الخرطوم- «القدس العربي»: ” كانت هي المنبر الوحيد لصناعة الرأي العام في السودان، لم تكن هناك نقابات ولا جمعيات ولا مجالس بلدية، لذلك تعلق الناس بالصحافة، رأيت أنها المدخل للعمل العام لذلك كان من الطبيعي أن أدخل هذا العالم”. هكذا قال عميد الصحافة السودانية محجوب محمد صالح إلى الصحافة من بوابة البناء القاعدي لمقاومة الاستعمار البريطاني. كان موقناً بأن الصحافة قادرة على صناعة التغيير الذي كان يصبو إليه السودانيون التواقون وقتها للتحرر من الاستعمار.
رغم المرض الذي تحمله بصبر وجلد لسنوات، ظل صالح محمولاً بالهم الوطني حتى آخر أيامه، حيث كان يعمل على ورقة حول صناعة السلام في السودان.
كان وداعاً حزيناً، في خضم حرب مدمرة يعيشها السودانيون دخلت شهرها الحادي عشر، حيث شُيع من المهجر عميد الصحافة السودانية عن عمر ناهز 95 عاماً إلى مقابر السيدة عائشة بالقاهرة، أمس الأربعاء.
هكذا حمل ابنه وائل نبأ رحيله لمحبيه وتلاميذه، مشيراً إلى أن وفاته حدثت في الثانية من بعد ظهر الثلاثاء بعد صبر على بلاء المرض وامتحانه. وأضاف: “فقدنا جلل ومصابنا ومصاب الآلاف من قراء وأهل وأصدقاء وأحباب وتلاميذ ومحبي وعارفي فضل أستاذ الأجيال أليم”.
نعي رئيس وأعضاء مجلس السيادة صالح، لافتاً إلى ريادته التي نهضت بمسيرة الصحافة السودانية وعمقت ارتباطها بالرأي العام مؤسساً للصحف تارة ورئيساً لتحريرها حيث ظل قلمه في كل تلك المحطات ملتزماً ومنحازاً للوطن وهموم المواطن.
وأضاف: “كان كاتباً وصحافياً لا يشق له غبار. حيث يعد فقيد الصحافة والوطن أحد المراجع الموثقة لتاريخ الصحافة السودانية وشاهداً على عصور نهضتها وتطورها منذ فجر الحركة الوطنية”.
وأشار رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك إلى الأثر العميق الذي خلفه رحيله في مسار البلاد نحو الحرية والسلام والعدالة، وذلك عبر عمله على إرساء صحافة حرة ومهنية، وضع لبناتها مع رفيقيه بشير محمد سعيد ومحجوب عثمان في صحيفة «الأيام» في العام 1953 وواصل هذا المسار على مدى عقود عديدة دون كللٍ أو مللٍ.
ولفت إلى أن البلاد تفقد صالح في وقت حرج تتناقص فيه أوتاد وحدتها وسيادتها بفعل الحرب التي اندلعت منذ الخامس عشر من أبريل/ نيسان الماضي والتي دمرت البلاد وقتلت وشردت أبناءها وبناتها بين منافي النزوح واللجوء.
وقالت نقابة الصحافيين السودانيين: “ساهم صالح في إعداد أجيال من الصحافيين بنزاهته ومهنيته وتفانيه والتزامه الثابت بالحقيقة”، مضيفة: “يشق علينا أن ننعى لجموع الصحافيين والصحافيات عميد الصحافة السودانية الأستاذ محجوب محمد صالح الذي رحل عن دنيانا الثلاثاء بمستشفى “هيفن” بالعاصمة المصرية القاهرة”.
لقد كان الفقيد شخصية بارزة في وسائل الإعلام السودانية، حيث ساهم في إعداد أجيال من الصحافيين بنزاهته ومهنيته وتفانيه والتزامه الثابت بالحقيقة.
عمل محجوب محمد صالح في عدد من الصحف السودانية قبل أن يؤسس مع كل من بشير محمد سعيد ومحجوب عثمان صحيفة «الأيام» في العام 1953. اشتهر بعموده (أصوات وأصداء) وترأس مركز الأيام للدراسات الثقافية والتنمية، وله العديد من المؤلفات أبرزها تاريخ الصِّحافة السودانية في نصف قرن، بجانب أضواء على قضية الجَنُوب وغيرها، ليصبح ذاكرة وطنية حية للبلاد.
ولفتت نقابة الصحافيين إلى أن الصحافة التي أرساها (العميد) لم تكن قط تدور حول الإثارة أو تحقيق مكاسب شخصية. لقد كان مدافعاً شرساً عن السلام والديمقراطية وحقوق الإنسان، مستخدماً منصته لفضح الظلم وإعطاء صوت لمن لا صوت لهم. غالباً ما وضعه عمله على خلاف مع السلطات، لكنه لم يتردد أبداً في سعيه وراء الحقيقة والمساءلة.
يعد صالح أحد المساهمين في تأسيس نقابة الصحافيين، وظل من الداعمين لعودتها بعد ثورة ديسمبر/ كانون الأول 2018 منذ أن كانت حلماً وعمل عبر مبادرته للإصلاح بين الأجسام المختلفة، كما سلم النقابة المنتخبة أرشيفاً يضم محاضر تاريخية للنقابة ويعد الأرشيف إرثاً للأجيال السابقة، والحالية، واللاحقة للصحافيين، والصحافيات. بينت النقابة مشيرة إلى أن البلاد بفقده فقدت رجلاً حكيماً ووطنياً غيوراً، برحيله تطوي الصحافة السودانية سيرة ملهمة للصحافيين والصحافيات.
وقال وزير الإعلام السوداني السابق في عهد الحكومة الانتقالية، فيصل محمد صالح: “منذ بداية الخمسينيات ظل عميد الصحافة السودانية ممسكاً بقلمه بصلابة وقوة، مدافعاً عن قيم الحرية والديمقراطية، ومساهماً في الساحة الوطنية بالرأي والعمل في المبادرات الوطنية، ممثلاً للحكمة والموضوعية والوطنية الصادقة. كما ظل هو وصحيفة «الأيام» مدرسة يتعلم فيها الصحافيون القيم المهنية والأخلاقية للعمل الصحافي”. وفي حديثه عن فقيد الصحافة، قال رئيس حزب المؤتمر السوداني عمر الدقير: “لقد أدرك صالح واجبه الوطني والتنويري في مقتبل العمر، وعاش وفياً لهذا الواجب منذ أن كان طالباً في كلية الخرطوم الجامعية التي فُصِل منها بسبب نشاطه السياسي المناهض للاستعمار البريطاني من موقعه ضمن قيادة اتحاد الطلاب، وذلك قبل أن يؤسس عام 1953 – مع رفيقيه بشير محمد سعيد ومحجوب عثمان – جريدة “الأيام” التي اتخذها منصةً للوفاء بواجبه وظل من خلالها في الصميم والعمق من أي حراك سياسي أو اجتماعي ينشد الخلاص من واقعٍ غاشم، حيث أسهمت الجريدة بفعالية كبيرة في معركة الاستقلال وتوحيد الإرادة الوطنية حتى تم إعلانه بالإجماع من داخل البرلمان”.
وفي عهود الحكم الوطني، المدني والعسكري، واصل الأستاذ محجوب – عبر “الأيام” – معركة التنوير والمنافحة عن حقوق الإنسان والحريات الأساسية، مُشْهِراً قلمه للدفع باتجاه ترسيخ الوعي الديمقراطي والاعتراف بالتنوع وحسن إدارته وتعزيز الشعور الوطني وإشاعة ثقافة التعايش السلمي والاهتمام بقضايا الناس المعيشية، ولم يسمح لـ “الأيام”، تحت إدارته، أن تتزحزح عن المسؤولية المهنية والوطنية رغم الملاحقة والسجن والتشريد والمصادرة والإيقاف الإداري التعسفي عن الصدور.
وتابع: “كان الأستاذ محجوب يراهن على وردةٍ تشقُّ الصخر عبر مهنةٍ تختبر الضمير ومنسوب المناعة الأخلاقية، فنجح بامتيازٍ تتقاصر دونه الجوائز كلُّها ظفر بإجماعٍ قَلمّا ظفر به آخرون، وترك سيرةً ناصعةً يزداد بها سطوعاً رغم غيابه الجسدي”.
وذكر رئيس الحركة الشعبية التيار الثوري الديمقراطي ياسر عرمان أن رحيل عميد الصحافة السودانية جاء في ظل عسكرة الفضاء المدني والسياسي ونزوح الحياة المدنية ولجوئها واقتلاع سلمية الثورة السودانية، مشيراً إلى أنه يأتي في وقت تُطرح فيه على الحركة الوطنية السودانية مهام وواجبات غير مسبوقة منذ نشأتها الحديثة.