساط الأحمر ولا يعزفون لها الأناشيد الوطنية ولا تنام في الفنادق والقصور الحصينة الفاخرة، لم تخذلنا. أنتم من تستحقون تعظيم سلام.
أمريكا صاحبة القول الفصل
كان الأجدر بالرئيس الأمريكي بايدن أن يستشعر الحرج وأن يشعر بالذنب الإنساني ووخز الضمير، على حد رأي محمد بركات في “الأخبار” قبل أن ينطق بتصريحه منذ يومين، الذي قال فيه «إنه يعتقد أن إسرائيل قد بالغت في ردود أفعالها على أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول، خلال حربها على غزة». لأن هذا التصريح الذي يعتبر عمليات القتل والإبادة الجماعية، التي قامت وتقوم بها إسرائيل في غزة، مجرد مبالغة في رد الفعل، وتصريح لا إنساني، حيث إنه لا يقيم وزنا للحياة الإنسانية، بل يتجاهل عن عمد المذابح الوحشية التي ارتكبتها وترتكبها إسرائيل ضد الأطفال والنساء والشيوخ والمواطنين في غزة، التي راح ضحيتها حتى الآن ما يصل إلى تسعة وعشرين ألف شهيد، وما يزيد عن سبعين ألف مصاب، ويعتبرها مجرد مبالغة في رد الفعل. وفي ظل ذلك لا توجد مبالغة في القول على الإطلاق بأن الولايات المتحدة، وهي صاحبة القول الفصل في توقف أو استمرار العدوان الإسرائيلي الوحشي على الشعب الفلسطيني، قد تجاهلت دورها الإنساني عن قصد وعمد بانحيازها الكامل لإسرائيل، وأصبحت واقعا وفعلا متورطة في استمرار العدوان واستمرار الإبادة، في حين أنها بحكم الواقع والحقيقة، كانت ولا تزال تستطيع إن أرادت بصدق وقف المذابح والمجازر الإسرائيلية المستمرة، التي دخلت شهرها الخامس حاليا دون توقف. وأحسب أنه أصبح واضحا لنا ولكل العالم شرقه وغربه، أن الولايات المتحدة هي التي أعطت لإسرائيل الضوء الأخضر لإطلاق حربها الغاشمة والإرهابية على قطاع غزة، وأنها هي التي رفضت ولا تزال ترفض إصدار مجلس الأمن الدولي لقرار بوقف إطلاق النار، وأنها استخدمت الفيتو لوأد كل المحاولات التي جرت لإصدار هذا القرار. ليس هذا فقط، بل قدمت الولايات المتحدة لإسرائيل كل ما تحتاجه من أسلحة وذخائر وقنابل وصواريخ، وكل ما تحتاجه وما يلزمها من وسائل الدمار الشامل لاستخدامها في حرب الإبادة والتدمير على قطاع غزة. كما قدمت ولا تزال تقدم كل الدعم المالي الذي يمكن أن تحتاجه إسرائيل، للقيام بالمذابح وحرب الإبادة، التي تمارسها بكل وحشية على الشعب الفلسطيني. وفي هذا السياق، وعلى الرغم من ذلك كله، نأمل أن يكون تصريح الرئيس الأمريكي بايدن معبرا بصدق عن صحوة تجاه المأساة المروعة.
غرائب بايدن
غريب وعجيب أمر الرئيس الأمريكي جو بايدن، فهو وفق ما قال عبد المحسن سلامة في “الأهرام” يخلط الأوراق، وتُناقض تصريحاته بعضها بعضا، ويقول الشيء ويفعل عكسه على أرض الواقع بغض النظر عن القدرات الذهنية للرئيس الأمريكي، ومدى قدرته على التركيز من عدمه، فهذا شأن يخص الشعب الأمريكي واختياراته، ويخصه هو شخصيا، لكن ما يستدعي التوقف هو حجم التناقض في موقف الرئيس الأمريكي. يتكلم بايدن عن منفذ رفح، ويحاول تشتيت الانتباه عن مأساة الفلسطينيين في رفح، وهو يعلم تماما صلابة الموقف المصري في دعم الأشقاء الفلسطينيين من أول لحظة، والمعلن أمام كل قادة دول العالم، والرأي العام العالمي والعربي، والمحلي بضرورة وقف العدوان الإسرائيلي، ورفض مصر تهجير الأشقاء الفلسطينيين، وتصديها التام لمحاولات تصفية القضية الفلسطينية.. والدعم القوي، والواضح في مساندة الشعب الفلسطيني بالمساعدات، والإمدادات اللازمة، والتعنت الإسرائيلي الواضح في هذا السياق. وقفت الشاحنات المصرية أمام معبر رفح بالساعات الطويلة وهي تحمل الدعم المصري الخالص قبل وصول الإعانات الدولية، لكن العدوان الإسرائيلي على الجانب الفلسطيني من المعبر كان يعطل دخول تلك الإمدادات، وأمريكا تكتفي بالصمت. نسي بايدن كل هذا ربما بسبب مشكلات ذاكرته التي ذكرها تقرير رسمي أمريكي، لكن أعتقد أن نسيانه في هذه الحالة متعمد في إطار تشويش المواقف لمصلحة إسرائيل. كان الموقف المصري القوي، والواضح هو ما أسهم في تغيير العديد من المواقف المنحازة للعدوان الإسرائيلي، بما فيها الموقف الأمريكي نفسه. الرئيس الأمريكي في تصريحاته يوم الجمعة الماضي تحدث، لأول مرة، عن تجاوز العدوان الإسرائيلي الحدود في الرد على المقاومة الفلسطينية، وندد بذلك، ورفض اجتياح مخيم رفح للاجئين الفلسطينيين. هذا الموقف، أيضا، يدخل في عجائب وغرائب بايدن، لأن الواقع أثبت أن إسرائيل هي مجرد عروس «ماريونيت» تتحرك بين أصابع أمريكا، وأنها دولة من ورق، ولولا الدعم الأمريكي اللا محدود لها لما كانت هناك دولة بهذا الاسم الآن. بايدن يستطيع، لو أراد، أن يوقف الحرب فورا أمس قبل اليوم، واليوم قبل الغد، لو أراد ذلك فعلا، لكن الكلام، وتصريحات تهدئة الرأي العام الأمريكي والعالمي شيء، والأفعال على الأرض شيء آخر، بدليل أن أمريكا ترفض حتى الآن إصدار قرار من مجلس الأمن بوقف الحرب. الحرب في غزة دخلت شهرها الخامس، ولا تزال الآلة العسكرية الإسرائيلية والأمريكية تحصد أرواح الأبرياء، وتهدم البيوت، وتدمر كل شيء، فماذا ينتظر بايدن ورفاقه في البيت الأبيض؟
الدور على رفح
شنت إسرائيل بالفعل غارات جوية على مدينة رفح، الواقعة في أقصى جنوب قطاع غزة، على الحدود مع مصر، ما أسفر عن مقتل 44 فلسطينيّا على الأقل، بعد يومين فقط على أوامر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لجيش الاحتلال بالتخطيط لإجلاء الفلسطينيين من المدينة، حيث يقيم فيها حاليا أكثر من مليون فلسطيني نازح. وحسبما يقول عبد اللطيف المناوي في “المصري اليوم”، الجميع يحذرون من حدوث كارثة إنسانية جديدة، إذا نفذت إسرائيل مخططها تجاه رفح، وقد نشرت “وول ستريت جورنال” ووسائل إعلام عبرية خبرا مفاده أن مصر هددت تل أبيب بتعليق معاهدة السلام بين البلدين، إذا دخلت القوات الإسرائيلية رفح، أو إذا أُجبر أي من لاجئي غزة المقيمين في رفح على الدخول إلى سيناء. وزير الخارجية سامح شكري، حذر من الكارثة، ومستشار الأمن القومي الأمريكي جون كيربي، حذر هو الآخر من أن عملية عسكرية في رفح في الظروف الحالية قد تتسبب في كارثة، ولكن نتنياهو لا يسمع أحدا، ولا يرى إلا ما في رأسه فقط، ولا يتكلم إلا بلغة الوعيد والحرب. لا يستطيع أي مسؤول عاقل في الدنيا أن يوافق ويدعم ما تخطط له إسرائيل في الأيام المقبلة في رفح، خصوصا أن أعداد الضحايا ارتفعت بالأمس إلى حوالي 28 ألف شهيد فلسطيني، ولكن يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي متلهف للمزيد من الدماء، وعملية الهجوم على رفح إن تمت، فإنها سوف تضاعف هذا العدد، بل ستؤدي إلى تفجير الأوضاع، ربما في المنطقة بأكملها.
ارتكاب مجازر جديدة
في الواقع، والكلام ما زال لعبد اللطيف المناوي هذا الغرور الإسرائيلي، والإقدام غير المبرر على اجتياح رفح، والرغبة في سفك المزيد من دماء الأبرياء، لا أستطيع أن أفصله عن الدعم الغربي لتل أبيب في بداية الحرب، والكروت الخضراء التي أعطاها رؤساء أهم دول في العالم لآلة الحرب الإسرائيلية من أجل المزيد من القتل، حتى إن كان السبب حسابات حماس الخاطئة. وحتى عندما رأى الغرب الوضع الكارثي في غزة، اكتفوا بتصريحات لا تُسمن ولا تُغني من جوع، ولم يتخذ أي إجراءات من شأنها منع حدوث الاجتياح أو إثناء نتنياهو عن مخططه، الذي يبدو أنه يبني مستقبله السياسي عليه، وخبر المشادة بينه وبين رئيس الأركان في جيش الاحتلال، هرتسي هاليفي، خير دليل، فنتنياهو اعترض على ما يخطط له الجيش من سحب قوات الاحتياط، بينما يصر هاليفي على أن الخطة متوافق عليها في الحكومة، ربما يحاول نتنياهو أن يُظهر للجمهور الإسرائيلي أنه يطالب الجيش ويصر على تحقيق الانتصار الكامل باجتياح رفح، لكن المشكلة ليست عنده، وإنما في الجيش. إن شن هجوم على رفح المكتظة بالنازحين قد يؤدي إلى ارتكاب مجازر كبيرة، في الوقت الذي يتحدث فيه الجيش الإسرائيلي عن فتح ممرات آمنة لعبور السكان والنازحين من رفح إلى خان يونس، في الوقت الذي يطرد فيه سكان خان يونس نحو رفح، والله أعلم ما سيحدث بعد ذلك.
الحرب في أخطر فصولها
توشك الحرب على غزة أن تدخل أخطر معاركها.. إنها حسبما يرى عبد الله السناوي في “الشروق”، الرهان الأخير لنتنياهو لتجاوز أزمته المستحكمة بين ضغوطات متعارضة تهدد مستقبل حكومته وبقاءه هو نفسه في السلطة. اليمين المتطرف يلح على مشروع «التهجير»، قسريا أو طوعيا، من غزة إلى سيناء، أو إلى أي منطقة أخرى في العالم، وهو لا يمانع فيه، لكنه يتحسب لعواقبه. هذا هو المعنى المقصود من عبارة “النصر المطلق”، التي أطلقها في سياق اعتراضه على الصفقة المقترحة لتبادل الأسرى والرهائن. للوهلة الأولى قد تبدو تلك العبارة انفلاتا دعائيا بالألفاظ عن الحقائق العسكرية الماثلة، حيث لم يتمكن الجيش الإسرائيلي من تحقيق أي من هدفيه المعلنين، تقويض «حماس» واستعادة الأسرى والرهائن بقوة السلاح. بما هو وراء الألفاظ الغامضة فإنه يقصد مشروع «التهجير القسري» ولا شيء آخر. إنه الهدف الأعلى لحلفائه في اليمين المتطرف، قبل إعادة الأسرى والرهائن الإسرائيليين، أو على حساب حياتهم إن لزم الأمر. إذا مرّ مشروع “التهجير” وجرى إخلاء غزة من سكانها الفلسطينيين، فقد كسبت إسرائيل الحرب استراتيجيا. وإذا انكسر ذلك المشروع فإنها الهزيمة استراتيجيا وأخلاقيا. دول العالم كلها لا توافق على ذلك السيناريو وتحذر من تبعاته، لكن نتنياهو يمضي فيه حتى لا تنهار حكومته ويخسر منصبه. اليمين المتطرف يرفض بصورة مطلقة الصفقة المقترحة، وشريكه الرئيسي في مجلس الحرب بعد صدمة السابع من أكتوبر/تشرين الأول بيني غانتس يتهمه بالمناورة وعدم الجدية، ملوحا بالانسحاب وتركه وحيدا. مشكلته مع غانتس أن استطلاعات الرأي العام ترشحه لكسب أي انتخابات مبكرة للكنيست. كلاهما يحتاج إلى الآخر لكنه لا يثق فيه. غانتس يدرك أن فرصته في خلافة نتنياهو عالية، لكنه لا يريد أن يخاطر بالخروج من التشكيل الحكومي. بدوره، نتنياهو يدرك أنه بحاجة إلى شريك له خبرة عسكرية عريضة ويتمتع في الوقت نفسه بعلاقات طيبة مع الإدارة الأمريكية، انسحاب غانتس اعتراف بالهزيمة في الحرب على غزة. لم يكن تلويح الجيش الإسرائيلي باجتياح أوسع لرفح الفلسطينية كلاما في الهواء. التخطيط جاهز حسب وزير الدفاع يوآف غالانت، ربما يفسر ذلك بعض أسباب الرفض المراوغ لصفقة التبادل المقترحة، إذ إنها تفضي إلى عودة النازحين من شمال غزة إلى بيوتهم، أو أطلالها بما يعني الإجهاض النهائي لمشروع «التهجير القسري».
إسرائيل تتجاوز كل الحدود
لم يكن ممكنا لنتنياهو وفقا لعبد الله السناوي، رفض الصفقة مطلقا، فهو صدام مفتوح مع قطاع كبير من الرأي العام الإسرائيلي وجميع مراكز القرار في الغرب، ولا كان ممكنا قبولها كما هي، إذ تفضي مباشرة إلى انهيار التحالف الحكومي الذي يقوده.. بترجمة واقعية فهذا وهم مطلق بعد حرب استغرقت حتى الآن أكثر من أربعة شهور، لكنه يؤشر إلى نوع التصرفات والمعارك التي قال هو نفسه إنها قد تستغرق شهورا أخرى، لا سنوات.. على الرغم من الحوافز التي قدمها بلينكن للمضي قدما في التطبيع مع السعودية، لم يكن نتنياهو بوارد الرضوخ لمقتضياتها، أن تكون هناك دولة فلسطينية بعد مدى زمني محدد. أكثر السيناريوهات ترجيحا الآن، اجتياح رفح وارتكاب مجازر أبشع مما جرى حتى الآن بحق نحو مليون فلسطيني. «لا يمكن قبول أن يحدث ذلك». هكذا قيل على لسان منسق مجلس الأمن القومي الأمريكي جون كيربي، دون أن ترادف الإدانات المسبقة أفعال مصدقة تردع آلة الحرب عن المضي في ارتكاب المجازر وحروب الإبادة. لم يكن ذلك محض إخلاء ذمة مسبقا من مجزرة رفح، ولا كانت تصريحات الرئيس الأمريكي جو بايدن نفسه من أن إسرائيل تجاوزت الحد في حرب غزة، نوعا من المراجعة للمواقف والسياسات بقدر ما كانت محاولة لترميم صورة إدارته في أعين أعضاء حزبه، التي تقوضت على خلفية مواقفه اللا متوازنة واللا إنسانية في حرب غزة. إننا أمام أفعال على الأرض تمهد لإجبار النازحين الفلسطينيين بترهيب التقتيل الجماعي للنزوح لتجاوز الخط الحدودي إلى رفح المصرية داخل سيناء. أمام ذلك المستوى من الخطر يتعين على مصر أن ترفع صوتها عاليا بالغضب، دون تردد أيا كانت كلفة المواقف حتى لا نكون أمام نكبة ثانية للقضية الفلسطينية تضيع معها السيادة المصرية على سيناء.. التنبه ضروري والغضب لازم.
المقاومة لا تموت
أصبحت كلمتا «حماس» و«القسام» من أكثر الكلمات شيوعا وتكرارا منذ إطلاق عملية طوفان الأقصى. تحظى الحركة وجناحها العسكري بالقدر الأكبر من الاهتمام الإعلامي والسياسي. وما يبقى تناله حركة الجهاد وجناحها العسكري «سرايا القدس». ولهذا يظن البعض، وربما كُثُر، حسب الدكتور وحيد عبد المجيد في “الأهرام”، أنه لا مقاومة في قطاع غزة، وفي فلسطين عموما، غيرهما. ولكن الحقيقة أن هناك عشرة فصائل أخرى مع «حماس» و«الجهاد» في إطار غرفة العمليات المشتركة في غزة. فصائل المقاومة الأخرى أصغر وقدراتها أضعف، ولكنها كلها تُقاتلُ في غزة، ويشارك بعضها في المقاومة المتصاعدة في الضفة الغربية. ابتعاد الأضواء عنها وبقاؤها في الظل لا يؤثر في دورها، كلُ بما يستطيع. والملاحظ أن أدوار بعضها أخذت في الازدياد في الأسابيع الأخيرة، وأثبتت قدرتها في شمال القطاع ووسطه بعد أن حشدت «القسام» و«سرايا القدس» معظم كتائبهما المقاتلة في الجنوب، خاصة في خان يونس وحولها. وستزداد أدوارها أكثر، وستتنامى بعد إنهاء العدوان عندما يلتحقُ بها صبية وشباب تُشعل همجية العدوان اليوم جذوة المقاومة في صدورهم، خاصة من لا يشاركون حركتي «حماس» و«الجهاد» اتجاهاتهما الفكرية. ومن أهم هذه الفصائل ألوية الناصر صلاح الدين، وكتائب شهداء الأقصى، التي يُعاد تفعيلها الآن. ألوية الناصر هي بنت انتفاضة 2000. وليس معروفا بدقة عدد مقاتليها وأنواع أسلحتها اليوم، ولكن متابعة مجريات القتال في غزة تدل على أنها تؤدي دورا مهما. كما بُدئ في تفعيل كتائب شهداء الأقصى مجددا بمنأى عن قيادة حركة «فتح» الرسمية، وبدعم من بعض قادتها الذين ما زالوا على العهد. وهي تعملُ من خلال تشكيلاتٍ محليةٍ منفصلة عن بعضها إلى حين. ويوجد أيضا نوعان آخران من الفصائل. الأول يضم الفصائل القديمة التي أنشئت عقب حرب 1967، وفي مقدمتها كتائب أبو علي مصطفى (الجبهة الشعبية) وكتائب المقاومة الوطنية (الجبهة الديمقراطية). ويشمل النوع الثانى فصائل خرجت من كتائب شهداء الأقصى عندما قررت السلطة حلها. ومن أهمها جيش العاصفة، ولواء العامودي، وكتائب الحسيني، وكتائب الأنصار. سلامُ لكل المقاومين في الضوء كانوا أم في الظل، وسلامُ عليهم، وسلامُ لأرواح الشهداء منهم.
فساد مراوغ
لا توجد على الخريطة، على حد رأي أشرف عزب في “الوفد”، خطوط طول ودوائر عرض تحدد بدقة أماكن الفساد، أو تكشف الذين يعيشون عليه ويتربحون منه، ولا توجد أيضا سمات شخصية ظاهرة يمكن من خلالها فرز الفاسدين عن غيرهم، فالحيلة والخداع وارتداء أقنعة الشرف وثياب الفضيلة والعمل الصالح، من القواعد الأساسية لممارسة الفساد، ولكن القضايا التي تكشفها الأجهزة الرقابية، تؤكد أن الأماكن المحتملة لوجود بؤر الفساد والبيئات الحاضنة له، هي تلك الأماكن التي تزداد فيها عوامل الإغراء لممارسة تلك العمليات، ويرتفع مؤشر هذا الوجود كلما اتسعت دائرة سلطة الفرد وقدرته على اتخاذ القرار أو المشاركة فيه. وتؤكد لنا تلك القضايا أيضا أن الفساد دوائر مغلقة وشبكات منظمة وسلاسل متشابكة، وسقوط شبكة فساد في وزارة التموين مؤخرا وكان من بينهم مستشار الوزير للرقابة والتوزيع خير مثال على ذلك، ولن نجد صعوبة في سرد وقائع مشابهة كشفت عنها الأجهزة الرقابية من قضايا رشوة واختلاس واستغلال نفوذ واستيلاء على المال العام أو تسهيله. الخطير في الأمر، هو ذلك «الفتور» الذي يصيب البعض بعد سماع خبر سقوط إحدى تلك الشبكات في قبضة الأمن، فهل تسرب إلينا هذا الإحساس وتلك «اللامبالاة»، بعد أن أمسى شعار «كرمش إيدك وانجز نفسك واكسب وقتك» من البديهيات، وأصبح الجشع والاحتكار «لقمة عيش حلوة»، وأضحت أساليب الفهلوة «شطارة»، فصار لدينا فساد «مُتفَقٌ عَلَيْه» تعايشنا معه وارتضينا به طوعا وكرها. هل انتقلت إلينا تلك الحالة مع عمليات الترحال اليومية تحت رحمة سائق «ميكروباص» قرر أن يرفع التعريفة «الأجرة» على الركاب و«اللى مش عاجبه ينزل» أو اتخذ قرارا «بتقَطِيع» الطريق وتقسيمه إلى محطات حسب الهوى لمضاعفة المكاسب من مسافة واحدة، دون أن يشعر أحدهم بالخجل من اعتصار نساء ورجال وأطفال في طوابير الانتظار و«المحايلة».
كي تسقط الحيتان
هل سيطر علينا هذا «الفتور» الذي انتبه له أشرف عزب بعد تكرار مشاهد دفع الأموال وتوزيع الوجبات و«الكراتين» أمام بعض اللجان الانتخابية، ثم ألِفنا مشاهد شحن البعض وتفريغهم أمام تلك اللجان، ولم يعد غريبا على أسماعنا تداول أسعار بورصة «الصوت وصل عندك كام؟»، فاعتدنا تلاعب الصغار، ولم يعد يدهشنا سقوط الحيتان؟ على كل حال، لا توجد دولة خالية من الفساد، ولا توجد أزمنة خلت منه، ليكون الفارق الوحيد في كل زمان ومكان، هو قدرة المجتمع على التخلص من هذا الوباء والقضاء عليه، لأنه أصل الشرور والانهيار والسقوط. فى كتاب «سنغافورة من العالم الثالث إلى العالم الأول»، يحكي «لي كوان يو، 1923- 2015»، رئيس وزراء سنغافورة الأسبق، كيف تمت مواجهة عمليات الفساد المنظمة في البلاد، يقول: آلمنا طمع وفساد وانحلال العديد من الزعماء الآسيويين، لقد تحول المقاتلون في سبيل الحرية والمناضلون لإنقاذ شعوبهم المضطهدة إلى زمر من الفاسدين، الذين يبذرون ويبددون ثرواتها، فتخلفت مجتمعاتهم وتدهورت أحوالها. يقول: كان لدينا إحساس عميق بضرورة تأسيس حكومة نظيفة اليد ذات كفاءة، وتأكدنا منذ اليوم الذي استلمنا فيه الحكم في يونيو/حزيران 1959 أن كل دولار من العائدات سوف يسجل ويصل كله إلى المحتاجين على مستوى القاعدة الشعبية، دون أن يقتطع منه شيء في الطريق إليهم، وهكذا ومنذ البداية ركزنا انتباهنا بصورة خاصة على المجالات التي كانت فيها السلطات القادرة على اتخاذ القرارات الصائبة عرضة للاستغلال من أجل المكاسب الشخصية، وعملنا على صقل الأدوات والوسائل التي يمكنها منع واكتشاف أو ردع مثل هذه الممارسات. ويؤكد لي كوان يو، أنه من السهولة البدء نظريا بمعايير أخلاقية سامية، وقناعات قوية راسخة، وتصميم أكيد على القضاء على الفساد، لكن من الصعب البقاء على مستوى هذه النوايا الصافية إلا إذا امتلك الزعماء ما يكفي من القوة والتصميم على التعامل مع المخالفين ومنتهكي القانون دون أي استثناءات.